البتراء، المدينة المنحوتة في الصخور الوردية، تعد واحدة من أعظم المواقع الأثرية في العالم وكنزاً وطنياً للأردن. تقع في قلب جبال مأدبا قرب وادي موسى جنوب غرب العاصمة عمّان، وتتميز بمعالم مذهلة منحوتة مباشرة في الوجوه الصخرية وبشبكة طرق وأنفاق ومقابر ومعابد تعكس حضارات متعاقبة ومهارة هندسية عالية. 

 

1. النشأة والتأسيس من هم البناؤون؟

يرتبط تأسيس البتراء بشعب الأنباط، وهم قبائل عربية رحلت من شمال الجزيرة العربية واستقرت في هذه المنطقة خلال الألفية الأولى قبل الميلاد. ازدهرت البتراء بشكل خاص بين القرنين الرابع قبل الميلاد والثاني الميلادي. أما أول ذكر واضح للأنباط فموجود في النقوش الآشورية واليونانية، لكن المدينة وصلت إلى ذروة ازدهارها في القرن الأول قبل الميلاد وحتى القرن الأول بعد الميلاد.

الأنباط طوروا مجتمعاً حضرياً يُمكن تسميته بمدينة دولة؛ اعتمدوا على التجارة الإقليمية (طريق اللبان والبخور والحرير والتوابل) وكانوا وسطاء بين الجنوب العربي والشام وشرق البحر المتوسط. سيطرت البتراء على طرق تجارية استراتيجية، ما أتاح لها جمع الثروات وبناء منشآت فخمة.

2. الموقع الطبيعي والدفاعي

موقع البتراء في وادٍ محاط بجبال وعرة جعلها محصنة بطبيعتها. المدخل الضيق المعروف باسم “السيق” ممر صخري طوله حوالي 1.2 كم وارتفاع جدرانه يصل إلى 80 متراً في بعض المواضع — كان نقطة تحكم دفاعية وأيضاً بمثابة رحلة بصرية تخطف الأنفاس قبل الوصول إلى القلب المعماري للمدينة. هذا التضاريس سمح لأهل البتراء بالتحكم في الدخول والخروج ومنع الهجمات المفاجئة.

3. العمارة المنحوتة والهندسة المائية

العمارة الصخرية: أسلوب البتراء الأكثر شهرة هو النحت المباشر في الطبقات الصخرية الرملية، ما أدّى إلى مشاهد واجهات عمودية مزخرفة تعكس أنماط فنّية متنوعة (نبطية، يونانيةرومانية، مصرية، تأثيرات سورية وبيزنطية). أشهر هذه الواجهات “الخزنة” (AlKhazneh) والتي غالباً ما تُصوّر بوصفها ضريحاً أو مقبرة ملكية، وتتميز بواجهة إيونية مزخرفة بتماثيل وأنصاف أعمدة وتيجان.

نظم المياه: رغم موقعها الصحراوي، طوّر الأنباط منظومة معقدة لإدارة المياه شملت خزانات تحت الأرض، قنوات محفورة، سدود صغيرة، وأنابيب من الفخار لنقل المياه وتخزينها. هذه التقنية مكنتهم من تخزين مياه الأمطار والسيول، وتأمين مصدر دائم للرّي والاستخدام اليومي، مما أتاح للمدينة أن تنمو وتستوعب سكاناً وأزواجاً تجارياً.

النحت الداخلي: إلى جانب الواجهات، حفرت البتراء مئات المقابر ذات حجرات وغرف، والمعابد والقاعات الكبيرة والمسرح الروماني ذي سعة تقارب 34 آلاف متفرج، مما يعكس تطوراً عمرانياً ملحوظاً.

 

4. المعالم الأثرية البارزة

الخزنة (AlKhazneh): واجهة مشهورة للغاية، تعود غالباً إلى القرن الأول الميلادي، وتعتبر أيقونة البتراء.

القبر الملكي الكبير (قصر الخزنة) ومجموعة مقابر الملوك والنبلاء التي تنتشر على المنحدرات.

المسرح الروماني: منحوت جزئياً من الصخر وسعته تدل على وجود حياة اجتماعية وثقافية نشطة.

الدير (AdDeir): مبنى هائل شبيه بالخزنة لكن أكبر حجماً، يقع على ارتفاع يتطلب تسلق مئات الدرجات، واستخدامه ربما كان دينياً أو احتفالياً.

الترّس (AlTriclinium) والبرج والقباب: أمثلة على تنويعات معمارية في البنايات والمقابر.

