تشهد إيران واحدة من أخطر وأعقد المراحل في تاريخها الحديث، في ظل تظاهرات واسعة النطاق، وتصاعد غير مسبوق في الضغوط الدولية، وتداخل واضح بين الشأن الداخلي والتجاذبات الإقليمية والدولية. 

ولم تعد الأزمة الراهنة محصورة في إطار الاحتجاجات الاجتماعية والاقتصادية، بل تحولت إلى ملف سياسي وأمني دولي، تتقاطع فيه العقوبات والتهديدات العسكرية والدبلوماسية المتعثرة، وسط مخاوف متزايدة من انزلاق الأوضاع نحو مواجهة شاملة.

تصريحات ترامب… رسائل مباشرة للمحتجين

في خضم هذه التطورات، صعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من لهجته تجاه طهران، معلنًا إلغاء جميع الاجتماعات مع المسؤولين الإيرانيين حتى يتوقف ما وصفه بـ«قتل المحتجين».

 ونقلت وسائل إعلام دولية عن ترامب قوله موجها حديثه للمتظاهرين في إيران: «سيطروا على مؤسسات دولتكم، المساعدة في الطريق إليكم»، مضيفًا أن «من يقتلونكم سيدفعون الثمن باهظًا».

وتعد هذه التصريحات من أكثر المواقف الأمريكية حدة وتدخلاً في الشأن الداخلي الإيراني، حيث فسرتها طهران على أنها تحريض مباشر على تقويض النظام.

الاحتجاجات… من مطالب اقتصادية إلى أزمة نظام

بدأت الاحتجاجات في إيران على خلفية تدهور الأوضاع المعيشية وارتفاع الأسعار وشح العملة الأجنبية، لكنها سرعان ما تطورت إلى مظاهرات واسعة شملت مدنًا ومحافظات عدة، ورفعت شعارات تطالب بإسقاط النظام وتغيير جذري في بنية الحكم.

ووفقا لوكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان (هرانا)، ومقرها الولايات المتحدة، فقد قتل ما لا يقل عن 646 شخصًا منذ اندلاع الاحتجاجات، بينهم 505 متظاهرين، و113 من عناصر قوات الأمن، إضافة إلى عدد من المارة. وأشارت الوكالة إلى أن قطع الإنترنت والقيود المشددة على الاتصالات تعرقل عمليات التحقق والتوثيق، مرجحة أن تكون الأرقام الحقيقية أعلى.

خطوات إيرانية لامتصاص الغضب

في محاولة لاحتواء الغضب الشعبي، أعلنت السلطات الإيرانية إحالة عدد من كبار المسؤولين في الدولة إلى القضاء، على خلفية ما وصفته بـ«التقصير في أداء الواجبات وعدم تلبية احتياجات المواطنين». ونقلت وكالة «تسنيم» الإيرانية عن رئيس هيئة التفتيش العامة قوله إن قضايا بعض المسؤولين أحيلت بالفعل إلى القضاء، في حين منحت الشركات والمصانع والبنوك المخالفة مهلة أسبوع للوفاء بالتزاماتها المتعلقة بالعملات الأجنبية، وإلا ستواجه إجراءات قضائية.

كما كشفت الوكالة عن إعداد ملف قضائي بحق البنك المركزي الإيراني، على خلفية «الإهمال والتقصير»، على أن يُحال إلى القضاء قريبًا. ورأى مراقبون أن هذه الخطوات تهدف إلى تهدئة الشارع وتحميل أطراف إدارية مسؤولية الأزمة، دون المساس بجوهر النظام السياسي.

اتهامات للخارج ودعوات للحوار

في المقابل، كثفت الحكومة الإيرانية خطابها الذي يتهم أطرافًا خارجية بالوقوف وراء ما وصفته بـ«الفوضى والعنف». وقالت فاطمة مهاجراني، المتحدثة باسم الحكومة، إن الولايات المتحدة وإسرائيل «كشفتا نياتهما السيئة تجاه الشعب الإيراني» من خلال دعمهما ما سمّته «الحرب الإرهابية في الشارع الإيراني».

وأضافت أن الاحتجاجات السلمية «تعرضت لهجمات إرهابية»، متهمة «إرهابيين يتلقون دعمًا واضحًا من الرئيس الأمريكي ورئيس وزراء الكيان الصهيوني». لكنها في الوقت نفسه أقرت بأن «مطالب المحتجين المحقة تمت مصادرتها»، مؤكدة أن الحكومة مسؤولة عن حماية المجتمع وستغتنم الفرصة «لإنعاش الحوار».

