شهدت إيران، مساء الخميس، موجة واسعة من التظاهرات الليلية، وأعمال عنف متصاعدة، في عدد من المدن، بالتزامن مع تقارير عن انقطاع شبه كامل للإنترنت وتعطل خدمات الاتصالات، وسط تحذيرات أميركية متزايدة من قمع المحتجين.

وتأتي هذه التحركات في ظل استمرار الإضرابات وإغلاق الأسواق والبازارات في عدة مدن إيرانية، بينما يواصل الرئيس الأميركي دونالد ترمب التلويح بإمكانية التدخل، في حال لجأت السلطات الإيرانية إلى استخدام العنف ضد المتظاهرين.

وامتدت الاحتجاجات مساء الخميس، إلى العاصمة الإيرانية طهران، ومدن أصفهان، والبرز، وبوشهر، وكرمان، وهمدان، وغيرها من المدن الإيرانية، بعدما كانت أكثر نشاطاً في البلدات الريفية.

وجاء انقطاع الإنترنت والاتصالات الدولية، الخميس، بعد يوم واحد من إعلان رؤساء السلطة القضائية والأجهزة الأمنية في إيران، أنهم سيتخذون إجراءات صارمة ضد أي شخص يشارك أعمال العنف المرتبطة بالاحتجاجات.

وأسفرت أعمال العنف عن سقوط ضحايا، فيما تقول وكالة “نشطاء حقوق الإنسان” ومقرها الولايات المتحدة، إن ما لا يقل عن 42 شخصاً لقوا حتفهم خلال التظاهرات، مع اعتقال أكثر من 2270 آخرين.

وقالت هيئة الإذاعة البريطانية BBC، إنها تمكنت من التحقق بشكل مستقل من سقوط ما لا يقل عن 21 شخصاً خلال التظاهرات.

ويزيد اتساع رقعة الاحتجاجات من الضغط على الحكومة الإيرانية وعلى المرشد علي خامنئي.

ويأتي تصاعد التظاهرات في إيران، وسط تهديدات مستمرة من ترمب تجاه طهران بإمكانية التدخل في حال قمع المتظاهرين.

وقال ترمب لشبكة “فوكس نيوز”، مساء الخميس، إنه يتابع الوضع في إيران “عن كثب”، معتبراً أن “الحشود هائلة للغاية، والحماس لإسقاط النظام مذهل”.

وأضاف ترمب: “ما فعلوه في الماضي هو أنهم بدأوا بإطلاق النار بكثافة على المتظاهرين.. وقلتُ إن فعلوا ذلك مجدداً، فسوف نضربهم بقوة شديدة.. وحتى الآن، في معظم الأحيان، لم يفعلوا ذلك”.

ومع اتساع رقعة الاحتجاجات، أظهرت بيانات الاتصال بالإنترنت انخفاضاً مفاجئاً وشبه كامل في مستويات الاتصال داخل إيران بعد ظهر الخميس، بحسب مجموعة “نت بلوكس” المختصة بمراقبة الإنترنت، وقاعدة بيانات معهد جورجيا للتكنولوجيا لرصد وتحليل انقطاعات الإنترنت.

كما أفادت شركة “كلاودفلير” المتخصصة في خدمات الإنترنت، بحدوث انقطاع في خدمة الإنترنت، معتبرة أن ذلك سببه تدخل من الحكومة الإيرانية، حسبما أوردت وكالة “أسوشيتد برس”.

وتشير البيانات إلى أن البلاد كانت شبه معزولة بالكامل عن شبكة الإنترنت.

أعمال عنف وهتافات ضد النظام

اندلعت الاحتجاجات الشهر الماضي بمنطقة البازار الكبير في طهران، بعد تنديد أصحاب المتاجر بالهبوط الحر لقيمة الريال الإيراني.

وانتشرت الاضطرابات منذ ذلك الحين في أنحاء البلاد وسط ضائقة اقتصادية متفاقمة ناجمة عن تسارع التضخم وسوء الإدارة والعقوبات الغربية.

