كشفت دراسة علمية حديثة عن آلية خلوية تربط بين الإصابة بفيروسات الإنفلونزا من النوع A وأمراض القلب والأوعية الدموية.
وقدمت الدراسة، التي أجراها باحثون بمستشفى ماونت سايناي، وكلية إيكان للطب في الولايات المتحدة، ونشرتها دورية Immunity، أدلة جديدة تفسر كيف يمكن للإنفلونزا الشديدة أن تلحق أضراراً مباشرة بالقلب، وتزيد من خطر الإصابة بالنوبات القلبية، أو غيرها من الأحداث القلبية الكبرى.
وأظهرت الدراسة، التي اعتمدت على نماذج حيوانية وبيانات بشرية، أن الباحثين تمكنوا من تحديد مسار مناعي محدد يسهم في إحداث تلف في عضلة القلب عقب الإصابة الشديدة بالإنفلونزا.
وقدم الباحثون دليلاً على أن علاجاً تجريبياً متطوراً، يقوم على الحمض النووي الريبي المرسال المعدل، يمكنه التخفيف بشكل كبير من الضرر القلبي الناتج عن العدوى الفيروسية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الاستجابة المناعية الوقائية الضرورية لمكافحة الفيروس.
الإنفلونزا وأمراض القلب
أشار الباحثون إلى أن نتائج الدراسة تسلط الضوء على دور مسارات مناعية بعينها، مثل السيتوكين المضاد للفيروسات المعروف بالإنترفيرون من النوع الأول، في إحداث أضرار بالقلب عقب الإصابة الشديدة بالإنفلونزا، مؤكدين أن هذه المعطيات تفتح آفاقاً واعدة لتطوير علاجات جديدة في ظل غياب خيارات سريرية فعالة حالياً للوقاية من تلف القلب المرتبط بالعدوى.
وبينت الدراسة أن فيروسات الإنفلونزا A مسؤولة عن نحو مليار إصابة سنوياً حول العالم، تتراوح بين حالات خفيفة تشفى تلقائياً، وأخرى شديدة قد تكون مميتة؛ وفي بعض الحالات، ينتقل الفيروس إلى القلب، ويؤدي إلى موت الخلايا العضلية القلبية، وهي الخلايا المسؤولة عن الانقباض والانبساط المنتظمين للقلب، ما ينعكس سلباً على كفاءته الوظيفية.
تنقسم فيروسات الإنفلونزا إلى 4 أنواع رئيسية هي A وB وC وD، ويختلف كل نوع منها من حيث الانتشار، وشدة المرض، وقدرته على إحداث أوبئة أو جائحات. ويعد فهم هذه الأنواع ضرورياً لتفسير أنماط التفشي الموسمي، ولماذا تكون بعض موجات الإنفلونزا أكثر خطورة من غيرها.
- فيروس الإنفلونزا A هو الأكثر انتشاراً وتأثيراً على الصحة العامة عالمياً، وهو المسؤول عن معظم حالات الإنفلونزا الموسمية الشديدة، إضافة إلى جميع الجائحات الكبرى التي شهدها العالم، مثل جائحة إنفلونزا الخنازير. ويتميز هذا النوع بقدرته العالية على التحور والتغير الجيني، كما أنه يصيب البشر والحيوانات على حد سواء، خاصة الطيور والخنازير.
- فيروس الإنفلونزا B يصيب البشر فقط، ويكون عادة أقل شدة من النوع A، لكنه لا يزال سبباً مهماً للمرض، خاصة لدى الأطفال؛ وينتشر هذا النوع بشكل موسمي أيضاً، وغالباً ما يسهم في موجات الإنفلونزا السنوية، لكنه لا يؤدي إلى جائحات عالمية بسبب محدودية تنوعه الجيني مقارنة بالنوع A.
- فيروس الإنفلونزا C أقل شيوعاً بكثير، وغالباً ما يسبب أعراضا خفيفة تشبه نزلات البرد، ولا يرتبط عادة بتفشيات واسعة، أو مضاعفات خطيرة؛ وغالباً ما يتعرض له الإنسان في مرحلة مبكرة من حياته، ما يمنح مناعة طويلة الأمد نسبياً ضده.
- فيروس الإنفلونزا D أحدث الأنواع المعروفة، ويصيب في الأساس الحيوانات، وخصوصا الأبقار، ولم يثبت حتى الآن أنه يسبب مرضاً لدى البشر أو يشكل خطرا على الصحة العامة.
وبشكل عام، يعد فيروس الإنفلونزا من النوع A الأكثر انتشاراً والأشد تأثيراً، يليه النوع B من حيث الأهمية الوبائية، بينما يظل النوعان C وD محدودي الانتشار ولا يشكلان تهديداً واسع النطاق للبشر.
“حصان طروادة”
حلل الباحثون نتائج تشريح 35 مريضاً منوَّماً في المستشفيات توفوا بسبب الإنفلونزا، ويتبين أن أكثر من 85% منهم كانوا يعانون من مرض قلبي وعائي واحد على الأقل، مثل ارتفاع ضغط الدم، وأن الغالبية كانت لديها أمراض مصاحبة متعددة، من بينها تصلب الشرايين، وتليف عضلة القلب.
وأبرزت هذه النتائج الدور المحوري لأمراض القلب والأوعية الدموية كعامل رئيسي في وفيات الإنفلونزا.
وكشفت الدراسة عن الآلية الدقيقة لحدوث الضرر القلبي، إذ توصل الباحثون إلى أن مجموعة فرعية غير معروفة سابقاً من خلايا الدم البيضاء، تعرف باسم الخلايا قبل المتغصنة من النوع الثالث، تصاب بالعدوى في الرئة ثم تنتقل إلى القلب، حيث تنتج كميات كبيرة من الإنترفيرون من النوع الأول؛ وبدلاً من أن يسهم هذا التفاعل المناعي في القضاء على الفيروس داخل القلب، فإنه يؤدي إلى تحفيز موت الخلايا العضلية القلبية، ما يضعف قدرة القلب على ضخ الدم بكفاءة.
ووصف الباحثون هذه الخلايا المناعية بأنها تعمل كـ”حصان طروادة” داخل الجهاز المناعي أثناء الإصابة بالإنفلونزا، إذ تنقل الفيروس من الرئة إلى القلب، وتنشره داخل الخلايا القلبية، مطلقة استجابة مناعية مفرطة تتسبب في أضرار جانبية جسيمة لعضلة القلب.
وأظهرت التجارب أن حقن علاج تجريبي قائم على الحمض النووي الريبي المرسال المعدل، يعمل على تعديل مسار إشارات الإنترفيرون من النوع الأول، أدى إلى تقليل مؤشرات تلف القلب، مثل انخفاض مستويات التروبونين، وتحسن وظيفة القلب كما ظهر في ارتفاع الكسر القذفي للبطين الأيسر.
ويواصل الباحثون حالياً العمل على تطوير طرق أكثر أماناً وفاعلية لإيصال هذا العلاج التجريبي إلى خلايا عضلة القلب.
