يرى خبراء اقتصاديون أن استحواذ الولايات المتحدة على مخزون فنزويلا الضخم من النفط الخام، قد يشكّل فرصة لإنعاش اقتصاد البلاد المتدهور والخروج من سنوات العزلة، شريطة أن تفي واشنطن بالتزاماتها، وفق ما نقلته صحيفة “وول ستريت جورنال”.

وأوضح مسؤولون وخبراء اقتصاديون للصحيفة، أن إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب المفاجئ بشأن استحواذ الولايات المتحدة على ملايين البراميل من النفط الخام الفنزويلي؛ قد يشكّل دفعة اقتصادية قوية للبلد المنهك، شريطة أن تتمكن واشنطن وكاراكاس من الحفاظ على “التهدئة الناشئة” بينهما.

وأضافت الصحيفة، أن هذا الاحتمال يعتمد على مدى التزام الطرفين، لكن الاقتصاديين أكدوا أن إعادة فتح قناة تجارية مع الولايات المتحدة قد توفر سيولة نقدية ضرورية لفنزويلا، التي تعتمد بشكل كبير على استيراد الغذاء والسلع الأساسية.

وكان ترمب قد صرّح في منشور على منصة “تروث سوشيال”، الثلاثاء الماضي، قائلاً: “يسرني أن أعلن أن السلطات المؤقتة في فنزويلا ستسلم ما بين 30 و50 مليون برميل من النفط عالي الجودة والخاضع للعقوبات إلى الولايات المتحدة الأميركية”.

وأضاف: “سيتم بيع هذا النفط بسعره في السوق، وسيتم التحكم في تلك الأموال من قبلي بصفتي رئيس الولايات المتحدة الأميركية، لضمان استخدامها بما يعود بالفائدة على شعبي فنزويلا والولايات المتحدة”.

النفط الفنزويلي بسعر السوق

وتمتلك فنزويلا حالياً أكثر من 30 مليون برميل من النفط الخام المخزن، والذي لم تتمكن من بيعه بسبب الحظر الأميركي الجزئي، وقد يساعد بيع هذا النفط بأسعار السوق، بدلاً من الخصم الكبير الذي تضطر لتحمّله في السوق السوداء، على إعادة إنعاش اقتصادها الذي شهد تراجعاً حاداً خلال العقد الماضي.

وقال أليخاندرو جريسانتي، رئيس شركة Ecoanalitica للاستشارات التجارية في كاراكاس: “قد يبدو هذا متناقضاً، لكن إذا تمكّنا من التوصل إلى نوع من التفاهم بين الولايات المتحدة وفنزويلا، يمكننا بسهولة الانتقال من التراجع السلبي الحاد إلى نمو إيجابي”.

وأضاف التقرير أن أسعار سندات الحكومة الفنزويلية شهدت ارتفاعاً، هذا الأسبوع، إلى مستويات غير مسبوقة منذ تخلّف النظام عن سداد ديونه السيادية عام 2017، ويرى جريسانتي في ذلك مؤشراً على اعتقاد المستثمرين بأن البلاد يمكن أن تعود إلى النظام المالي العالمي، وتسوي ديونها المتراكمة البالغة بنحو 160 مليار دولار.

وذكرت “وول ستريت جورنال”، أن جزءاً كبيراً من ذلك يعتمد على التهدئة السياسية “الهشة” بين الحكومة الفنزويلية وترمب، الذي أمر باعتقال الرئيس نيكولاس مادورو في عملية عسكرية أميركية، السبت، وتولت نائبته، ديلسي رودريجيز، المعروفة بأنها الحاكمة الفعلية للاقتصاد الفنزويلي منذ سنوات، إدارة شؤون البلاد، إذ قال ترمب إنها ستتعاون مع الولايات المتحدة أو ستواجه القضاء الأميركي.

وحذر التقرير من أنه إذا لم تفِ الولايات المتحدة بالتزاماتها المالية المتعلقة بنفط فنزويلا، فسيكون ذلك كارثياً لبلد يُتوقع أن يشهد معدل تضخم يصل إلى 700% هذا العام، إذ ستستحوذ واشنطن على نحو 15% من إنتاج النفط السنوي الحالي للبلاد، وبدون دفع المقابل المالي لهذا النفط، ستواجه كاراكاس، التي تعتمد بشكل كبير على الاستيراد، نقصاً حاداً في الغذاء كما حدث في الماضي.

