تشهد العلاقات التجارية بين الاتحاد الأوروبي والصين حالة من الجمود العميق، في ظل مؤشرات واضحة على أنها ربما تزداد سوءاً خلال الفترة المقبلة، في ظل غياب أي بوادر لانفراج قريب، وفق مجلة “بوليتيكو”.

وأشارت المجلة، في تقرير الخميس إلى عدم وجود أي مؤشرات على تحسّن العلاقات قبل زيارة المستشار الألماني فريدريش ميرتس إلى الصين الشهر المقبل، في وقت تتصاعد فيه المخاوف الأوروبية من الهيمنة المتزايدة للصادرات الصينية، وتراجع فرص إعادة التوازن التجاري.

وأضافت أنه، بحسب التقويم الصيني، فإن عام 2026 سيكون عام “حصان النار”، الذي يرمز إلى الفرص، لكنه يحمل في الوقت نفسه الفوضى والاضطراب، غير أن قادة الاتحاد الأوروبي، لا يحتاجون إلى قراءة الأبراج لمعرفة أن احتواء بكين لن يصبح أسهل، بعد عام وصلت فيه العلاقات التجارية بين الجانبين إلى أدنى مستوياتها، مع تأكيد بكين تفوقها الساحق في مجال التصدير.

ونقلت المجلة عن أليشيا جارسيا هيريرو، وهي كبيرة الاقتصاديين لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في بنك الاستثمار الفرنسي Natixis، وباحثة بارزة في مركز Bruegel للأبحاث، قولها: “نحن في حالة جمود تام”.

وأضافت: “العجز التجاري لن يتحسن في أي وقت قريب، والصين لن تستهلك منتجاتنا.. كل ذلك مجرد تفكير بالتمني”.

تصعيد صيني أوروبي متبادل

وذكرت المجلة أن سياسة “المعاملة بالمثل” لا تزال هي السائدة بعد عام كامل من الإجراءات الانتقامية التجارية والبرود الدبلوماسي.

ففي ديسمبر الماضي، أعلنت بكين أحدث خطواتها الانتقامية في النزاع المتعلق بالرسوم الجمركية التي فرضها الاتحاد الأوروبي عام 2024 على السيارات الكهربائية المصنّعة في الصين، وذلك عبر فرض رسوم عقابية مؤقتة على منتجات الألبان، كما أبدت استياءها الواضح من محاولة شركة السيارات الألمانية “فولكس فاجن” الحصول على استثناء من هذه الرسوم.

وأوضحت “بوليتيكو” أن تحوّل الولايات المتحدة نحو تدابير الحمائية في عهد الرئيس دونالد ترمب أسهم في إعادة توجيه تدفقات التجارة العالمية، ما جعل تسوية القضايا المعقّدة، مثل الوصول إلى الأسواق ودعم الدولة، أكثر صعوبة. 

وشهدت معدلات الصادرات الصينية إلى أوروبا ارتفاعاً، وأصبحت تفوق صادرات القارة إلى بكين بأكثر من الضعف، في وقت تشهد فيه الصادرات الأوروبية إلى السوق الصينية تراجعاً مستمراً.

وفي هذا السياق، سعى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى جعل معالجة الاختلالات الاقتصادية العالمية محوراً أساسياً لرئاسة فرنسا لمجموعة السبع هذا العام.

وكتب ماكرون، في مقال رأي بصحيفة “فاينانشيال تايمز” البريطانية عقب زيارته إلى بكين في ديسمبر: “إما أن نعيد التوازن إلى العلاقات الاقتصادية بشكل تعاوني، من خلال إشراك الصين والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في شراكة حقيقية، أو لن يكون أمام أوروبا خيار سوى تبنّي المزيد من الإجراءات الحمائية”.

ما هي الاستراتيجية الأوروبية؟

بحسب “بوليتيكو”، لم يُظهر الرئيس الصيني شي جين بينج حتى الآن أي استجابة للدعوات الأوروبية لإعادة التوازن التجاري، في وقت يحذر فيه خبراء من احتمال تصاعد التوترات القائمة.

وقالت فرانشيسكا جيريتي، مديرة مبادرة الصين وأوروبا في مركز Rand للأبحاث إن “عام 2026 سيشهد تكثيفاً للتحركات، والتوترات التي بدأت تظهر بالفعل في 2025”.

وأضافت: “لا يزال التحدي الأساسي الذي يواجه الاتحاد الأوروبي قائماً، ويتمثل في تحديد نهج استراتيجي، وليس فنياً، تجاه الصين، يتجاوز التدابير الدفاعية”، وتابعت: “على الرغم من أن بروكسل تعمل تدريجياً على بناء إطار فني وسياسي أكثر صلابة، فإنه قد يُساء تفسير القدرة على أنها استراتيجية”.

ورجحت “بوليتيكو” أن العلاقات بين الصين والاتحاد الأوروبي ستواجه أول اختبار لها هذا العام في فبراير المقبل، مع زيارة ميرتس إلى بكين، مشيرة إلى أن الاقتصاد الألماني، الأكبر في أوروبا، يواجه صعوبات متزايدة، مع خسارة شركات السيارات الألمانية أمام منافسيها الصينيين فيما يتعلق بالتكنولوجيا والأسعار، كما تحوّل الفائض التجاري لبرلين إلى عجز، نتيجة تراجع صادراتها إلى الصين.

