لاحظت، وربما أكون مخطئاً، أن المتفرجين القلائل الذين تناثروا في قاعة العرض كانوا يستمتعون بمشاهدة فيلم “إن غاب القط”، وأعتقد أن السبب الأول هو أداء و”كاريزما” بطليه الجذابين آسر ياسين وأسماء جلال وبقية شخصيات العمل المرصع بالنجوم وضيوف الشرف.
وقد سمعت بعض الضحكات تتردد في الصالة على”الإيفيهات” الكوميدية غير البريئة، وتخيلت أنني أسمع بعض دبدبة أقدام وحركة خفيفين مع أغاني الفيلم الراقصة، كما لاحظت أن الهمس والثرثرة على الهاتف تراجعوا قليلاً في مشاهد المطادرات والمعارك.
في الغالب، وحسب ظني، شعر هؤلاء المشاهدون بالتسلية، بالرغم من أن أحداً منهم لم يبدي أي نوع من الدهشة أو الانبهار، وعلى العكس بدوا وكأنهم قد شاهدوا الفيلم، أو شبيهاً له، من قبل، ولم يكن لذلك علاقة بأن الفيلم يدور عن فكرة الشبيه الذي يتبين أنه شخص واحد!
أهداف صغيرة!
“إن غاب القط” من نوعية الأفلام التي تصنع على طريقة الوجبات الجاهزة، أو الـFormula، أي الوصفة، أو الخلطة، المجربة والمضمونة، التي غالباً ما تنجح في جذب جمهور بات لا يطلب كثيراً، ولا يحلم سوى بقضاء ساعتين من التسلية الخفيفة.
وفقاً لمعايير هذه الوصفة، فإن “إن غاب القط” يحقق هدفه البسيط لجمهوره البسيط، والنتيجة، كما يقول المثل الشعبي الشائع: “أبوها راضي، وأنا راضي”!
في العادة، تنتج هذه النوعية من الأفلام الجاهزة بالطلب- من المنتج أو النجم في معظم الأحيان، وغالباً ما يكون هناك مرجعيات من أفلام ومسلسلات أجنبية أو عربية يضعها مؤلفوا هذه الأعمال أمامهم أثناء الكتابة والمخرجون أثناء التنفيذ.
والمراجع في “إن غاب القط” هي أفلام السطو Heist والاحتيال، Hustler التي تدور حول أبطال لصوص ونصابين، وهي نوعية صارت تشكل النسبة الأكبر من الأفلام التي تنتج، والتي تنجح، خلال السنوات العشر الماضية، ولا أقصد أنها لم تكن موجودة من قبل، ولكن أن عددها ودرجات نجاحها ارتفعا كثيراً في الآونة الأخيرة.
شعبية هذا النوع سببها، بالطبع، أنها تتيح لصناع العمل تقديم وجبة مسلية من الحركة والتشويق وقصص الحب الخطرة، والأماكن الخلابة وأنماط الحياة المرفهة والإبهار الطبقي، وعن طريق قالبها الخيالي الميلودرامي تتيح، عادة، مناقشة ولمس موضوعات أخرى أكثر عمقاً وحساسية، حتى لو كان هدف صناعها وجمهورها مجرد التسلية، في النهاية لا توجد تسلية بريئة تماماً.
استلهام المهندس وشويكار
في أكثر من مشهد من فيلم “إن غاب القط” يوجه صناعه تحية إلى نجمي الكوميديا الراحلين فؤاد المهندس وشويكار، إما من خلال إشارات مباشرة بذكر اسميهما وغناء بطلي الفيلم أسماء جلال وآسر ياسين لإحدى أغانيهما، أو من خلال الدراما والموسيقى التصويرية والجو العام للفيلم.
ورغم أنني، أثناء مشاهدة الفيلم، تذكرت فؤاد المهندس بالفعل، حتى قبل أول إشارة مباشرة له، لكن ذلك لا ينفي أن “إن غاب القط” ينتسب لموجة أفلام السطو والنصب أكثر مما ينتسب لأفلام المهندس وشويكار، وأنه ينهل من أفلام السطو والنصب الأميركية أكثر مما يستوحي من كلاسيكيات السينما المصرية.
