أصدرت وزارة الدفاع الأميركية “البنتاجون”، الجمعة، استراتيجية دفاع وطني جديدة تعكس تحولاً في الأولويات، إذ دعت حلفاء الولايات المتحدة إلى تحمّل مسؤولية أكبر عن أمنهم، وجدّدت تأكيد تركيز إدارة الرئيس دونالد ترمب على ترسيخ النفوذ الأميركي في نصف الكرة الغربي، بدلاً من الهدف التقليدي الذي ساد لسنوات طويلة والمتمثل في مواجهة الصين.

وقالت وزارة الحرب الأميركية “البنتاجون” في تقرير “استراتيجية الدفاع الوطني لعام 2026″، إن التركيز الأساسي للجيش الأميركي لم يعد على الصين، بل على أراضي الولايات المتحدة، وحماية مصالحها في نصف الكرة الغربي.

وكانت الوثيقة المؤلفة من 25 صفحة، وهي الأولى منذ عام 2022، ذات صبغة سياسية إلى حد كبير بالنسبة لمخطط عسكري، حيث انتقدت الشركاء من أوروبا إلى آسيا لاعتمادهم على الإدارات الأميركية السابقة في دعم احتياجاتهم الدفاعية، ودعت إلى “تغيير حاد” في النهج والتركيز والأسلوب، وهو ما تُرجم إلى تقييم صريح بأنه على الحلفاء” تحمل جزء أكبر من العبء في مواجهة دول مثل روسيا وكوريا الشمالية”.

وجاء في الجملة الافتتاحية للوثيقة، أنه “لفترة طويلة، أهملت -وحتى ورفضت- الحكومة الأميركية إعطاء الأولوية للأميركيين ومصالحهم الملموسة”.

والاستراتيجية الجديدة تأتي بعد شهر من إعلان ترمب، استراتيجيته للأمن القومي، التي أعطت الأولوية الدفاعية لنصف الكرة الغربي، للمساعدة في مكافحة الإرهاب المرتبط بتجارة المخدرات، بالإضافة إلى تأمين الوصول إلى جزيرة جرينلاند، وخليج المكسيك، وقناة بنما.

الصين.. “ردع لا مواجهة”

وجاء في الاستراتيجية الدفاعية الجديدة، التي تطرقت أيضاً إلى روسيا وإيران والشرق الأوسط، أن ردع الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ سيعتمد على “قوة الردع لا المواجهة”. 

وأوضحت أن الرئيس ترمب يسعى إلى “سلام مستقر وتجارة عادلة وعلاقات قائمة على الاحترام مع الصين، وقد أظهر استعداده للتواصل المباشر مع الرئيس شي جين بينج لتحقيق هذه الأهداف”. 

لكن ترمب أظهر أيضاً أهمية التفاوض من “موقع قوة”، وتماشياً مع نهجه، ستسعى وزارة الحرب بقيادة بيت هيجسيث، حسبما جاء في الاستراتيجية الدفاعية الجديدة لعام 2026، إلى “فتح نطاق أوسع من قنوات الاتصال العسكري مع جيش التحرير الشعبي، مع التركيز على دعم الاستقرار الاستراتيجي مع بكين، بالإضافة إلى تجنب الصدام وخفض التصعيد بشكل عام”.

وجاء في الاستراتيجية: “سنكون واقعيين وواضحين بشأن سرعة وحجم وجودة التوسع العسكري الصيني التاريخي، هدفنا من ذلك ليس الهيمنة على الصين، ولا خنقها أو إذلالها، بل منع أي جهة، بما فيها الصين، من الهيمنة علينا أو على حلفائنا، أي باختصار، تهيئة الظروف العسكرية اللازمة لتحقيق هدف استراتيجية الأمن القومي المتمثل في توازن القوى في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، بما يسمح لنا جميعاً بالتمتع بالسلام”.

وأضافت الوثيقة: “لتحقيق هذه الغاية، ووفقاً لتوجيهات استراتيجية الأمن القومي، سنقيم دفاعاً قوياً رادعاً على طول سلسلة الجزر الأولى، كما سنحثّ الحلفاء والشركاء الإقليميين الرئيسيين ونمكّنهم من بذل المزيد من الجهد من أجل دفاعنا الجماعي، وبذلك، سنعزز الردع بالمنع، لكي تُدرك جميع الدول أن مصالحها تُخدم على أفضل وجه من خلال السلام وضبط النفس. هكذا سنُرسّخ موقفاً عسكرياً قوياً يمكّن الرئيس ترمب من التفاوض على شروط مواتية لأمتنا. سنكون أقوياء، لكننا لن نكون صداميين بلا داعٍ”.

