البضائع التركية تهدم المنتج المحلي في سوريا

أثر انتشار المنتجات التركية في الأسواق السورية، بقدرة المنتج السوري على المنافسة، خاصة مع ارتفاع تكاليف الإنتاج المحلي.
وصرح المكتب الإحصائي التركي أن الصادرات التركية إلى سوريا بلغت 2.2 مليار دولار العام الماضي، في حين بلغت الواردات من سوريا 437 مليون دولار.
في حين، بلغت فقط في شهر كانون الأول 2024، 233.7 مليون دولار، أي حوالي ربع مليار دولار، كأعلى رقم خلال السنوات العشر الأخيرة على أساس شهري.
وأظهرت بيانات مجلس المصدرين الأتراك، ارتفاع الصادرات التركية إلى سوريا بنسبة 20% في كانون الأول 2024.
وقال رئيس مجلس الأعمال التركي السوري، إبراهيم فؤاد أوزجوريكجي، إن تركيا تهدف إلى وصول حجم التبادل التجاري إلى 10 مليارات دولار على المدى المتوسط.
وارتفعت صادرات المعدات التركية إلى سوريا 244% في كانون الثاني 2025، في حين زادت صادرات الإسمنت والزجاج والسيراميك 92%، وصادرات المعادن 73%، كما تجاوزت صادرات الفاكهة والخضروات بأكثر من ثلاثة أمثال.
التمييز بين المستوردات النظامية والمهربة
الصناعيون والمنتجون السوريون، اعتبروا أن “غزو” المنتجات التركية المختلفة الأسواق السورية يشكل تهديدًا مباشرًا وصريحًا للمنتج المحلي، فالمنتج التركي يتمتع بقيمة إنتاجية منخفضة مقارنة بنظيره السوري، الأمر الذي يفقد المنافسة بينهما ويحوله لخطر جسيم.
وأعلنت وزارة التجارة التركية، في 4 من شباط الحالي، أن السلطات السورية والتركية اتفقتا على بدء محادثات لإحياء اتفاقية تجارة حرة وزيادة التعاون في مجالات النقل والمقاولات والاستثمار في أنحاء سوريا.
الأستاذ في كلية الاقتصاد بجامعة دمشق، الدكتور عابد فضلية، شرح ل أن ازدياد حجم المستوردات السورية من تركيا بدأ نتيجة فتح الحدود على مصراعيها في إدلب وريف حلب، خلال السنوات الماضية، فصارت البضائع التركية البديل للبضائع السورية التي كان يتم شراؤها في دمشق وبقية المحافظات، خاصة وأن الكثير من البضائع التركية أرخص وتكاليف شحنها إلى إدلب والشمال السوري أقل.
وكذلك تدفقت البضائع التركية اليوم، بل أشد مما مضى، ولم يعد يقتصر دخولها إلى الشمال السوري، بل إلى الأراضي السورية كافة، استيرادًا بشكل نظامي أو مهرب، وتولدت الحاجة إلى البضائع التركية أكبر مما مضى، بسبب ضعف الاستيراد، ولبطء وتوقف عجلة الإنتاج الوطني، وارتفاع تكلفة مدخلاته المحلية والمستوردة.
ثلاث حالات للمنتجات التركية
بحسب الدكتور عابد فضلية، يجب التمييز بين المستوردات النظامية والمهربة، فالمستوردات النظامية، من السلع الضرورية التي لا تنتج محليًا في سوريا، هي مسألة إيجابية، أما دخول السلع التركية التي لها بديل فهذه مسألة سلبية، وتضر بالصناعات والصناعيين والمنتجات والمنتجين السوريين، ويجب أن يتم وضع ضوابط على استيراد هذا النوع من المنتجات.
أما بالنسبة للبضائع والسلع التي تدخل تهريبًا إلى سوريا، فلها فقط أثر جمركي “مالي ونوعي” سلبي بسيط نسبيًا إن كانت ضرورية ولا تنتج محليًا، بينما لها أثر سلبي مضاعف ومركب إن كانت تنتج محليًا، وفقًا له.
في حال كانت السلع “مهربة” من جهة، و”غير ضرورية جدًا” من جهة أخرى، وفي حال كانت تنتج محليًا من جهة ثالثة، فالأضرار على الاقتصاد وعلى قطاع الإنتاج والأعمال السوري “مكعبة” وشديدة التأثير السلبي، وبالتالي لا بد من تحجيم ولجم دخولها إلى سوريا بالطرق والوسائل الشرعية.
