– محمد ديب بظت
مع اقتراب شهر رمضان، تتحول المدن السورية إلى مشهد يومي مختلف، حيث تعود الأسواق لتتصدر الواجهة بوصفها مركز الحركة والذاكرة معًا، فمن دمشق إلى حلب واللاذقية، تختلط روائح الحلويات والعصائر بأصوات الباعة وازدحام المارة، فيما تستعد العائلات لموائد الإفطار بطقوس متوارثة تحمل خصوصية كل مدينة.
لا يقتصر الأمر على التسوق فحسب، بل يمتد ليعكس روابط اجتماعية وذاكرة جماعية، ومشاركة تتجاوز الانتماءات الدينية، وحتى حدود البلاد، إذ يستعيد المغتربون صور الأسواق السورية بوصفها أحد أبرز وجوه رمضان.
في هذه الأجواء، تظهر الأسواق السورية كمكان يلتقي فيه التقليد بالهوية المحلية، حيث تعكس طقوس الإفطار والاستعدادات الرمضانية أصالة كل مدينة، وتروي قصصًا من الحياة اليومية وتجارب الأهالي وأصحاب المحال، ليصبح رمضان مناسبة تتجاوز البيع والشراء، وتتحول إلى موسم للبهجة والذاكرة المشتركة.
في دمشق، تمتلئ الأسواق بالحلوى التقليدية مثل “الناعم” وعصير “الجلاب”، ويحرص الأهالي على شرائها لإعداد موائد الإفطار بأسلوب دمشقي أصيل.
محمد علي، من حي ركن الدين، قال ل، إن التسوق الرمضاني لا يمكن اعتباره مجرد شراء مستلزمات الإفطار، بل يصبح طقسًا يوميًا يرافق الأهالي طوال الشهر.
وأضاف أن الأسواق تبدأ بالحركة منذ الأيام الأولى، وتمتلئ “البسطات” بـ”الناعم” وعصير “الجلاب”، فيما تعيد الروائح إلى الأذهان ذكريات الطفولة.
لقاء الجيران والأصدقاء في الأسواق يشكل جانبًا أساسيًا من أجواء الشهر، بحسب محمد، مؤكدًا أنه حتى الازدحام يحمل طابعًا خاصًا في رمضان.
شعور المشاركة والفرح
في حلب، تحضّر الأسواق أصنافًا محلية خاصة، أبرزها “غزل البنات” المحشو بالفستق والجوز إلى جانب “المعروك”، وتزدحم الأرصفة بالرجال والنساء لاختيار ما يلزم لمائدة الإفطار.
أحمد هناية، من سكان حي صلاح الدين، قال إن “غزل البنات” المحشو بالفستق والجوز، و”المعروك”، يشكلان جزءًا من هوية المدينة الرمضانية، ولا يمكن أن تكتمل الأجواء من دونهما.
وأضاف أن مرافقة أطفاله إلى الأسواق قبيل أذان المغرب تعيد إليه مشاهد طفولته في الأزقة القديمة، معتبرًا أن هذه التفاصيل تسهم في ربط الأجيال ببعضها وإحياء ذاكرة المكان عامًا بعد عام.
محمد قمري، بائع في محل حلويات بحي الجميلية، قال ل، إن التحضيرات للشهر تبدأ قبل أسبوع تقريبًا، من خلال فرز أفضل أنواع الفستق الحلبي والجوز وتحضير “المعروك” و”غزل البنات” بعناية.
ويبلغ الإقبال ذروته قبيل أذان المغرب بنحو نصف ساعة، حيث تمتلئ المحال بالعائلات، وهذا الضغط، رغم صعوبته، يمنح العاملين شعورًا بالمشاركة في فرحة الأهالي، بحسب محمد.
محمود دالاتي، صاحب “بسطة” للعصائر الرمضانية بحي صلاح الدين، تحدث عن تجهيز صناديق “العرقسوس” و”التمر الهندي”، إذ يبدأ منذ ساعات الصباح الأولى، مشيرًا إلى أهمية خلط المكونات بدقة لضمان أفضل مذاق.
