تقدم الكاتبة إلفة الإدلبي في كتاب “عادات وتقاليد الحارات الدمشقية القديمة”، شهادة سردية- توثيقية عن مدينة كانت تدار بعرفها الاجتماعي قبل أن تدار بالقانون، وتُبنى بعلاقات أهلها قبل عمرانها.
لا يذهب الكتاب إلى الحنين المجرد، ولا يكتفي بوصف فولكلوري سطحي، بل يعيد تركيب الحياة اليومية في الحارات الدمشقية بوصفها نظامًا متكاملًا، له قواعده وأدواره وتوازناته الداخلية.
ينطلق الكتاب من الحارة بوصفها الوحدة الاجتماعية الأساسية في دمشق القديمة، حيث لم تكن مجرد حي سكني، بل شكّلت إطارًا ناظمًا للعلاقات، يحدد موقع الفرد داخل الجماعة، ويضبط سلوكه وحدود حريته. الحارة فضاء مراقبة وتكافل في آن واحد، يعرف فيها الجميع بعضهم بعضًا، وتحل الخلافات غالبًا داخلها، بعيدًا عن السلطة الرسمية.
ويولي الكتاب اهتمامًا خاصًا بالبيت الدمشقي، لا باعتباره معمارًا فقط، بل كفضاء اجتماعي يعكس القيم السائدة، تقسيماته الداخلية، الفصل بين الداخل والخارج، بين الرجال والنساء، وبين الخاص والعام، كلها مؤشرات على بنية مجتمع محافظ، يعطي للخصوصية مكانة مركزية، ويجعل من العائلة نواة التنظيم الاجتماعي.
في محور العلاقات الاجتماعية، توثق الإدلبي أنماط التواصل اليومي بين الجيران، من الزيارات، وتبادل الطعام، والمشاركة في الأفراح والأتراح.
تظهر الحارة هنا كشبكة أمان اجتماعي، تقوم على التضامن، لكنها في الوقت نفسه تفرض رقابة صارمة، خاصة على النساء والشباب، حيث يقاس السلوك بميزان السمعة قبل أي اعتبار آخر.
المرأة تحتل موقعًا محوريًا في الكتاب، لا بوصفها فاعلًا هامشيًا، بل كركيزة للحياة اليومية داخل البيت والحارة.
يسلط الكتاب الضوء على دور النساء في حفظ العادات ونقلها، وفي إدارة الشؤون المنزلية، وفي صناعة العلاقات الاجتماعية، مع إبراز القيود الصارمة التي حكمت حركتهن وخياراتهن، ضمن منظومة قيم أبوية راسخة.
كما يتناول الكتاب المناسبات الاجتماعية والدينية، من الزواج والولادة إلى الموت، بوصفها لحظات كاشفة للبنية الاجتماعية، والطقوس، والأدوار، وتوزيع المسؤوليات، كلها تعكس تراتبية واضحة، وتؤكد مركزية الجماعة في مواجهة الفرد.
ولا يغفل الكتاب الحديث عن المهن والحرف المرتبطة بالحارة، وعن حضور السوق، والجامع، والمقهى، بوصفها فضاءات عامة تنظم إيقاع الحياة اليومية، وتُنتج ثقافة مشتركة تتجاوز حدود البيت.
في مجمله، يقدم كتاب إلفة الإدلبي قراءة داخلية لدمشق القديمة، لا تُجمّل الماضي ولا تدينه، بل تضعه في سياقه الاجتماعي والتاريخي. هو توثيق لذاكرة مدينة، وقراءة في مجتمع تشكل على مهل، ثم بدأ يتفكك مع تحولات الحداثة.
عن الكاتبة
إلفة عمر باشا الإدلبي (1912-2007)، هي كاتبة وأديبة سورية ولدت في دمشق بحي الصالحية.
تنتمي الإدلبي إلى جيل أدب الخمسينيات السوري الذي شهد نهوضًا فكريًا مميزًا في الأدب القصصي والروائي، وخاصة لدى النساء الكاتبات وبطريقة فنية راقية.
أثرت الأديبة السورية المكتبة العربية بمحتوى أدبي وثقافي مرموق من خلال الكثير من القصص والروايات والدراسات الأدبية التي تميزت بالواقعية والتركيز على الحياة الشرقية، فسجلت اسمها كواحدة من أكبر الأديبات السوريات في العالم العربي، وحصلت على العديد من شهادات التقدير والجوائز السورية والعالمية.
Related
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى
المصدر: عنب بلدي