يحاول “إن غاب القط” إيهام جمهوره بأنه، أو ربما يحاول بالفعل أن يصبح، أكثر “شرقية” و”أصالة” عن غيره من أفلام السطو والنصب الحديثة. وهذه الإشارات إلى المهندس وشويكار هي واحدة من الحيل التي يستخدمها صناع الفيلم لاخفاء التأثيرات الأمريكية، أو المصرية المنقولة من أعمال أمريكية، من أجل إضفاء أجواء مصرية وشرقية على فيلمهم.
من هذه الحيل، مثلاً، اختيار أماكن تصوير في بعض الشوارع والمباني الأثرية من الطراز الفاطمي والمملوكي، مثل الحمام الشعبي الذي جعلوه بديلاً عن صالات الساونا والجاكوزي بفنادق النجوم السبع التي تملأ أفلاماً أخرى، ومثل تناول السيدة الأرستقراطية الشريرة للفول والطعمية والجرجير، لاعطاء الفيلم مذاقاً شعبياً حريفاً، والتميز عن أشرار اليخوت وقواقع البحر والكافيار.
مع ذلك، لا تنجح حيل الـ”فرانكو- آراب” هذه، سوى في اشاعة مزيد من تغريب الفيلم وانفصاله عن الواقع، خاصة حين يضع شخصياته في مواقف سيريالية، مثل مطاردة الرجال العراة (الخارجين للتو من الحمام الشعبي!) في شوارع القاهرة القديمة وداخل محطة مترو الأنفاق.. أو مثل مناقشات النصابين حول الفوارق بين اللوحات الفنية الأصلية والمزورة، وعلى حد علمي ليس لدى المجرمين المصريين اهتماماً بالفن التشكيلي ولوحاته، إذ لديهم ما يكفي من الآثار التي يسعون لسرقتها والمتاجرة فيها.
نصاب أم “توكسيك”
تدور حبكة “إن غاب القط” حول رجل يعيش بشخصيتين متناقضتين: في الصباح طبيب بيطري محترم وخجول إسمه زين، وفي المساء لص لوحات وزئر نساء وبطل عضلات مغوار اسمه زينهم (في الحالتين آسر ياسين)، والفكرة بالقطع ليست فقط مستهلكة، لكنها واحدة من أكثر الأفكار استخداماً في السينما منذ أيام نجيب الريحاني وإسماعيل يس وفؤاد المهندس وحتى محمد سعد، وشاهدناها أخيراً في أفلام مثل “أحمد وأحمد” على سبيل المثال لا الحصر.
وبالمناسبة هي “ثيمة” من عمر الدراما، يمكن أن نجدها في أعمال شكسبير و”أهمية أن تكون إرنست” لأوسكار وايلد، التي جسدها عبد الحليم حافظ في فيلم “فتى أحلامي”، على سبيل المثال أيضاً.
وهذه “الثيمة” هي وسيلة ناجعة لاستكشاف الحدود بين الهويات عبر اختلاف النوع الجنسي والطبقة والأخلاق، وغالباً ما تستخدمها الأفلام المصرية الحديثة لاستكشاف مفاهيم الهوية الذكورية، والرجل “المثالي” في عيون النساء، ولا يخفي “إن غاب القط” هذا الهدف، بل يشير إليه بوضوح شديد على مدار الفيلم.
في الصباح يحب زين فتاة طيبة بريئة اسمها هند (أسماء جلال)، تعتقد أن زينهم ما هو إلا شقيق زين التوأم وتقع في حب الأخ المجرم، مفضلة إياه على الخطيب الخلوق المهذب، يسأل آسر ياسين على لسان زينهم المجرم: “أنا راجل توكسيك.. ليه هي تحب توكسيك؟”، وهي بالفعل تجيب في أحد المشاهد عن سبب حبها، أو افتتانها، بالأخ المجرم، والذي يتمثل في جو الإثارة الحسية والعقلية التي تشعر بها معه.. إجابة تذكرنا بالفعل بشويكار في “أخطر رجل في العالم” أو شادية في “عفريت مراتي”!
وبغض النظر عن الاستخدام الخاطىء لمصطلح “توكسيك” الذي راج استخدامه خلال السنوات الأخيرة بطريقة صائبة أو خاطئة، وبمناسبة أو غير مناسبة، لدرجة أن صناع الفيلم يستخدمونه في الدعاية على مواقع التواصل، دون أن ينتبهوا أن “توكسيك” لا تعني أبداً شخصية لص ونصاب محترف، فهذه توصف فقط بالمجرم أو الخارج على القانون!
