تعيش مدينة الحسكة، في أقصى شمال شرقي سوريا، حالة من الترقب المشوب بالخوف، مع تصاعد وتيرة “حرب المعلومات” التي ترافقت مع تطورات ميدانية متسارعة.

ووسط غياب اليقين، تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة معركة بديلة، حيث أسهمت الإشاعات حول “انتهاكات واسعة” و”اجتياحات وشيكة” في إثارة موجة نزوح جماعي، لا سيما من الأحياء ذات الغالبية الكردية، وسط صراع محتدم على “الرواية” بين أطراف النزاع.

تصريحات تشعل فتيل القلق

بدأ المشهد يزداد تعقيدًا عقب تغريدة لعضوة الهيئة الرئاسية لحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، فوزة يوسف، حمّلت فيها “الحكومة المؤقتة” المسؤولية عما وصفته استمرار إراقة الدماء، وحذرت من هجوم لـ”مرتزقة” يضمون عناصر من تنظيم “الدولة الإسلامية”.

هذا الخطاب، الذي نُشر في سياق سياسي متوتر، سرعان ما تم تداوله وتضخيمه عبر حسابات مناصرة للإدارة الذاتية، ليتحول في الشارع إلى أنباء عن “إبادة ممنهجة” و”تغيير ديموغرافي” قادم.

قبل ذلك بساعات، استغلت معرفات عديدة وسم “#أنقذوا_الحسكة” للحديث عن “انتفاضة عشائرية” و”انهيار وشيك” لـ”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، ونشرت تسجيلات فيديو قديمة أو مجتزأة لتصوير المدينة وأريافها كمنطقة تشهد تصفيات ميدانية.

هذا التضارب في التصريحات لم يترك للمدنيين خيارًا سوى البحث عن ملاذ آمن بعيدًا عن “محرقة الإشاعات”.

النزوح.. الهروب من “السيناريو الأسوأ”

في السياق، شهدت أحياء المفتي، الصالحية، والناصرة في مدينة الحسكة، حركة نزوح واسعة باتجاه مدن القامشلي وعامودا والدرباسية.

ولم يكن النزوح هذه المرة ناتجًا عن قصف مدفعي مباشر فحسب، بل بسبب مخاوف غذتها أخبار عن قوائم تصفية واعتقالات عشوائية ستنفذها القوى القادمة.

أحد سكان حي المفتي (فضل عدم ذكر اسمه لأسباب أمنية) قال ل، “ما قرأناه على فيسبوك وتويتر عن الانتهاكات في مناطق أخرى جعلنا نحزم أمتعتنا. الخوف من المجهول ومن أن تُغلق الطرق في وجهنا كان المحرك الأساسي”.

وتشير تقديرات محلية إلى أن عددًا من العائلات غادرت منازلها في غضون 48 ساعة فقط، مفترشة العراء في ظل ظروف جوية قاسية، هربًا من سيناريوهات “الانتهاكات واسعة النطاق” التي روجت لها ماكينات إعلامية متصارعة.

غياب المصادر المستقلة

تتضاعف آثار الإشاعات في الحسكة مع فرض قيود على التغطية الصحفية المستقلة، وصعوبة وصول المنظمات الحقوقية إلى مناطق التماس الساخنة.

هذا الفراغ المعلوماتي تملؤه “غرف العمليات الإلكترونية” التي تديرها أطراف النزاع، مما يجعل من الصعب على الأهالي التمييز بين التحرك العسكري الحقيقي وبين الضجيج الإعلامي الهادف لإثارة الذعر.

في ظل هذا المشهد، تظل مدينة الحسكة نموذجًا لكيفية تحول “الوسم” والمنشور إلى محركات للنزوح القسري، حيث يتفوق أثر الكلمة أحيانًا على أثر الرصاص، في الصراع.

بدورها، هددت وزارة الإعلام السورية اليوم بأنها لن تتهاون مع أي مؤسسة أو منصة، أو صحفي مستقل، أو صانع محتوى، يدلي بمعلومات مضللة أو مشوهة أو تحريضية.

وهذا الإجراء لا يتنافى مع الحريات الصحفية في سوريا بل يصونها، بحسب ما ذكره معاون وزير الإعلام، عبادة كوجان.

المصدر: عنب بلدي

شاركها.