وتشهد أسواق سوريا وجود المنتجات التركية بفائض كبير، وخاصة المواد التموينية والغذائية والألبسة، إضافة إلى المكسرات والبسكويت والمنظفات والأواني الزجاجية، إذ تشهد إقبالًا من قبل الأهالي لرخص أسعارها مقارنة بالمنتج السوري.
هدم المنتجات السورية
يرى الأستاذ في كلية الاقتصاد بدرعا والباحث الاقتصادي الدكتور مجدي الجاموس، أن في هذه الظروف والبيئة الاستثمارية والإنتاجية والصناعية الحالية، لا توجد حالة إيجابية لغزو المنتج التركي الأسواق السورية، لأنها تعمل على هدم وإضعاف المنتجات السورية.
الحالة الإيجابية للمستوردات هي خلق حالة تنافسية مع المنتج المحلي، وبالتالي تحسين جودته، وإدخال التكنولوجيا لتحسينه وتطويره، وزيادة الطاقات الإنتاجية، والتوسع بعملية القدرات الإنتاجية، في حال كانت الأمور طبيعية، بحسب الجاموس، لكن اليوم المنتج السوري والصناعات السورية تعاني بشكل كبير جدًا.
أغلقت الشهر الماضي عدة شركات لعدة أسباب، أهمها البيئة الإنتاجية والاستثمارية غير المناسبة، كالقانونية أولًا وثانيًا السياسات المالية المتخذة والمستمرة منذ عهد النظام السابق، التي كان الاقتصاد السوري يعاني منها كسياسة حبس السيولة، والتي تعتبر زيادة لخنق العملة المحلية، وبالتالي عدم استقرار سعر الصرف، وأكبر مايعاني منه أي اقتصاد هو عدم استقرار سعر الصرف سواء هبوطًا أو صعودًا.
وأشار الدكتور مجدي الجاموس إلى أن المنتج السوري عانى الكثير في الشهرين الماضيين، إذ تم تجميد الأموال في إجازات الاستيراد، ولم يفرج عن هذه الأموال إلا في الأسبوع الماضي، وبالتالي تجميد هذه الكتلة النقدية الكبيرة وتغيرات سعر الصرف التي أفقدت من قيمتها بشكل رهيب.
وشرح أن ارتفاع تكلفة الإنتاج سببه أن 40% من التكلفة الإنتاجية تخصص للطاقة، وبالتالي بيئة إنتاجية سيئة بسبب وضع الطاقة سواء الكهرباء أو المنتجات النفطية، وأيضًا تحرير سعر الطاقة الإنتاجية بالنسبة للصناعيين، ما أدى لارتفاع سعر المنتج المحلي.
إغلاق لصناعات محلية
ويعتقد الدكتور مجدي الجاموس، في حديث إلى، أن غزو المنتجات التركية أثر بشكل ملحوظ على المنتجات المحلية، لأن تكلفة الإنتاج بتركيا منخفضة جدًا مقارنة بتكلفة الإنتاج السوري، وتوقع أن الغزو هذا سيسهم بالأشهر المقبلة بإغلاق العديد من الصناعات المحلية، والتي تعتبر أساس بناء الاقتصاد، كالمواد الغذائية والمنظفات والبسكويت وما شابه.
وأجرى الرئيس السوري للمرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، زيارة رسمية إلى تركيا استجابة لدعوة نظيره رجب طيب أردوغان، في 4 من شباط الحالي.
وقال رئيس دائرة الاتصالات في الرئاسة التركية، فخر الدين ألتون، إن أردوغان والشرع بحثا أحدث المستجدات في سوريا والإجراءات المشتركة المحتملة لإعادة بناء الاقتصاد السوري.
مطالب إسعافية
مهتمون بالشأن الاقتصادي في سوريا طالبوا بإيجاد حلول تسعف واقع المنتج الوطني وتقديم له سبل التطوير والحماية، لدوران عجلة الإنتاج المحلي وتحريك الصناعة السورية، ما يسهم بإنعاش الاقتصاد السوري الذي بدأ يحتضر.
وتضمنت المطالب قيام وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية بدورها الفعال لتحسين الاقتصاد السوري، وإعداد الخطط والبرامج الاقتصادية المسعفة، وعدم التكتم عن السياسات الاقتصادية المتبعة، وأيضًا بضبط اقتصاد السوق الحر، وبوضع الرسوم الجمركية على المنتجات الأجنبية لتحسين واقع الاستيراد والتصدير.