اتهامات أمنية واعتقالات

وفي سياق أمني، أعلنت وزارة الاستخبارات الإيرانية اعتقال «خلايا إرهابية مدعومة من الكيان الصهيوني» في مدينة زاهدان، قالت إنها دخلت البلاد من الجهة الشرقية، وكانت تخطط لعمليات اغتيال وتخريب للبنية التحتية. وأفادت الوزارة بضبط أسلحة أمريكية ومعدات تفجيرية بحوزة عناصر الخلية، كانوا يختبئون في سبعة منازل.

وتستخدم السلطات هذه الرواية لتبرير التشدد الأمني وقمع التظاهرات، في حين تشكك منظمات حقوقية دولية في مصداقية هذه الاتهامات، معتبرة أنها تُستَخدم لتجريم الاحتجاج السلمي.

تصعيد أوروبي وعزلة سياسية

على الصعيد الدولي، أعلن الاتحاد الأوروبي عزمه فرض حزمة جديدة من العقوبات ضد مسؤولين إيرانيين، متهمًا طهران بقمع الاحتجاجات واستخدام القوة المفرطة. وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إن ارتفاع عدد الضحايا «أمر مروّع»، ويمثل انتهاكًا خطيرًا للحريات الأساسية.

وفي خطوة غير مسبوقة، أعلنت رئيسة البرلمان الأوروبي روبرتا ميتسولا حظر دخول جميع الدبلوماسيين والممثلين الإيرانيين إلى مباني البرلمان الأوروبي، مؤكدة أن المؤسسة التشريعية «لن تضفي الشرعية على نظام يقوم على القمع والتعذيب». ويعكس هذا القرار انتقال الموقف الأوروبي من الإدانة السياسية إلى العزل المؤسسي المباشر.

تحذيرات أممية وقيود الاتصالات

من جهتها، أعربت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان عن فزعها من تصاعد العنف، ودعت إلى الوقف الفوري للقمع وإعادة خدمات الإنترنت والاتصالات. كما حذرت من استخدام عقوبة الإعدام بحق المتظاهرين، واعتبرت تصنيف المحتجين السلميين كـ«إرهابيين» أمرًا غير مقبول.

وفي هذا السياق، أفادت تقارير بأن السلطات الإيرانية خففت جزئيًا القيود على الاتصالات، وسمحت بإجراء مكالمات دولية، بينما لا يزال الإنترنت شبه معطل، في خطوة يرى مراقبون أنها تهدف للحد من تنظيم الاحتجاجات ومنع نقل صورة ما يجري إلى الخارج.

الدور الأمريكي.. عقوبات وضغوط اقتصادية

زاد ترامب من حدة الضغط بإعلانه فرض رسوم جمركية فورية بنسبة 25% على أي دولة تتعامل تجاريًا مع إيران، معتبرًا القرار «نهائيًا وقاطعًا».

 وتحمل هذه الخطوة تداعيات اقتصادية كبيرة، خاصة على الصين، الشريك التجاري الأكبر لطهران، التي انتقدت هذه السياسة بشدة ووصفتها بأنها «عقوبات أحادية غير مشروعة».

إجلاءات ومخاوف من تصعيد عسكري

وفي مؤشر خطير، طلبت عدة دول من رعاياها مغادرة إيران، بينما دعت موسكو مواطنيها لمغادرة إيران وإسرائيل معًا، وأخلت سفارتها في تل أبيب. وتُفسَّر هذه التحركات عادةً على أنها مبنية على معلومات استخباراتية دقيقة، وتشير إلى احتمال تصعيد إقليمي واسع.

الملف النووي… بين الحرب والمفاوضات

وسط هذا المشهد المتوتر، كشفت تقارير عن دراسة البيت الأبيض عرضًا إيرانيًا لاستئناف المفاوضات النووية، رغم ميل ترامب إلى الخيار العسكري.

 وفي المقابل، أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن بلاده «مستعدة للحرب» كما هي «مستعدة للمفاوضات»، في رسالة تعكس حالة الترقب الحذر التي تخيم على المنطقة بأسرها.

المصدر: صدى البلد

شاركها.