اكتشف باحثون بالمركز الوطني لأبحاث القلب والأوعية الدموية في إسبانيا، آلية بيولوجية تساهم في إنهاء الالتهاب وإعادة التوازن للجسم بعد العدوى، وهو اكتشاف يفتح آفاقاً علاجية واعدة.
وأظهرت دراسة نشرتها مجلة Immunity أن مجموعة من البروتينات المعروفة باسم “الإنترفيرونات” والتي لديها دور كبير في الاستجابة للفيروسات، تؤدي أيضاً وظيفة حاسمة في ضبط نشاط الخلايا المناعية المسؤولة عن تنظيف الأنسجة المتضررة.
و”الإنترفيرونات” هي مجموعة من البروتينات “الإشارية” التي تنتجها وتفرزها خلايا الجسم كاستجابة مناعية فورية عند اكتشاف أجسام غريبة مثل الفيروسات، أو البكتيريا، أو حتى الخلايا السرطانية.
وتعمل هذه البروتينات كجهاز إنذار مبكر، إذ ترتبط بمستقبلات الخلايا المجاورة لتحفيزها على إنتاج إنزيمات تمنع تكاثر الفيروسات بداخلها، كما تعمل على تنشيط الخلايا المناعية مثل الخلايا البلعمية والقاتلة الطبيعية لزيادة قدرتها على الهجوم، وبذلك تمثل خط الدفاع الأول الذي يربط بين الاستجابة المناعية الفطرية والمكتسبة لضمان حصانة الجسم وتوازنه.
ما هي الخلايا البلعمية؟
عند حدوث عدوى، يطلق الجهاز المناعي استجابة التهابية سريعة لمقاومة الميكروبات، لكن استمرار الالتهاب لفترة أطول من اللازم ربما يؤدي إلى تلف الأنسجة، وهنا تلعب الخلايا البلعمية – المعروفة باسم “الماكروفاج” – دوراً محورياً، إذ تتولى ابتلاع الخلايا الميتة الناتجة عن العدوى، والمساهمة في إصلاح الأنسجة.
وأوضحت الدراسة كيف يعاد توجيه وظيفة هذه الخلايا من الهجوم إلى الإصلاح، من خلال إشارات جزيئية دقيقة.
وقال الباحثون إن الخلايا البلعمية عندما تكتشف مواداً وراثية فيروسية داخلها، تغير نمط عمل الميتوكوندريا، وهي مراكز إنتاج الطاقة داخل الخلية، وتتمثل هذه التغيرات في خفض جهد الغشاء الميتوكوندري مع الحفاظ على كفاءة إنتاج الطاقة؛ ويحدث ذلك نتيجة إفراز الإنترفيرون من النوع الأول، الذي يرتبط بمستقبلاته على سطح الخلية البلعمية ويحفز إنتاج بروتين يعرف باسم ISG15.
وأضافوا الدراسة أن هذا البروتين يرتبط مباشرة ببروتينات الميتوكوندريا، محدثا تأثيرين متزامنين؛ هما زيادة إنتاج جزيئات الطاقة، وتقليل جهد الغشاء الميتوكوندري، ما يعيد تشكيل شكله الميتوكوندريا ووظيفتها.
وتحسن هذه التغيرات الأيضية قدرة الخلايا البلعمية على التخلص من الخلايا الميتة، ما يسرع عملية إنهاء الالتهاب ويمنع تحوله إلى حالة مزمنة ضارة.
الخلايا البلعمية
- نوع من خلايا الجهاز المناعي مسؤولة عن الدفاع عن الجسم ضد العدوى.
- تدمر وتبتلع الميكروبات والخلايا التالفة والفضلات الخلوية.
- توجد في الدم والأنسجة، مثل العدلات والوحيدات والتي تتحول لاحقاً إلى خلايا بلعمية كبيرة.
- تلعب دورًا مهمًا في استجابة الجسم للالتهابات وتنظيف الأنسجة.
- يمكنها التعرف على الأجسام الغريبةمن خلال مستقبلات خاصة على سطحها.
- بعد ابتلاع الجراثيم أو الخلايا التالفة، تهضمها بواسطة إنزيمات داخل الحويصلات الهاضمة.
- بعض الخلايا البلعمية تساعد في تنشيط الخلايا المناعية الأخرى وإطلاق إشارات كيميائية.
استجابة مناعية
أوضح الباحثون أن هذا التغيير الهيكلي والوظيفي يحسن من قدرة خلايا “الماكروفاج” على ابتلاع الخلايا الميتة وإزالة المخلفات الخلوية الناتجة عن العدوى أو الالتهاب.
وأظهرت الدراسة أن انخفاض جهد الغشاء يؤدي إلى تنشيط إنزيم خاص يعزز تفتت الميتوكوندريا، وهو ما ينعكس بدوره على إعادة تشكيل أيض الخلية وتقليل التعبير عن الجينات المحفزة للالتهاب؛ وبذلك، لا يكتفي الإنترفيرون بإطلاق الاستجابة المناعية، بل يشارك أيضاً في إيقافها في الوقت المناسب.
ولا يكتفي البروتين بتحفيز الاستجابة الدفاعية، بل يعيد ضبط الأيض والهيكل الميتوكوندري للماكروفاج، ليحول الخلية من حالة نشطة التهابية إلى حالة إصلاحية، ما يسرع عودة الأنسجة إلى الحالة الطبيعية ويوازن بين الدفاع ضد العدوى والحد من الضرر الناتج عن الالتهاب.
اعتمدت الدراسة على مزيج من التحاليل الأيضية المتقدمة، وتقنيات تصوير عالية الدقة، ونماذج خلوية وحيوانية.
ولاحظ الباحثون أن معالجة الخلايا البلعمية بالإنترفيرون تزيد من قدرتها على ابتلاع الخلايا المبرمجة للموت، في حين تختفي هذه الفائدة عند غياب بروتين ISG15، ما يؤكد دوره المحوري في هذه العملية.
وقال المؤلف الرئيسي للدراسة، ديفيد سانشو، إن النتائج تكشف عن مسار جديد يربط بين الإشارات المضادة للفيروسات والتمثيل الغذائي الخلوي، بما يحقق توازناً دقيقاً بين الدفاع والإصلاح.
وأضاف أن فهم هذا المسار ربما يساهم مستقبلاً في تطوير استراتيجيات علاجية تسرع إنهاء الالتهاب في أمراض متعددة، أو تحسن استخدام العلاجات المعتمدة على الإنترفيرون مع تقليل آثارها الجانبية.
ويعزز هذا الاكتشاف الفهم العلمي لكيفية تحكم الجهاز المناعي في ذاته، ويفتح الباب أمام مقاربات علاجية أكثر دقة تستهدف الالتهاب دون الإخلال بقدرة الجسم على مقاومة العدوى.