ولفتت الاستراتيجية الدفاعية الجديدة، إلى أن الصين، تُعد ثاني أقوى دولة في العالم بعد الولايات المتحدة، وأقوى دولة بالنسبة لواشنطن منذ القرن التاسع عشر.

ولفتت استراتيجية البنتاجون، إلى أنه في حال سيطرت الصين على منطقة المحيطين الهندي والهادئ، فسيكون بإمكانها “منع وصول الأميركيين فعلياً إلى مركز الثقل الاقتصادي العالمي”، كما حثت الاستراتيجية الجديدة الحلفاء، على “بذل المزيد من الجهود لتعزيز الدفاع الجماعي في المنطقة”.

يشار إلى أن إدارة ترمب الأولى أولت اهتماماً بالغاً بالصين في استراتيجيتها الدفاعية لعام 2018، باعتبارها التهديد الأكبر للأمن الأميركي، وتكرر هذا التوجه في استراتيجية إدارة الرئيس السابق جو بايدن لعام 2022، لكن استراتيجية 2026، تُبرز استمرار تركيز الولايات المتحدة على الدبلوماسية مع الصين.

روسيا.. “تهديد مستمر” لجناح الناتو الشرقي

وحذّرت الوثيقة من أن روسيا ستظل تشكل “تهديداً مستمراً” لدول الجناح الشرقي لحلف الناتو، في المستقبل القريب، لكنها استبعدت قدرتها على السعي لـ”الهيمنة على أوروبا”، التي يتجاوز عدد سكانها وحجم اقتصادها عدد سكان وحجم اقتصاد روسيا بكثير.

ومع اقتراب الغزو الروسي لأوكرانيا من عامه الرابع، ذكر التقرير موسكو بشكل موجز نسبياً، ووصفها بأنها “ستظل تشكل تهديداً مستمراً ولكن يمكن السيطرة عليه لأعضاء الجناح الشرقي في الناتو في المستقبل القريب”.

وجاء في استراتيجية الدفاع الأميركية، أنه “على الرغم من أن روسيا تعاني من مجموعة متنوعة من الصعوبات الديموجرافية والاقتصادية، لكن حربها المستمرة في أوكرانيا، تظهر أنها لا تزال تحتفظ بمخزون كبير من القوة العسكرية والصناعية”، كما أظهرت روسيا أنها “تملك العزيمة الوطنية اللازمة لمواصلة حرب طويلة الأمد في جوارها القريب”.

وأضافت الوثيقة، أنه “على الرغم من أن التهديد العسكري الروسي يُركز في المقام الأول على أوروبا الشرقية، فإن روسيا تمتلك أيضاً أكبر ترسانة نووية في العالم، والتي تواصل تطويرها وتنويعها، فضلاً عن قدرات تحت سطح البحر وفضائية وسيبرانية، والتي يمكن أن تستخدمها ضد الأراضي الأميركية”.

وفي ضوء ذلك، أكدت وزارة الحرب الأميركية، أنها “ستضمن استعداد القوات الأميركية للدفاع عن أراضي الولايات المتحدة ضد التهديدات الروسية”، مضيفة: “سنواصل أيضاً لعب دور حيوي في حلف الناتو نفسه، حتى في الوقت الذي نقوم فيه بموازنة وضع القوات الأميركية وأنشطتها في مسرح العمليات الأوروبي لمراعاة التهديد الروسي للمصالح الأميركية وكذلك قدرات حلفائنا”.

مسؤولية أمن الحلفاء

وأوضحت الوثيقة الشاملة التي تنشرها كل إدارة جديدة، أن “موسكو ليست في وضع يسمح لها بالسعي إلى الهيمنة على أوروبا”، مشيرة إلى أن “أعضاء الناتو الأوروبيين يتفوقون على روسيا من حيث حجم الاقتصاد والسكان، وبالتالي القوة العسكرية الكامنة”. 

في نفس الوقت، على الرغم من أن أوروبا لا تزال مهمة، فإن حصتها من القوة الاقتصادية العالمية “أصغر وآخذة في التناقص”، وفق الاستراتيجية. وبالتالي، على الرغم من “أننا نواصل مشاركتنا في أوروبا وسنظل كذلك، يتعين علينا، وسنقوم، بإعطاء الأولوية للدفاع عن الأراضي الأميركية وردع الصين”.

وتابعت الوثيقة: “حلفاءنا في الناتو أقوى بكثير من روسيا، بل إنهم لا يقارنون بها. الاقتصاد الألماني وحده يتفوق على الاقتصاد الروسي. وفي الوقت نفسه، تحت قيادة الرئيس ترمب، التزم حلفاء الناتو بزيادة الإنفاق الدفاعي إلى المعيار العالمي الجديد البالغ 5% من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي، مع استثمار 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي في القدرات العسكرية”.