بعد الضحك والتسلية
لكن كلمة “توكسيك”، رغم استخدامها الخاطىء في الفيلم، قد تكون مفتاحاً لفهم مضمونه الذي أشرت إليه أعلاه: وهو أنه يستكشف، بطريقة درامية وكوميدية ومبالغ فيها (أي سينمائية) تلك المنطقة الرمادية المعقدة من العلاقات بين الجنسين، خاصة لدى الشباب، التي يختلط فيها الحب بالرغبة بالسعي إلى الإثارة بالهوس المادي بالأمراض والتركيبات النفسية المعقدة..والتي غالباً ما يختزل بتعبير آسر ياسين لماذا يحب المرء (رجلاً كان أو امرأة) شخصاً “توكسيك”؟
يتعلق الأمر أيضاً، بما أننا أمام فيلم سينمائي، بإشباع الخيال، ذلك أن “إن غاب القط” يخاطب عبر بطليه الجذابين مناطق التخييل العاطفي حول الرجل والمرأة لدى جمهور اليوم.
من ناحية يتمحور الفيلم، الذي كتبه أيمن وتار، المشغول دائما باستكشاف العلاقات بين الجنسين، خاصة من وجهة نظر الرجال، حول شخصية، أو شخصيتي، زين وزينهم، اللتين تجسدان نموذجين يروقان عادة للنساء ويحترن، عادة، في الاختيار بينهن: الخجول الحنون الشريف العاقل محب الحيوانات الأليفة، والجرىء الخشن القادر على كسب المال- بأي وسيلة- الذي تحركه الغريزة كالحيوانات، وكون زين/ زينهم شخص واحد هو أمر يحل هذه المعضلة لدى المتفرجة الأنثى، على الأقل من خلال التخييل الدرامي.
ومن ناحية يصور الفيلم، الذي تخرجه شابة هي سارة نوح، شخصية هند بالطريقة نفسها، فهي تجمع بين صورة الفتاة العفيفة اللطيفة الخام، في مقارنة بشخصية ميادة (كارمن بصيبص) اللبنانية الجريئة المجرمة، وإن كانت هند أيضاً لا تتورع عن الرقص والشرب وارتداء الملابس المثيرة لكي تنال اعجاب حبيبها. والنموذجان، كما نعرف، هما أيضاً مثار إعجاب وحيرة الرجال الذين يتمنون العثور على امرأة تجمع هذه التناقضات!
هذه الشخصيات المزدوجة، في تصوري، ترضي خيال المشاهدين وترأب صدعاً في الهوية، وما يجب أن تكون عليه الهوية، الذكورية والأنثوية ولو بشكل مؤقت، على مدار الفيلم، وجدير بالذكر أنها كانت محور فيلم حديث آخر هو “السلم والثعبان 2: لعب عيال”، الذي يعاني بطله (عمرو يوسف) من هذه الرغبة في الحصول على زوجة وأم طيبة صباحاً، وامرأة تشبع رغباته الجامحة ليلاً، كانت تجسدها أيضاً أسماء جلال!
المشكلة أنه على أرض الواقع، وبعيداً عن التخييل الدرامي للأفلام، يصعب العثور على شخص يقبل هذه التناقضات داخله، مستعد للارتباط بشخصية تحمل هذه التناقضات، وتقبلها، داخلها.
خلف قصص اللوحات المسروقة والمطادرات العبثية بين اللصوص واللصوص الآخرين وأصحاب اللوحات والشرطة، وخلف النكات الجنسية اللغوية والبصرية وأجساد الرجال العاريين والنساء المثيرات، يختفي ذلك القلق المتعلق بالجنس الآخر، والذي يتسبب في وقوع الشباب (المضطرب) في علاقات “توكسيك” مع شباب (مضطرب بدوره)، ولعل صناع الفيلم أدركوا، بوعي أو غير وعي، أن فيلمهم يدور بالفعل حول سؤال آسر ياسين المهم: “أنا توكسيك..ليه هي تحب واحد توكسيك؟”!
* ناقد فني