وقال شهود في العاصمة طهران ومدينتي مشهد وأصفهان الرئيسيتين لوكالة “رويترز”، إن المحتجين تجمعوا مرة أخرى في الشوارع، الخميس، مرددين هتافات ضد رجال الدين الذين يحكمون البلاد.

وأفادت صحيفة “نيويورك تايمز”، بأن حشوداً كبيرة تجمعت مساء الخميس، في أحياء مختلفة من العاصمة طهران، وكذلك في مدن أخرى داخل إيران، من بينها مشهد، وبوشهر، وشيراز، وأصفهان.

وقال شهود للصحيفة، إن حشوداً كانت متنوعة، وتضم رجالاً ونساءً، وشباباً وكباراً في السن، مشيرين إلى أن الهتافات كانت تُسمع من عدة شوارع في حي شهرك الراقي في طهران، وهو حي كان حتى وقت قريب بعيداً عن الاحتجاجات.

وأظهرت مقاطع فيديو صوِرت مساء الخميس، مبان حكومية مشتعلة بالنيران في أنحاء مختلفة من البلاد، بما في ذلك طهران، مع تصاعد الاحتجاجات.

ورغم أن التظاهرات كانت في معظمها سلمية في الساعات الأولى من المساء، فإن العنف اندلع لاحقاً في طهران، حيث أضرم المتظاهرون النار في سيارات ومبانٍ وممتلكات في الشوارع.

وأظهرت مقطع فيديو حرائق في شوارع ساحة كاج بالعاصمة، مع تدفق آلاف المتظاهرين إلى المنطقة.

وقال أحد سكان مدينة بوشهر لـ”نيويورك تايمز”، إن الحشود هناك كانت كبيرة إلى حد دفع قوات الأمن إلى التراجع.

وفي أصفهان، ذكر شاهد أن سائقي السيارات كانوا يطلقون أبواقهم ويلوحون بأيديهم أثناء مرور المتظاهرين، بينما كان سكان المباني السكنية المجاورة يطلقون الصفارات تعبيراً عن تضامنهم.

وقال أحد سكان منطقة صادقية، وهي حي للطبقة الوسطى في طهران، إن الحشود كانت تتزايد عدداً ساعة بعد ساعة. وأضاف لـ”نيويورك تايمز”، أن قوات الأمن أطلقت النار في الهواء وقنابل الغاز المسيل للدموع، لكنها لم تتمكن من تفريق المتظاهرين.

وأظهر مقطع فيديو تداوله مستخدمون على منصة “إكس”، وتحققت منه “رويترز”، متظاهرين في مشهد بشمال شرق البلاد، وهي ثاني أكبر مدن إيران من حيث عدد السكان، وهم ينزلون علماً إيرانياً كبيراً من على سارية ويمزقونه.

وأظهرت مقاطع أخرى تحققت منها “رويترز”، اشتباكات بين مواطنين وأفراد من قوات الأمن في بازار طهران الكبير ومحتجين يسيرون وهم يهتفون في مدينة عبدانان بإقليم إيلام في جنوب غرب البلاد.

وفي مقطع فيديو من مدينة جناباد بشمال شرق البلاد، شوهد شباب يندفعون خارج مسجد تابع لمعهد ديني للانضمام إلى حشد كبير من المتظاهرين ويهتفون لهم.

نداء ابن الشاه

ودعا رضا بهلوي، نجل شاه إيران السابق، إلى تظاهرات الخميس، وذلك في مقطع فيديو على إنستجرام، وحصل على قرابة 90 مليون مشاهدة.

وقال بهلوي: “طالب الإيرانيون الليلة بحريتهم، ردّ النظام في إيران بقطع جميع خطوط الاتصال. لقد أغلق الإنترنت، وقطع الخطوط الأرضية، وقد يحاول حتى التشويش على إشارات الأقمار الصناعية”، حسبما أوردت “أسوشيتد برس”.