وأردفت: “لذلك، فإن حلفاءنا في الناتو في وضع قوي لتولي المسؤولية الأساسية عن الدفاع التقليدي عن أوروبا، مع دعم أميركي حاسم ولكنه محدود. ويشمل ذلك أخذ زمام المبادرة في دعم الدفاع عن أوكرانيا”.

وذكرت الوثيقة، أنه “كما قال الرئيس ترمب، لا بد أن تنتهي الحرب في أوكرانيا. لكنه أكد أيضاً أن هذه مسؤولية أوروبا أولاً وقبل كل شيء. لذلك، فإن تأمين السلام والحفاظ عليه سيتطلب قيادة والتزاماً من حلفائنا في الناتو”.

“أضعف حالات” إيران

قدّر البنتاجون في استراتيجية الدفاع لعام 2026، أن السلطات الإيرانية، أبقت الباب مفتوحاً أمام إمكانية السعي مجدداً لـ”امتلاك سلاح نووي”، وهي مزاعم تنفيها طهران باستمرار.

واعتبرت الاستراتيجية الأميركية الجديدة، أن إيران “أصبحت اليوم أضعف وأكثر هشاشة مما كانت عليه منذ عقود، وذلك نتيجة للضربات الأميركية والإسرائيلية” في حرب الـ12 يوماً في يونيو الماضي.

ولكن البنتاجون يعتقد أنه رغم “الانتكاسات القاسية التي منيت بها إيران خلال الأشهر الماضية”، إلا أنها “تسعى إلى إعادة بناء قدراتها العسكرية التقليدية”.

وحسبما ورد في الاستراتيجية الدفاعية الأميركية، فإن قادة إيران “أبقوا الباب مفتوحاً لاحتمال السعي مجدداً لامتلاك سلاح نووي، بما في ذلك رفضهم الانخراط في مفاوضات جادة”، بشأن البرنامج النووي.

وأضافت الاستراتيجبة التي نشرها البنتاجون، أنه “رغم إضعاف وكلاء إيران بشدة، إلا أنهم قد يسعون هم أيضاً إلى إعادة بناء البنية التحتية والقدرات التي دُمّرت”.

“دور محدود” في ردع كوريا الشمالية

ووفق الوثيقة، يتوقع البنتاجون، أن الولايات المتحدة ستلعب دوراً “‌أكثر محدودية” في ردع كوريا الشمالية على أن تنقل الجزء الأكبر من المسؤولية إلى كوريا الجنوبية.

وجاء في ⁠استراتيجية الدفاع الوطني، ‌وهي وثيقة توجه سياسات البنتاجون، أن “كوريا الجنوبية قادرة ⁠على تحمل المسؤولية ‌الأساسية لردع كوريا ⁠الشمالية بدعم ⁠أميركي حيوي ولكنه أكثر محدودية”.       

وأضافت الوثيقة، أن “هذا التحول في ميزان المسؤولية يتماشى مع مصلحة أميركا في تحديث وضع القوات الأميركية في شبه الجزيرة الكورية”.

ولم تتضمن استراتيجية الأمن القومي لعام 2025 أي ذكر لبيونج يانج، كما لم تتضمن أي استراتيجية بشأن نزع سلاح كوريا الشمالية النووي، وسط تقديرات لخبراء تحدثوا لـ”الشرق”، بأن التجاهل الأميركي لهذه الجزئية متعلّق إما بإبداء “بعض المرونة”، حتى وإن في غياب الحوار المباشر، أو التحول من سياسة “نزع السلاح النووي أولاً”، إلى الاكتفاء باستراتيجية الردع، فيما رأى البعض أن هذه الاستراتيجية تُظهر تغيراً من القيم الأميركية إلى المصالح الاقتصادية.

وتتوافق وثيقة البنتاجون، مع استراتيجية الأمن القومي التي أصدرها ترمب قبل أسابيع في ديسمبر الماضي، والتي تنص على أن الولايات المتحدة ستعيد تأكيد هيمنتها في نصف الكرة الغربي، وتبني قوتها العسكرية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وربما تعيد تقييم علاقتها مع أوروبا.

ورحّبت روسيا آنذاك بمضمون استراتيجية الأمن القومي الأميركية، التي تجنبت وصف موسكو بـ”التهديد المباشر”، فيما أثارت انتقادات من الحلفاء الأوروبيين، خصوصاً بعد تحذيرات واشنطن من إمكانية “زوال الحضارة الأوروبية خلال 20 عاماً”، وربما تفقد يوماً ما مكانتها كحليف موثوق للولايات المتحدة.

شاركها.