وأوضحت المجلة أن الاتحاد الأوروبي يعتمد في الغالب على تحقيقات تجارية شديدة الاستهداف لمواجهة الواردات التي تُخل بمبدأ المنافسة العادلة، ورغم أن بروكسل تجري 37 تحقيقاً من هذا النوع ضد الصين، فإن أياً منها لا يعالج مشكلة فائض الإنتاج بشكل مباشر.

وضربت المجلة مثالًا بالتحقيق الذي وصفته بأنه “مُسيّس بشدة”، الذي أطلقته بروكسل بشأن دعم الصين لصناعة السيارات الكهربائية، مشيرة إلى أنه، رغم أنه ربما أسهم في خفض عدد السيارات الكهربائية العاملة بالبطاريات المستوردة، فإن الصين تحوّلت ببساطة إلى تصدير السيارات الهجينة بدلًا منها.

وأضافت المجلة أن الثغرات تُعد “سمة أساسية” في تحقيقات الدفاع التجاري، وليست خللاً عرضياً.

حروب الرسوم الجمركية

وبحسب “بوليتيكو”، فإن هذا الواقع ينذر بعام جديد من حروب الرسوم الجمركية، ففي العام الماضي، أبدت بكين قدراً من ضبط النفس عبر خفض الرسوم على بعض المنتجات، لكنها مضت قدماً في تحقيق بشأن منتجات الألبان، فرضت بموجبه رسوماً مؤقتة مرتفعة وصلت إلى 42.7%، ومن المقرر أن تحدد بكين الرسوم النهائية في أواخر فبراير، في خطوة أثارت غضب المفوضية الأوروبية.

ولفتت إلى أن أحد المجالات التي اتخذ فيها الاتحاد الأوروبي موقفاً أشد صرامة تجاه الصين يتمثل في العقوبات المفروضة على روسيا، فبعد فترة طويلة من الحذر في اتهام بكين أو الشركات الصينية بالتورط في التجارة المرتبطة بالحرب الروسية، استهدف الاتحاد الأوروبي في عام 2025 بنوكاً وشركات نفط صينية.

ونقلت “بوليتيكو” عن الباحثة أليسيا كاروسو، من معهد الدراسات الأمنية التابع للاتحاد الأوروبي، قولها: “الصين تتفاعل مع ما نفعله”، مضيفة أن خدمات الدفع والخدمات المصرفية كانت “هدفاً جيداً”.

وأوضحت أن حظر المعاملات المفروض على المؤسسات المالية الصينية كان أكثر فاعلية من الإجراءات التي استهدفت شركات الخدمات اللوجستية على نحو فردي.

وتابعت الصحيفة أن بروكسل، إلى جانب الرسوم الجمركية والعقوبات، ماضية في مسار تنويع علاقاتها التجارية بعيداً عن الصين، وتعزيز أدوات الدفاع التجاري التي جرى تطويرها مع وضع الصين في الحسبان، غير أن بكين، بحسب التقرير، لا تبدو مكترثة كثيراً بهذه الخطوات.

تعزيز الأمن الاقتصادي

وذكرت “بوليتيكو” أن المفوضية الأوروبية نشرت في عام 2025 مبدأ “طال انتظاره” للأمن الاقتصادي، يهدف إلى منع وقوع الأصول الحيوية والتكنولوجيا والبنية التحتية في أيدي جهات معادية، كما أعدّت المفوضية بياناً جديداً بشأن تنويع إمدادات الاتحاد الأوروبي من المعادن الحيوية، صيغ على عجل رداً على القيود الصينية المفروضة على تصدير المعادن الأرضية النادرة، لكنه لم يحظَ باهتمام يُذكر في بكين.

وذكرت المجلة أن المفوضية تعتزم هذا العام تقييم ما إذا كانت ترسانة الدفاع التجاري الحالية كافية للتصدي السريع للتهديدات القادمة من الصين والولايات المتحدة، على أن تقترح إجراءات جديدة بحلول الصيف في حال رصدت أي ثغرات.

وقالت جارسيا هيريرو: “أعتقد أن أوروبا ستفرض إجراءات حمائية إضافية، لكن على الأرجح دون جدوى”.

واختتمت المجلة تقريرها بالإشارة إلى أن مدى استجابة بكين لمخاوف أوروبا سيعتمد إلى حد كبير على استعداد قادة الدول الأوروبية لتشديد خطابها.

وفي ظل العلاقات الاقتصادية التاريخية الوثيقة بين ألمانيا والصين، فإن كيفية تعامل المستشار الألماني مع زيارته، وما إذا كان سيتبنى نبرة تصعيدية مشابهة لماكرون، سيكون عاملاً حاسماً في المرحلة المقبلة.

ومن جانبها، قالت غرفة التجارة الصينية لدى الاتحاد الأوروبي: “بصفتها رئيسة مجموعة السبع، من المرجّح أن تزيد فرنسا الضغط من أجل المعاملة بالمثل وإعادة التوازن”.

وأضافت: “مع ذلك، فإن فرنسا لطالما تجنبت الدعوة إلى فك الارتباط، وقد تُسهم رئاستها في توجيه الخطاب الأكثر تشدداً نحو حوار منظّم بدلاً من المواجهة المباشرة”.

شاركها.