الإقبال على “البسطة” يزداد بشكل كبير قبيل أذان المغرب، فيما تتجول العائلات بين “البسطات” لاختيار العصير المفضل للأطفال والكبار على حد سواء، بحسب محمود، مؤكدًا أن هذا المشهد يعكس بهجة رمضان المستمرة عبر السنوات.
روابط اجتماعية
في اللاذقية، تنتشر في رمضان عادة استهلاك “الخرنوب”، وهو عصير طبيعي شعبي يعتمد على نقع قطع “الخروب” المجففة، ويستهلك خلال الإفطار ويُصنع منه عصير يروي الصائمين.
سعيد جود أحد سكان حي الشيخ ضاهر، قال إن رمضان في اللاذقية لا يقتصر على الصيام وتناول الوجبات فقط، بل يشكل مناسبة اجتماعية متكاملة تعكس الروابط بين سكان المدينة.
وأضاف أن المسلمين والمسيحيين، على حد سواء، يشاركون في إعداد موائد الإفطار وشراء الحلويات الرمضانية التقليدية مثل “المعروك” و”العرقسوس” و”التمر الهندي”.
هذه الممارسات لا تعكس مجرد طقوس يومية، بل هي جزء من ذاكرة المدينة وهويتها المحلية، حيث تتيح الفرصة للأهالي للتلاقي وتبادل الأجواء الرمضانية بين الجيران والأصدقاء، فتزداد الألفة والتواصل الاجتماعي مع اقتراب أذان المغرب.
الغربة والحنين إلى الأسواق
بالنسبة لكثير من السوريين المغتربين، يكون رمضان تجربة مختلفة تمامًا عن الواقع في المدن السورية، بعيدًا عن الأسواق المزدحمة و”البسطات” والحركة اليومية، حيث تصبح الطقوس الرمضانية أقل حيوية، ما يجعلهم يشعرون بالحنين إلى المدن والطرقات التي عرفوها منذ الصغر.
محمد قلعجي من سكان مدينة حلب، وعاش تجربة الغربة في السودان، أوضح أن بهجة رمضان في سوريا تختلف عن تجربته في الخارج.
وقال إن رمضان في السودان يتضمن موائد إفطار أمام البيوت وبعض العادات المشابهة لما يعرفه السوريون، لكنه لفت إلى أن الحركة والازدحام في أسواق دمشق أو حلب قبل أذان المغرب، و”البسطات” المملوءة بالحلويات والعصائر، والناس الذين يختارون احتياجاتهم بسرعة، كلها أمور لا يمكن العثور عليها في أي مكان آخر.
الأجواء في الخارج أكثر هدوءًا بينما في سوريا ينبض كل شيء بالحياة، ويعكس روح رمضان بكل تفاصيله.
مناسبة ثقافية واجتماعية
رمضان في سوريا ليس موسمًا للصيام والعبادة فقط، بل مناسبة ثقافية واجتماعية تتجاوز الانتماءات الدينية، فحتى المسيحيون في مناطق يغلب عليها الطابع الإسلامي يشاركون بفاعلية في بعض تقاليد الإفطار، ويحرصون على شراء الحلويات المحلية وتجهيز الموائد بجانب الجيران المسلمين.
ماريا حنا، من حي العزيزية بحلب، قالت إن رمضان يشكل مناسبة اجتماعية جامعة تتجاوز الطابع الديني، موضحة خلال حديثها ل أن كثيرًا من العائلات المسيحية تشارك جيرانها أجواء الشهر من خلال شراء الحلويات الرمضانية وتبادل الأطباق.
هذه المشاركة تعكس الترابط بين مكونات المدينة المختلفة، وتعزز الهوية المحلية المشتركة بين الأهالي.
الأسواق السورية، بكل بساطتها وفوضويتها، تعكس سوريا الحقيقية، “البسطات” المكتظة وصنوف الأطعمة وأصوات الأطفال، ولحظات اللقاء العابرة بين الناس والحلويات، من “الناعم” في دمشق إلى “المعروك” في حلب أو “الخرنوب” في اللاذقية، هي أكبر من مجرد طعام أو شراب، وإنما قصص كل محافظة وعبق كل بيت وذاكرة كل مدينة.
Related
المصدر: عنب بلدي
