أظهرت صور التقطتها الأقمار الاصطناعية، فضلاً عن شهادات سكانٍ في مدينة غزة، أن إسرائيل دمرت عشرات المباني وشردت آلاف الفلسطينيين، في انتهاكٍ لاتفاق وقف إطلاق النار، وفق وكالة “رويترز”، عندما نقلت كتلاً ترسم الخط الفاصل بموجب الاتفاق إلى عمق حي التفاح، في ديسمبر الماضي.

وتوضح صور الأقمار الاصطناعية أن إسرائيل وضعت الكتل الخرسانية التي تهدف إلى ترسيم “الخط الأصفر” في مناطق بأنحاء غزة على بعد عشرات أو أحياناً مئات الأمتار داخل الأراضي التي تسيطر عليها “حماس”، وأن جيشها أقام أيضاً ما لا يقل عن 6 تحصينات لتمركز قواته.

وتظهر الصور كيف غيرت إسرائيل منفردة خط سيطرتها في غزة وطوقت المزيد من الأراضي التي يمكن أن يعيش فيها الفلسطينيون، حتى في الوقت الذي يمضي فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب قدماً في خطة إنهاء الحرب الإسرائيلية على غزة التي تدعو إلى ​انسحاب القوات الإسرائيلية من المزيد من المواقع.

وتبدو، بحسب “رويترز”، منطقة السيطرة الإسرائيلية الآخذة في الاتساع أكثر وضوحاً في حي التفاح ​الذي كان يوماً ما حياً تاريخياً في مدينة غزة، لكنه صار أرضاً قاحلة تنتشر بها المباني المدمرة والحطام المعدني جراء القصف الإسرائيلي على مدى عامين.

ولجأ الآلاف من الفلسطينيين إلى حي التفاح بعد سريان وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي، والذي كان من المفترض أن يشهد انسحاب القوات الإسرائيلية إلى “الخط الأصفر” المحدد على الخرائط العسكرية ويمتد تقريباً على ‌طول قطاع غزة بالكامل ويلاصق الحافة الشرقية للحي.

لكن صور الأقمار الاصطناعية لحي التفاح التي التقطت بين يومي الثاني و13 ديسمبر تظهر أن إسرائيل وضعت في البداية كتلاً على الجانب الذي تسيطر عليه “حماس” من “الخط الأصفر” ثم نقلتها إلى مسافة 200 متر تقريباً إلى الداخل.              

وتُظهر الصور أنه بعد نقل الكتل المطلية باللون الأصفر، بدأ الجيش الإسرائيلي في تسوية المنطقة بالأرض وتدمير ما لا يقل عن 40 مبنى. ولم يعد باقيا الآن سوى القليل من المباني القائمة بين الكتل التي جرى وضعها حديثاً والخط الأصفر.    

ولم يتضح كيف هدمت إسرائيل المباني، لكنها استخدمت في السابق مزيجاً من القصف الجوي، والتفجيرات المُحكمة، والجرافات.

وزعم الجيش الإسرائيلي إنه ينظر في سبب نقل الكتل وتدمير المباني.

ودعت خطة ترمب لإنهاء الحرب على غزة، المؤلفة من 20 بنداً وتنص على اتفاق وقف إطلاق النار، إلى وقف فوري للقتال. وجاء فيها أنه “سيجري تعليق جميع العمليات العسكرية، ⁠بما في ذلك القصف الجوي والمدفعي، وستبقى خطوط القتال مجمدة إلى حين استيفاء شروط الانسحاب الكامل على مراحل”.

مجبرون على المغادرة

منال أبو الكاس واحدة من عشرات الفلسطينيين الذين اضطروا إلى مغادرة منازلهم في شرق حي التفاح، عقب نقل إسرائيل للكتل.

وقالت منال وزوجها ​إن اثنين من أبنائهما سقطا جراء القصف الإسرائيلي ودُفنا في حي التفاح إلى جانب أقارب آخرين.

وأضافت منال أن الأسرة كانت تعيش في المنزل (رغم الحرب والدمار) حتى “حطوا الحجر الأصفر (الخط الأصفر) هذا وطلعنا تاركين غصبن عنا”. ونزحت مع زوجها وابن آخر، وكلاهما بُترت إحدى ساقيه.