الاستقرار السياسي في فنزويلا 

لكن بعض الاقتصاديين يقولون إن خطط الولايات المتحدة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي في فنزويلا “محكوم عليها بالفشل”، دون انتخابات ومؤسسات ديمقراطية مستقرة. 

وقال ريكاردو هاوسمان، الخبير الاقتصادي الفنزويلي بجامعة هارفارد: “الشركات ستحتاج إلى الثقة في النظام القانوني لاستثمار مليارات الدولارات”. وأضاف هاوسمان، الذي شغل سابقاً منصب وزير التخطيط في فنزويلا: “في ظل هذه الظروف، لا يمكن لأي انتعاش أن يحدث في صناعة النفط، وأرى بوضوح أن الوضع قد يزداد سوءاً”.

ومن جانبه، قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، إن نقل النفط لا يمثل سوى المرحلة الأولى ضمن خطة أميركية من ثلاث مراحل لفنزويلا، واصفاً إياها بأنها خطوة استقرار تهدف إلى ضمان تدفق العملة الصعبة، التي يعتمد عليها اقتصاد البلاد بشكل كبير لاستيراد الغذاء والدواء لسكانها البالغ عددهم 28 مليون نسمة.

وبموجب الخطة، ستضمن الولايات المتحدة أيضاً إتاحة احتياطيات النفط الفنزويلية، التي تُعد من بين الأكبر في العالم، أمام شركات الطاقة الأجنبية، فيما تتضمن المرحلة الثالثة الإشراف على برنامج مصالحة، يهدف إلى استعادة الحقوق السياسية وإطلاق سراح السجناء السياسيين في كاراكاس. وقال روبيو: “نشعر بأننا نمضي قدماً بشكل إيجابي للغاية”.

بدوره، قال وزير الطاقة الأميركي، كريس رايت، خلال مؤتمر للطاقة نظمته مؤسسة جولدمان ساكس، الأربعاء، إن الولايات المتحدة ستبيع النفط في السوق، على أن تُودَع العائدات في حسابات خاضعة لسيطرة الحكومة الأميركية قبل تحويلها إلى فنزويلا، دون الإفصاح عن مزيد من التفاصيل.

وأضاف رايت: “دعوا النفط يتدفق.. ينبغي أن تصبح (فنزويلا) مركزاً غنياً ومزدهراً وسلمياً للطاقة”.

خيارات فنزويلا 

وأشارت “وول ستريت جورنال”، إلى أن فنزويلا لا تملك خيارات كثيرة في هذا الشأن، إذ يقول ترمب إنه يدير شؤون البلاد حالياً، ويعتمد الكثير على رودريجيز، التي قد تواجه صعوبة في إرضاء الرئيس الأميركي والحفاظ على وحدة الفصائل المختلفة داخل النظام الذي خلّفه مادورو.

وأكد إيفانان روميرو، نائب وزير النفط الفنزويلي السابق، أن رودريجيز أمامها وقت محدود لإحداث تغيير ملموس في ظل الاحتياجات المُلحة للبلاد. وقال: “يتحدث البعض عن برنامج تعافٍ يمتد لعقد من الزمن، لكننا لا نستطيع الانتظار. إذا لم يحدث ذلك خلال بضع سنوات، فسيكون مصير الجميع الهلاك”.

وقالت شركة النفط الفنزويلية الحكومية Petróleos de Venezuela إن المفاوضات مع الولايات المتحدة جارية بشأن مبيعات النفط، وستتم وفق شروط تجارية مماثلة لتلك المُبرَمة مع شركة “شيفرون” وغيرها من الشركات الأجنبية، واصفة الصفقة بأنها “معاملة تجارية بحتة تلتزم بالمعايير القانونية والشفافية وتحقيق المنفعة للطرفين”.

وبحسب الصحيفة، فإن استيراد واشنطن للنفط من فنزويلا سيخفف أزمة خانقة تواجه البلاد في مجال الإنتاج والتخزين، مع اقتراب مخزوناتها من الامتلاء، فيما كان الحظر الأميركي يمنع معظم الصادرات، ما أثار مخاوف من اضطرار كاراكاس لإغلاق آبار النفط، وهي خطوة مكلفة ومحفوفة بالمخاطر.

وتمكنت فنزويلا مؤخراً، وبجهود مضنية، من تثبيت إنتاجها عند حوالي مليون برميل يومياً، بعد أن كان منخفضاً إلى نحو 500 ألف برميل عند فرض العقوبات الأميركية لأول مرة في عام 2020، إلا أنه لا يزال أقل بكثير من نحو 3 ملايين برميل التي كانت تنتجها قبل عقدين من الزمن.

