حلب – محمد ديب بظت
مع مطلع كل شهر، تتكرر المشاهد ذاتها في شوارع مدينة حلب، فحملات البلدية تنتشر في الشوارع الرئيسة، وعربات الباعة الجوالين (البسطات) تتحرك على عجل، بعضها ينسحب إلى الشوارع الفرعية، وبعضها يختفي لساعات بانتظار انتهاء الحملة.
مشهد بات مألوفًا في مناطق مثل باب جنين والجميلية والعديد من الأحياء الشرقية، حيث يتقاطع السعي إلى فرض الانضباط في مركز المدينة مع واقع معيشي يدفع كثيرين إلى التمسك بـ”البسطات” كمصدر رزق يومي.
في منتصف الأسبوع الماضي، نظم عدد من أصحاب “البسطات” وسط مدينة حلب احتجاجات، اعتراضًا على حملات تنفذها البلدية لإزالتها، ودعوا إلى التراجع عما وصفوه بقطع أرزاقهم، مؤكدين أن هذه “البسطات” تمثل مصدر الدخل الأساسي لهم ولعائلاتهم، في ظل ظروف معيشية صعبة وغياب بدائل حقيقية للعمل.
وتبقى هذه الإشكالية قائمة بين مطالب أصحاب “البسطات” بالحفاظ على مصدر رزقهم، ومساعي البلدية إلى تنظيم وسط المدينة وضبط المشهد العام، في وقت ينتظر الطرفان حلولًا عملية تضمن الحد الأدنى من التوازن بين الحاجة الاجتماعية ومتطلبات الانضباط المدني.
فقدان مصدر الدخل
أصحاب “بسطات” في منطقة الجميلية، أوضحوا ل أن اللجوء إلى البيع عبر العربات أو “البسطات” جاء نتيجة البطالة وارتفاع تكاليف المعيشة، معتبرين أن العمل في الشارع ما هو سوى حل اضطراري لتأمين الحد الأدنى من الدخل.
أحمد عثمان، صاحب “بسطة” في حي الجميلية، قال ل، إن عمله هذا جاء نتيجة البطالة وارتفاع تكاليف المعيشة، معتبرًا أن إزالة “البسطات” تعني فقدان مصدر الدخل الوحيد لكثير من العائلات.
الباعة يضطرون مع كل حملة بلدية للانسحاب إلى الشوارع الفرعية، ثم العودة مجددًا بعد انتهاء الحملة، في مشهد يتكرر بشكل دوري دون حلول دائمة.
من جهته، قال محمد خليل، بائع آخر في المنطقة ذاتها، إن معظم أصحاب “البسطات” مستعدون للالتزام بأي تنظيم أو ضوابط تفرضها البلدية، بشرط عدم منعهم من العمل بشكل كامل.
وأضاف أن الباعة لا يعارضون التنظيم بحد ذاته، بقدر ما يعارضون الإزالة الكاملة التي وصفها بأنها تضييق على لقمة العيش في ظل غياب أسواق بديلة أو أماكن مخصصة للبيع.
بين التفهم وضرورة الانضباط
يرى عدد من سكان مناطق الجميلية والفردوس وصلاح الدين، أن انتشار “البسطات” والعربات الجوالة ينعكس سلبًا على حركة المرور والمشاة، خصوصًا في الشوارع الضيقة والمكتظة أصلًا.
وأشار بعض الأهالي إلى أن وجودها بشكل عشوائي يؤدي إلى ازدحام مروري، ويعوق وصول السيارات والمارة، فضلًا عن التأثير على المشهد العام للمدينة.
ورغم تفهم شريحة من الأهالي للظروف المعيشية الصعبة التي يمر بها أصحاب “البسطات”، فإنهم أكدوا أهمية إيجاد حلول تنظيمية توازن بين حق العمل والحفاظ على انسيابية الحركة في مركز المدينة، معتبرين أن المشكلة لا تكمن في وجود “البسطات” بحد ذاته، بل في غياب إطار واضح ينظم أماكنها وآلية عملها.
في المقابل، عبّر عدد من أهالي حي الجميلية عن تذمرهم من انتشار “البسطات” في الشوارع الرئيسة، معتبرين أنها باتت تشكّل عائقًا يوميًا أمام حركة المرور والمشاة.
قالت روان حمصي شحود، وهي من سكان منطقة الجميلية، إن المشكلة لا تتعلق بأصحاب “البسطات” كأفراد، بل بطريقة انتشارها العشوائية، مضيفة أن الأرصفة لم تعد صالحة للمشاة، وخصوصًا لكبار السن أو العائلات التي ترافق أطفالها.
واعتبرت روان، خلال حديثها ل، أن غياب التنظيم يجعل المشهد أكثر فوضوية، رغم تفهمها للظروف المعيشية الصعبة التي دفعت كثيرين للعمل في هذا المجال.
أما عبد الله مصري، من سكان حي صلاح الدين، فيرى أن وجود “البسطات” بات يؤثر على المشهد العام للمدينة، معتبرًا أن وسط حلب يحتاج إلى تنظيم يراعي كونه مركزًا حيويًا وتجاريًا في آن واحد.
الحل، برأي عبد الله، لا يكمن في المنع الكامل، بل في تخصيص أماكن واضحة ومنظمة تتيح للباعة العمل دون إعاقة الحركة أو الإضرار بحقوق السكان.
لا حل بشكل عاجل
قال مدير دائرة إعلام محافظة حلب، مأمون الخطيب، ل، إن معالجة قضية الباعة المتجولين في وسط المدينة لا يمكن أن تكون عبر حلول سريعة أو مؤقتة، مشيرًا إلى أن هذه الظاهرة تخلق أزمات متكررة في الشوارع، وتسبب ازدحامات وتراكمات تؤثر على حركة المارة والسيارات.
وأضاف أن أي محاولة لحل المشكلة بشكل عاجل لا تعتبر مجدية، معتبرًا أن الحلول الجذرية تأتي فقط ضمن خطط استراتيجية مدروسة.
وأشار الخطيب إلى أن المحافظة تعقد ورشات شبه دائمة لبحث وضع بدائل مناسبة للأسواق وتنظيم عمل الباعة، لافتًا إلى أنه على الرغم من تخصيص أماكن لـ”البسطات” في السابق، فإن الالتزام بهذه المواقع لم يكن كاملًا، ويرجع ذلك، بحسب رأي أصحاب “البسطات”، إلى عزوف المواطنين عن ارتياد هذه الأسواق، بالإضافة إلى محدودية المساحات المتاحة وسط المدينة وازدحام الشوارع.
وأوضح الخطيب أن المكتب التنفيذي في محافظة حلب عقد جلسة عمل برئاسة المحافظ، عزام الغريب، جرى خلالها بحث واقع الحملات المركزة لمتابعة المخالفات وتنظيم حركة الباعة، مؤكدًا إعادة تفعيل هذه الحملات بشكل تدريجي قبل شهر رمضان، مع التركيز على تأمين بدائل تنظيمية مناسبة لـ”البسطات” والأسواق العشوائية، لضمان التوازن بين حقوق الباعة واحتياجات سكان المدينة.
Related
المصدر: عنب بلدي
