حظيت المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل باستقبال حافل خلال مشاركتها في مؤتمر حزب “الاتحاد الديمقراطي المسيحي” في شتوتجارت، في مشهد عكس استمرار حضورها القوي داخل الحزب المحافظ رغم مرور سنوات على مغادرتها السلطة، وذلك في لحظة بدت اختباراً رمزياً لقيادة المستشار الحالي فريدريش ميرتس الذي اضطر إلى انتظار هدوء القاعة قبل استئناف أعمال المؤتمر، بحسب مجلة “بوليتيكو”.

وغابت ميركل، التي شغلت منصب المستشار بين عامي 2005 و2021، إلى حد كبير عن فعاليات الحزب منذ مغادرتها المنصب، إلا أن ظهورها في المؤتمر قوبل بحفاوة واضحة، إذ وقف عدد من المندوبين لتحيتها لنحو دقيقة كاملة، في مؤشر على أن إرثها السياسي لا يزال حاضراً رغم الجدل الداخلي بشأن سياساتها.

ورغم الانتقادات التي طالت فترة حكمها، لا سيما في ما يتعلق بسياساتها تجاه روسيا وإدارتها أزمة الهجرة عام 2015، فإن أجواء المؤتمر عكست صعوبة إحداث قطيعة سياسية واضحة مع نهجها داخل الحزب.

بل إن مواقف ميرتس الأخيرة تشير إلى تقارب متزايد مع الخط الوسطي الذي تبنّته ميركل، بعدما كان قد تعهد سابقاً بإعادة تمييز الحزب وتعزيز حضور الجناح المحافظ فيه.

وجاء هذا التحول واضحاً في تأكيد ميرتس أنه اتخذ “قراراً نهائياً” بالسعي إلى دعم سياسات الحزب من داخل الوسط السياسي حصراً، في خطوة فُسّرت على نطاق واسع على أنها إعادة تموضع تهدف إلى تعزيز فرص الحزب الانتخابية.

وكان ميرتس قد أثار جدلاً واسعاً قبل عام عندما دعم مشروع قرار يدعو إلى تشديد سياسات الهجرة، وهو قرار لم يمر إلا بدعم حزب “البديل من أجل ألمانيا” اليميني المتطرف، في خرق لمحظور سياسي حيث تلتزم جميع الأحزاب التقليدية بما يُعرف بـ”الجدار العازل” الذي يمنع أي شكل من أشكال التعاون مع الحزب.

وقال ميرتس آنذاك: “أنا لا أنظر إلى اليمين أو اليسار؛ في هذه القضايا أنظر مباشرة إلى الأمام”. وفسّر كثيرون تصريحه على أنه استعداد لطمس حدود ذلك الجدار السياسي. وأثار ذلك قلقاً في أوساط اليسار، أعقبته تظاهرات حاشدة. أما ميركل، فكَسرت صمتها المعتاد بعد مغادرة المنصب وانتقدت خطوة ميرتس ووصفتها بأنها “خطأ”.

لكن إعادة تموضع ميرتس باتجاه الوسط تُنظر إليها على أنها تصحيح للمسار، وهو توجه يُعتقد أن ميركل تنظر إليه بارتياح.

وخلال المؤتمر، حظيت ميركل باهتمام لافت من المشاركين الذين حرصوا على مصافحتها والتقاط الصور معها، بينما وصف عدد من المندوبين الحزب بأنه “عائلة سياسية” تضم مختلف التيارات.

ويرى مسؤولون حزبيون أن حضور ميركل يعكس دعماً ضمنياً لقيادة ميرتس، كما يعبّر عن رغبة داخل الحزب في إظهار الوحدة وتجنب الانقسامات الداخلية، خصوصاً في ظل التحديات الانتخابية المقبلة.

ويبدو أن الاعتبارات الانتخابية لعبت دوراً في إبراز حضور ميركل، إذ يُعتقد أن صورتها لا تزال تحظى بقبول واسع لدى الناخبين الوسطيين، ما يجعلها بمثابة “رصيد سياسي مهم” للحزب.

وفي هذا السياق، يتقدم هدف الوصول إلى السلطة على ما عداه داخل الحزب، بما في ذلك الخلافات بشأن الإرث السياسي أو التوجهات الأيديولوجية.

ورأت يانا شيمكه، العضوة السابقة في “البوندستاج” عن براندنبورج والرئيسة الحالية لاتحاد الفنادق والمطاعم في ألمانيا، وهي من الجناح المحافظ الذي طالما ضاق ذرعاً بنهج ميركل الوسطي، أن حضور المستشارة السابقة “أمر إيجابي للغاية”. وأشارت إلى أن ميركل أرادت إظهار دعمها لميرتس.

أما ينس شبان، رئيس الكتلة البرلمانية للتحالف المسيحي ووزير الصحة السابق في حكومة ميركل، فتبنّى موقفاً مشابهاً، قائلاً: “مؤتمر الحزب لحظة لتحديد المواقف، لكنه أيضاً مناسبة عائلية”، مضيفاً: “أنجيلا ميركل جزء من هذه العائلة”.

وقال فولكر كاودر، الزعيم البرلماني السابق المقرب من ميركل، بصراحة: “الحزب يريد الوحدة لا الخلاف”. فيما أبدى رئيس وزراء ولاية ساكسونيا، ميشائيل كريتشمر، رفضاً واضحاً لفكرة القطيعة مع ميركل قائلاً: “أبداً”.

“ميرتسل”

وقدّم وزير اتحادي سابق، طلب عدم كشف هويته، قراءة أكثر براجماتية، معتبراً أن زيارة ميركل تُمثّل “مكسباً للطرفين”، إذ تشير إلى أنها ما زالت مهتمة بالحزب.

أما بالنسبة لميرتس، فمهما كانت الخلافات الشخصية، لم يكن أمامه خيار سوى اعتماد نبرة تصالحية.

وفي النهاية، يظل هدف الحزب الأول هو القدرة على الحكم. أما مصدر استقطاب الناخبين والوسائل أو الرسائل أو الوعود المستخدمة فيأتي في المرتبة الثانية، وفق “بوليتيكو”.

وقد سخر بعض المنتقدين عبر الإنترنت من التقارب بين ميرتس وميركل بإطلاق تسمية “ميرتسل” (Merzel)، في إشارة إلى اندماج نهجيهما السياسيين، إلا أن هذا التقارب لا يواجه معارضة تُذكر داخل الحزب. فقد أعاد نحو 91% من المندوبين انتخاب ميرتس رئيساً للحزب، في تفويض قوي يعزز موقعه القيادي.

وبينما خرج ميرتس من مؤتمر شتوتجارت مدعوماً بتجديد الثقة، بدا أن ميركل أيضاً حققت مكسباً سياسياً هادئاً، إذ أكد حضورها أن تأثيرها داخل الحزب لم يتراجع بعد.

شاركها.