وقف العقوبات

وأوضحت الصحيفة، أن استئناف التجارة مع السوق الأميركية يعني أيضاً أن فنزويلا ستتمكن من جني كامل ثمن نفطها الخام الثقيل بأسعار السوق، بعد أن كانت تضطر في السنوات الأخيرة لبيعه بخصومات كبيرة في السوق السوداء، لأنه كان يُنقل عبر أسطول من الناقلات الوهمية الخاضعة للعقوبات، التي تحايلت على العقوبات الأميركية لنقل النفط إلى مشترين آسيويين يدفعون بالعملات المشفرة. وأضافت أن جزءاً كبيراً من شحنات فنزويلا إلى الصين، أكبر مشترٍ لها، لم يدر أي عائدات نقدية لأنه كان يُستخدم لتسوية ديون قديمة لبكين.

وأثار إعلان فريق ترمب أيضاً تكهنات بأن الولايات المتحدة قد تتراجع عن شبكة العقوبات المالية المعقدة التي فرضتها على فنزويلا، ما قد يسمح بتدفق مزيد من الاستثمارات. ومن المقرر أن يلتقي الرئيس الأميركي مع مسؤولي شركات النفط الجمعة.

زيادة الإنتاج

وبحسب كلايتون سيجل، من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، فإن قطاع النفط الفنزويلي يمتلك القدرة على رفع إنتاجه إلى أكثر من 3 ملايين برميل يومياً، وهو ما يعادل تقريباً ثلث إنتاج السعودية الحالي. 

وأضاف سيجل، أنه باستثمارات تبلغ عدة مليارات من الدولارات على مدى نحو 18 شهراً، يمكن لفنزويلا زيادة إنتاجها الحالي بنحو 50%، لكن رفع الإنتاج فوق 2 مليون برميل يومياً يتطلب استثمارات بعشرات المليارات من الدولارات، لإجراء إصلاحات شاملة وبناء مرافق جديدة قد تستغرق 6 سنوات أو أكثر.

وتحتاج فنزويلا إلى العشرات من منصات الحفر ومحطات المعالجة المتقدمة، بالإضافة إلى تحسينات كبيرة لشبكة الكهرباء، بحسب الصحيفة.

ومع ذلك، حذر سيجل من أن أي تعافي لا يمكن أن يتحقق من دون استقرار سياسي، وقال: “هناك ما يدعو للشك في إمكانية تحقيق الاستقرار السياسي في كاراكاس، إذ إن الخطط المتعلقة بالحكم والانتقال تبدو غامضة في أحسن الأحوال”.

وفي الشارع الفنزويلي، لوحظ أن المواطنين لم يحتفلوا بعد، مع توقع استمرار نقص الدولار في الاقتصاد. وعلى منصة Binance للعملات الرقمية، التي يتداول فيها العديد من الفنزويليين عملتهم المحلية المتعثرة، البوليفار، بلغ سعر الدولار الأميركي الواحد أكثر من 800 بوليفار، مقارنةً بالسعر الرسمي للبنك المركزي البالغ 308 بوليفار.

وقال جريسانتي من Ecoanalitica: “هناك فجوة كبيرة بين ما يراه المستثمرون الدوليون وما يدركه رجال الأعمال المحليون”.

وأشارت الصحيفة إلى أن رودريجيز، التي أدت اليمين الدستورية، الاثنين الماضي، كرئيسة مؤقتة للبلاد، أشرفت على برنامج تحرير اقتصادي خلال السنوات الأخيرة، حيث فككت فنزويلا نموذجها الاقتصادي القائم على التخطيط المركزي، وخفّضت الإنفاق السخّي على برامج الرفاه الاجتماعي، كما خفّفت ضوابط الأسعار ورقابة رأس المال التي كانت تمنع في السابق تداول الدولار الأميركي، ما ساهم في تحقيق استقرار تدريجي للاقتصاد، الذي تجاوز معدلات النمو في معظم دول المنطقة، مسجلاً 6.5% في عام 2025، وفقاً للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي.

ومع ذلك، أظهر استطلاع للرأي أجرته مؤسسة “جالوب”، نُشر الخميس، أن ثلاثة من كل خمسة فنزويليين واجهوا صعوبات في تأمين الغذاء الكافي العام الماضي، فيما بلغت نسبة الموظفين بدوام كامل 19% فقط، وهو من أدنى المعدلات في أميركا اللاتينية.

شاركها.