وذكرت أن الجيش الإسرائيلي نقل الكتل في منتصف ديسمبر، وأنهما قررا النزوح في يناير، وأردفت قائلة: “يعني لو ما كانش فيه قذائف تنزل علينا في بيوتنا ما تركناش بيتنا”.             

وبعيداً عن حي التفاح، تظهر صور الأقمار الاصطناعية أن إسرائيل وضعت الكتل في مناطق تسيطر عليها حركة “حماس” في أنحاء ⁠قطاع غزة.    

ففي خان يونس جنوب القطاع، تظهر الصور أن الجيش وضع في ديسمبر كتلة على بعد حوالي 390 متراً خلف الخط، وأخرى على بعد حوالي 220 متراً خلفه.

كما تظهر الصور أنه خلال تلك الفترة، جرى تدمير العديد من ‌المباني، وتفكيك تجمعين من الخيام كانا مخصصين لإيواء النازحين.

وتظهر الصور أيضاً أن الجيش الإسرائيلي أقام ما لا يقل عن ⁠6 تحصينات كبيرة، جميعها على الجانب الإسرائيلي ضمن مسافة 700 متر من الخط. وأحدها، في بيت حانون شمال قطاع غزة، يقع على بُعد نحو 264 متراً من الخط.

وقال ⁠الجيش إنه ينظر بشأن خان يونس وبشأن التحصينات، وفق ما أوردت “رويترز”، وزعم مصدر عسكري إسرائيلي أن “هذه التحصينات، المصنوعة في معظمها من الطين والتراب، ذات طبيعة مؤقتة وتهدف إلى حماية القوات من النيران القادمة”.

“محشورون في شريط ضيق”

من جانبه، قال المتحدث باسم “حماس”، حازم قاسم، إن “الاحتلال يستمر في إزاحة الخط الأصفر باتجاه الغرب، وهذا انتهاك واضح وكبير لاتفاق وقت الحرب على قطاع غزة”. وأضاف: “أيضاً يعني (هذا) أن يحشر كل أهالي قطاع غزة في شريط ضيق غرب القطاع في مساحة هي أقل بنسبة 30% من مساحة غزة”.

وينص الاتفاق المدعوم من الولايات المتحدة على وقف كامل لإطلاق النار، لكنه يترك إسرائيل تسيطر على أكثر من نصف مساحة قطاع غزة، مع ربط انسحاب القوات من مزيد من الأراضي بنزع سلاح “حماس”.

والخميس، أطلق ترمب “مجلس السلام” بعد الإعلان الأسبوع الماضي عن لجنة التكنوقراط الفلسطينية لإدارة القطاع في محاولة لنقل الاتفاق إلى مرحلته التالية.

وعبر مسؤولون عن مخاوف من تقسيم فعلي للقطاع، مع احتمال أن يقتصر الإعمار على المناطق الخاضعة لسيطرة إسرائيل، وفق الوكالة.              

وأطلقت إسرائيل النار مراراً على الناس في المناطق المحيطة بـ”الخط الأصفر” منذ إبرام اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر، وغالباً ما تزعم إسرائيل أن مقاتلين يحاولون عبور الخط أو مهاجمة القوات.

وفي حي التفاح، تظهر مقاطع فيديو التقطت في أول يناير أن إسرائيل تحلق طائرات مسيرة ذات 4 مراوح أو طائرات مسيرة صغيرة فوق مبان على بعد نحو 500 متر داخل الخط الأصفر أثناء قيامها بدوريات في المنطقة.

ولم يكن لدى الجيش أي تعليق على استخدامه للطائرات المسيرة رباعية المراوح.

وأفاد مسعفون في غزة بسقوط أكثر من 460 فلسطينياً، بينهم العديد من الأطفال، على يد إسرائيل منذ دخول اتفاق أكتوبر الماضي حيز التنفيذ.

وشنت إسرائيل حربها على غزة 7 أكتوبر 2023، وأسفر عن سقوط أكثر من 71 ألف فلسطيني وإصابة 171 ألفاً و379 شخصاً، وتدمير أكثر 80% من القطاع.

شاركها.