وشكّل هذا الاحتجاج أول اختبار لمدى قدرة رضا بهلوي على كسب تأييد الشارع الإيراني، وهو نجل الشاه الذي فرّ مع والده من إيران قبيل الثورة في عام 1979. 

وقد تضمنت التظاهرات هتافات مؤيدة للشاه، وهو أمر كان قد يؤدي في الماضي إلى حكم بالإعدام، لكنه اليوم يعكس حجم الغضب الذي يغذي الاحتجاجات التي اندلعت بسبب تدهور الاقتصاد الإيراني. وكان بهلوي قد قال إنه سيطرح خططاً إضافية اعتماداً على حجم الاستجابة لدعوته.

ولكن علاقات رضا بهلوي مع إسرائيل وتلقيه الدعم منها، أثار انتقادات في السابق، ولا سيما بعد حرب الـ12 يوماً التي شنتها إسرائيل على إيران في يونيو الماضي.

وأشاد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالاحتجاجات، واصفاً إياها بأنها “لحظة حاسمة يستعيد فيها الشعب الإيراني مستقبله”.

وهتف متظاهرون دعماً للشاه في بعض الاحتجاجات، لكن من غير الواضح ما إذا كان ذلك دعماً مباشراً لرضا بهلوي نفسه، أم تعبيراً عن الحنين إلى ما قبل ثورة 1979، وفق “أسوشيتد برس”.

وتحدث ترمب عن بهلوي، في مقابلة مع الصحافي المحافظ هيو هيويت، الخميس، مستبعداً إمكانية لقائه أو دعمه، وقال: “لست متأكداً من أن ذلك سيكون مناسباً في هذه المرحلة، أعتقد أنه ينبغي أن نترك الجميع يتحركون، ونرى من الذي سيبرز”.

وظلت الاحتجاجات السابقة إلى حد كبير بلا قيادة واضحة، ولا يزال من غير المعروف كيف سيؤثر بهلوي في مسار التظاهرات مستقبلاً.

ووفق “رويترز”، فإن منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، ذكرت أن المتظاهرين رددوا شعارات مؤيدة لبهلوي في عدة مدن وبلدات في أنحاء إيران.

حيرة في طهران

واجهت إيران موجات من الاحتجاجات على مستوى البلاد في السنوات الأخيرة. ومع تشديد العقوبات ومعاناة إيران بعد حرب استمرت 12 يوماً، انهارت العملة الإيرانية (الريال) في ديسمبر، لتصل إلى 1.4 مليون ريال مقابل الدولار الواحد.

وبدا أن المسؤولين الإيرانيين يتعاملون بجدية مع الاحتجاجات، إذ نشرت صحيفة “كيهان” المتشددة، مقطع فيديو على وسائل التواصل، زعمت فيه أن قوات الأمن ستستخدم طائرات مسيّرة للتعرف على المشاركين في التظاهرات.

وقال مسؤول حكومي رفيع المستوى لـ”نيويورك تايمز”، إن العديد من المسؤولين كانوا يتواصلون سراً عبر المكالمات والرسائل النصية، في حيرة من أمرهم بشأن كيفية احتواء سيل الاحتجاجات المتصاعد.

وأضاف أن الحرس الثوري الإيراني، الذي يتولى عادة تأمين الحدود وليس الأمن الداخلي، “من المرجح أن يتولى زمام الأمور”.

ومع انتشار حركة الاحتجاج إلى مدن عدة في أنحاء البلاد، قال رئيس السلطة القضائية الإيرانية، غلام حسين محسني إجئي، لوسائل الإعلام الإيرانية، إن الاحتجاجات دبرها “أعداء البلاد”، وإن الحكومة “لن تُظهر أي رحمة”.

وأضاف: “هذه المرة الأمور مختلفة، هذه المرة لا توجد أعذار، العدو أعلن رسمياً دعمه، أقول للناس وللعائلات إن هذه المرة لن يُستثنى أحد”.