السوق والمناطق السكنية والطرق المعبدة: بقايا تشير إلى أن المدينة كانت تحتوي على شبكات تجارية ومناطق معيشية متكاملة.

5. البتراء في التاريخ السياسي

طوال ازدهارها، كانت البتراء نقطة جذب للقوى الإقليمية: الأشوريون والبِرابرة والهلّينيون ومن ثم الرومان. في العام 106 ميلادي ضمّها الإمبراطور الروماني تراجان إلى الإمبراطورية الرومانية كإقليم تابع، ما أدّى لتغيّرات في الإدارة وربما انخفاض تدريجي في دورها التجاري مع تغير مسارات التجارة. لاحقاً، ومع حركة الطرق والاضطرابات في العصور الوسطى، شهدت المدينة تراجعاً واندثرت تدريجياً حتى اكتُشفت من جديد في أوائل القرن التاسع عشر على يد الرحالة السويسري يوهان لودفيغ بوركهارت سنة 1812.

6. الثقافة والهوية النبطية

الأنباط لم يكونوا تجاراً فقط، بل لهم هوية ثقافية ولغوية متميزة. اللغة النبطية (مشتقة من العربية القديمة ومكتوبة بالأبجدية الآرامية) خلّفت نصوصاً ونقوشاً ورقية وحجرية تمنح الباحثين مصدراً مهماً لدراسة لهجات ومظاهر اللغة العربية القديمة. فنون الزخرفة والديكور والهندسة المدنية لديهم تركت أثراً واضحاً في المنطقة.

7. الحماية والصيانة والتحديات المعاصرة

البتراء موقع تراث عالمي أدرجته اليونسكو عام 1985، وهي الآن أحد أهم عوامل السياحة في الأردن. لكنّ الحفاظ على الموقع يواجه تحديات كبيرة:

التعرية الطبيعية والرياح والأمطار التي تؤثر على الصخور الرملية الناعمة.

الضغط السياحي: تدفق أعداد كبيرة من الزوار يمكن أن يؤثر على البنى الهشة ويزيد من تآكل المسارات والواجهات.

التلوث والتغير المناخي: تغيّر أنماط هطول الأمطار وزيادة الفيضانات المفاجئة يمكن أن تسرّع التلف.

التطوير العمراني والسياحي غير المنضبط حول الموقع قد يهدد السياق التاريخي للمناطق المحيطة.

جهود حماية: السلطات الأردنية واليونسكو ومؤسسات بحثية دولية تعمل على مشاريع لحفظ الواجهات، تطوير البنى التحتية للسياحة المستدامة، مراقبة التعرية، وتوثيق رقمي ثلاثي الأبعاد لآثار البتراء. مشاريع إدارة المياه التاريخية تُدرس للاستفادة من تقنيات الأنباط في مواجهة شح المياه الحديث.

8. البتراء والاقتصاد المحلي

تُعد البتراء مركز جذب سياحي هام يدر عوائد كبيرة على الاقتصاد الأردني، خاصة لجنوب البلاد حيث توفر فرص عمل في السياحة والضيافة والنقل والحرف اليدوية. أما الجانب السلبي فيتمثل في اعتماد اقتصادي مفرط على السياحة وبالتالي تذبذب الدخل مع الأزمات الإقليمية أو العالمية.

9. البتراء في الثقافة العالمية والهوية الوطنية

ظهرت البتراء في أعمال أدبية وسينمائية عالمية (أبرزها فيلم “إنديانـا جونز وحملة الفجر” ومشاهد أخرى) ما عزز صورتها الأيقونية. بالنسبة للأردنيين فهي رمز وطني للتراث والتنوّع الحضاري الذي يربط الشرق الأدنى القديم بالعالم العربي الحديث.

البتراء ليست مجرد مجموعة من النقوش والواجهات الصخرية، بل هي شهادة على قدرة الإنسان على التكيّف والابتكار في بيئات قاسية، وعلى شبكة علاقات تجارية وثقافية استثنائية. حمايتها اليوم تتطلب توازناً دقيقاً بين الحفاظ على أصالتها وفتحها للعالم باعتبارها عنصراً أساسياً من هوية الأردن الاقتصادية والثقافية. المشهد الأروع في البتراء يظل ذاك الذي يجمع بين العمارة المنحوتة والبساطة الصحراوية، بين صدى الماضي وإشراق المستقبل، حيث تتجسد رحلة حضارة تكافح للحفاظ على آثارها في وجه الزمن.

المصدر: وكالة ستيب الاخبارية

شاركها.