– آلاء شعبو
خلف شاشة هاتفه المتوهجة، يغرق اليافع السوري في سيل من المقاطع التي تضج بخطاب الكراهية، محاولًا العثور على “انتماء” ما في عالم رقمي صاخب، وفي الصالون المقابل من البيت، تدور محاولة حوار فاترة، سرعان ما يصطدم فيها فضول اليافع برغبة الأهل في فرض “الرأي الواحد”، أو يُقابل تساؤله بحزم يرى في الاختلاف مجرد “تمرد” لا بد من كبحه.
هذا التصادم اليومي، الذي يبدو بسيطًا في ظاهره، هو في الحقيقة “ثغرة” يتسلل منها الفكر المتطرف، فبينما تغلق أبواب النقاش بالتهميش، يفتح التطرف ذراعيه للمراهق ليمنحه “قوة وهمية” وهوية بديلة، فكيف تتحول أخطاؤنا التربوية اليومية إلى جسور يعبرها أولادنا نحو الإقصاء؟ وكيف نحمي هذا الجيل بالحوار قبل فوات الأوان؟
الأساليب التربوية كعامل خطر
تسهم عوامل متعددة في تنشئة الطفل، من أبرزها البيئة الأسرية، إلى جانب عوامل أخرى مثل الأقران، والمدرسة، ووسائل التواصل الاجتماعي، والبيئة العامة المحيطة.
الطبيب النفسي محمد أبو هلال، قال إنه رغم الأثر الواضح للتنشئة الأسرية في سلوكيات وتوجهات اليافعين، فإنه “لا يمكن وضع قانون حتمي أو علاقة سببية مباشرة ودائمة” بين طبيعة التنشئة وبين السلوكيات التي قد يقوم بها الطفل لاحقًا، بل هو نتاج تفاعل مجموعة عوامل (بيولوجية، وراثية، وبيئية).
ومع ذلك، أكد أبو هلال أن الأسرة تبقى “عنصرًا محوريًا”، وإذا أُدركت أهميتها بشكل صحيح، يمكن أن تؤدي دورًا أساسيًا في حماية اليافع من الانخراط في هذه السلوكيات.
وتتقاطع هذه الرؤية مع دراسات “جامعة لايدن” الهولندية التي تشير إلى أن “الارتباط الأسري الآمن” هو حجر الزاوية في المناعة الفكرية، إذ إن غياب هذا الأمان يدفع اليافع للبحث عن تقدير بديل خارج منظومة المنزل.
من جانبها، لفتت المرشدة الاجتماعية بشرى مروة، إلى أن أساليب التربية القائمة على القمع أو السخرية أو “الطاعة العمياء” تفتح ثغرات خطيرة، فحين يُمنع المراهق من طرح الأسئلة، أو يُقابل رأيه بالاستهزاء، فإنه يبحث عن بدائل خارج البيت تمنحه الشعور بالقيمة والانتماء، وهي حاجة قد تستغلها جماعات أو خطابات متطرفة.
السياق السوري.. نشأة في بيئة صادمة
في السياق السوري، يرى الدكتور أبو هلال، أن الوضع يختلف عن السياقات المستقرة، نظرًا إلى خروج سوريا من حرب استمرت 14 عامًا، بعد اندلاع الثورة، وما رافقها من صدمات نفسية واجتماعية متراكمة، تزامنت مع تطورات كبيرة في وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات تقدم محتوى مكثفًا.
كل هذه العوامل تجعل المراهقين في الواقع السوري الحالي “أكثر عرضة للاستقطاب الفكري”، مما يفرض إعادة النظر في منظومة تنشئة الطفل واليافع، وتطوير أساليب التربية ومناهج التعليم.
هذا الضغط يزداد تأثيرًا، لأن اليافع يمر بما يسمى في علم النفس “أزمة الهوية”، إذ تكون المراهقة هي مرحلة البحث المستمر عن الذات.
وفي ظل غياب استقرار اجتماعي كافٍ نتيجة سنوات الحرب، يصبح المراهق فريسة سهلة للهويات الضيقة التي تمنحه شعورًا زائفًا بالوضوح.
إن سعي المراهق الفطري للانتماء قد يتم توظيفه بشكل عكسي إذا لم تجد هذه الطاقة حاضنة أسرية تتفهم خصوصية المرحلة السورية الراهنة وحساسيتها النفسية، وفق الدكتور أبو هلال.
مظهر التطرف في الحياة اليومية
يمكن أن يظهر التطرف في صور بسيطة تبدو غير خطيرة في البداية: لغة التخوين بين الأصدقاء، الإقصاء، التبرير لكراهية أو عنف لفظي، والمبالغة في الطاعة أو التمرد بلا وعي.
هذه المؤشرات الصغيرة هي “إنذار مبكر”، بحسب المرشدة الاجتماعية بشرى مروة، ويجب أن يلاحظها الأهل والمربون لتوجيه الحوار بدلًا من القمع أو التجاهل.
وأضافت مروة أن المراهق يتعلم السلوك في الغالب عبر “الملاحظة والتقليد”، أكثر مما يتعلمه عبر التوجيه المباشر، فإذا رأى نماذج قريبة تبرر الإقصاء، سيتحول ذلك لديه إلى “نموذج طبيعي”.
وتلفت مروة الانتباه لمفهوم “الثواب الاجتماعي”، حيث يراقب المراهق السلوكيات التي تحظى بالتشجيع، وعندما يلاحظ أن الخطاب العنيف يحصد الإعجاب والتفاعل إلكترونيًا، فإنه قد يتبناه وسيلة للحصول على الاعتراف والقبول، وهنا تبرز نظرية “التعلم الاجتماعي”، التي تؤكد أن المراهق يقتدي بالنماذج التي يراها “قوية” في محيطه، فإذا غابت القدوة المتزنة والمحاورة داخل البيت، بحث عنها في نماذج افتراضية تروج لخطابات إقصائية متشددة.
دور الأسرة والخطاب المجتمعي
يتطلب التحصين، بحسب الدكتور أبو هلال، تعزيز تعليم التفكير النقدي، وترسيخ القيم التي تشجع على بناء السلام، والتأكيد على أن قيمة الإنسان لا تُستمد من انتمائه لفئة معينة، بل مما يقدمه من عمل نافع، كما يشير إلى دور الخطاب الديني المتزن في مساعدة المراهقين على النظر إلى الحياة بطريقة أكثر إنسانية تحد من النزعات الإقصائية.
وتلخص الاختصاصية الاجتماعية بشرى مروة دور الأسرة في الوقاية عبر محاور أساسية:
- بناء الكفاءة الذاتية: الحصن الحقيقي يبدأ من شعور اليافع بقيمته وقدرته على التأثير، فالمراهق الواثق بنفسه هو الأقل عرضة للانكسار أمام أي ضغط خارجي.
- احترام صوت اليافع: عندما يُسمح للمراهق بالتعبير عن رأيه بحرية، ويشعر أن صوته مسموع ومحترم داخل أسرته، يمتلك “مناعة فطرية” ترفض الخطابات الإقصائية مهما كان حجم الاستقطاب حوله.
- تحويل المنزل إلى مساحة آمنة للتساؤل: إن اعتماد الحوار بدل القمع هو السبيل الوحيد لترميم ما أفسدته سنوات الحرب، ولحماية هذا الجيل من الوقوع في فخ التطرف الذي يبدأ بكلمة، وينتهي بضياع مستقبل.
Related
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى
المصدر: عنب بلدي