كما قال إبراهيم عزيزي، رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، إن “النظام الصهيوني”، في إشارة إلى إسرائيل، “يقف وراء الاحتجاجات”. وأضاف: “تم تفعيل لغز زعزعة الاستقرار، وهو لغز لن يسمح الشعب الإيراني باستكماله”.

وأعلنت وسائل إعلام رسمية سقوط قوات أمن خلال أعمال عنف خلال هذه التظاهرات. 

وذكرت وكالة “ميزان” التابعة للسلطة القضائية، أن عقيداً في الشرطة توفي متأثراً بجروح طعن في بلدة قرب طهران.

كما أفادت وكالة “فارس” شبه الرسمية، بأن مسلحين قتلوا عنصرين من قوات الأمن وأصابوا 30 آخرين في إطلاق نار بمدينة لردغان في محافظة جهار محال وبختیاري.

وقال نائب محافظ خراسان، للتلفزيون الإيراني الرسمي، إن هجوماً على مركز للشرطة أسفر عن مصرع خمسة أشخاص، مساء الأربعاء، في مدينة تشناران، على بعد نحو 700 كيلومتر شمال شرق طهران.

وفي وقت متأخر من مساء الخميس، أعلن الحرس الثوري سقوط اثنين من عناصره في كرمانشاه.

أفكار الأجيال الجديدة

قال مسؤول كبير سابق من الجناح الإصلاحي للمؤسسة الحاكمة، لـ”رويترز”، إن “الركائز الأيديولوجية الأساسية للجمهورية الإسلامية، بدءاً من القواعد المفروضة على اللباس وصولاً إلى اختيارات السياسة الخارجية، لا تلقى صدى لدى من هم دون سن الثلاثين، أي ما يقرب من نصف السكان”. وأضاف: “لم يعد الجيل الشاب يؤمن بالشعارات الثورية، بل يريد أن يعيش بحرية”.

ويعبر عدد من المتظاهرين في الاحتجاجات الجارية عن غضبهم إزاء دعم طهران لفصائل مسلحة في الشرق الأوسط، ويرددون شعارات مثل “لا غزة.. لا لبنان.. حياتي من أجل إيران”، بحسب “رويترز”.

وتعرض نفوذ طهران في المنطقة لضربات نالت منه بسبب هجمات إسرائيل على حركات مدعومة منها أو حليفة لها، فضلاً عن الإطاحة بالرئيس السوري السابق بشار الأسد.

وترى الولايات المتحدة أن إيران “على حافة الانهيار الاقتصادي”، إذ اعتبر وزير الخزانة الأمريكي، سكوت بيسنت، أن الاقتصاد الإيراني يواجه تضخماً مرتفعاً وتحديات أخرى، مرجعاً ذلك لأسباب منها العقوبات الأميركية.

وقال بيسنت أمام النادي الاقتصادي في ولاية مينيسوتا، الخميس، إن “الاقتصاد الإيراني على حافة الانهيار”، مشدداً على تحذير ترمب لطهران بتجنب إيذاء المتظاهرين، حسبما أوردت “رويترز”.

وأضاف بيسنت: “إنها لحظة حرجة. إن الرئيس ترمب لا يريدهم أن يؤذوا مزيداً من المتظاهرين. إنها لحظة توتر”.

واعترفت السلطات الإيرانية بالمصاعب الاقتصادية التي تواجه الإيرانيين، لكنها اتهمت شبكات مرتبطة بقوى أجنبية بتأجيج الاحتجاجات.

وذكرت وسائل إعلام رسمية في وقت سابق أن الرئيس مسعود بيزشكيان حذر الموردين المحليين من تخزين البضائع أو المغالاة في أسعارها.

وأضاف بيزشكيان: “يجب ألا يشعر الناس بأي نقص في إمدادات السلع وتوزيعها”، ودعا الحكومة إلى ضمان توفير البضائع بكميات كافية ومراقبة الأسعار في أنحاء البلاد.

وقال بيسنت، “من الواضح أن المجتمع الذي كان ثرياً ينهار بالفعل. كثير من ذلك بسبب العقوبات”.

شاركها.