وفي هذا السياق، يرى الدكتور عابد فضلية أن وزارة الاقتصاد “لا حول لها ولا قوة” بالنسبة للبضائع المهربة، باعتبار أن مكافحة التهريب من مهام الجهات الجمركية، وبالنسبة للبضائع المستوردة نظاميًا، فلا عمل لها، كون الاستيراد مسموح ومفتوح لكل شيء من جميع دول العالم بقرار من الحكومة، ولكن هذا لا يعني الاستسلام.
واعتبر أنه من واجب وزارة الاقتصاد ووزارات أخرى كوزارة الصناعة، ومنظمات أخرى كغرف الصناعة والتجارة والاتحادات الحرفية، أن تبذل كل ما تستطيع لتقديم ما يلزم للحكومة من دراسات ومذكرات وحجج، تبين فيها الآثار السلبية لفوضى التهريب والاستيراد النظامي العشوائي، على القطاع الإنتاجي والتجاري السوري، للوصول إلى إجراءات وتشريعات عقلانية تقرها الحكومة.
سياسات تتضارب مع السياسات المالية
أما الدكتور مجدي الجاموس، طالب بحماية المنتج المحلي، ووضع رسوم على المستوردات من تركيا ومن الدول الأخرى بحيث ترفع الرسوم قيمة المنتج، ويكون هناك حماية للمنتج السوري، فالنقطة الأولى التي يتوجب على الدولة القيام بها هي حماية المنتج المحلي ودعمه، لأنه أساس الاقتصاد الوطني.
والنقطة الثانية لتحسين الميزان التجاري، العمل بشكل حثيث وسريع لتهيئة البيئة الاستثمارية للاستثمار بالطاقة وبالطرق، والتخلص من السياسات النقدية التي أثبتت فشلها في عهد النظام السابق ومازالت تطبق حتى اليوم، فيجب دعم المستثمرين لتوليد حالة من الطاقة الإنتاجية ليكون الاقتصاد الوطني قادرًا على زيادة الصادرات وتخفيض المستوردات، وبالتالي تخفيف عجز الميزان التجاري، وفق الدكتور الجاموس.
لا يمكن الاستثمار بهذا الوضع، بحسب الدكتور الجاموس، وبالتالي يتوجب تحفيز المغتربين والمستثمرين الخارجيين بعد توفير البيئة الاستثمارية والبنية التحتية، وأيضًا تحفيز المنتج المحلي عبر تقديم تسهيلات سواء تسهيلات بيروقراطية بالتشريعات والقوانين، أو بالقطاع المالي، فيجب على المستوردين الحصول على قروض بنكية.
وأضاف أن سياسة البنك المركزي وغيره من البنوك كأنها “شرطي” على المستورد، وهذا يعيق عملية استيراد المواد الأولية اللازمة للإنتاج، وخسائر المنتجين المحليين بالفترة السابقة خسائر فادحة يراعى تعويضها، بمعنى البحث عن سبل المحافظة على وجود المنتج المحلي، وتحفيزه للبقاء والعمل على زيادة الإنتاجية مقابل غزو المنتجات التركية والخارجية.
وحول عمل وزارة الاقتصاد، أوضح أنها تعمل بسياسات تتضارب مع السياسات المالية ومع سياسات البنك المركزي، وهذا التضارب يجعلها غير قادرة على التدخل، والأولى قبل أن تتدخل لحماية المنتج السوري من نظيره الأجنبي، أن تتدخل لتحقيق نوع ما من استقرار سعر الصرف وعملية الدعم للمستوردين السوريين للمواد الأولية.
رسوم جمركية على الواردات الأجنبية
صرحت وزارة التجارة التركية، في 11 شباط الحالي، إلغاءها قيودًا كانت قد فرضتها على سوريا خلال عهد النظام السابق، لتصبح الحركة التجارية مع سوريا طبيعية.
وأفادت صحيفة “ديلي صباح” ووكالة “الأناضول” بأن الحكومة السورية قررت خفض الرسوم الجمركية على 269 منتجًا تركيا، وذلك بعد مشاورات بين وزارتي التجارة التركية والسورية.
بدوره، رجح الدكتور مجدي الجاموس إعلان تركيا رفعها الرسوم الجمركية عن المنتجات التركية لسوريا وبالعكس، بأنها تدرك أن المنتجات السورية غير منافسة لمنتجها التركي، لأن تكاليفها الإنتاجية مرتفعة كثيرًا، وبالتالي المنتجات التركية ستغزو الأسواق المحلية، ولذلك يتوجب من وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية أن تتدخل لوضع رسوم جمركية على الواردات لحماية منتجها المحلي.
المطلوب من وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية، بحسب الدكتور الجاموس:
- تسهيل عمليات استيراد المواد الأولية اللازمة للإنتاج بقوانين وأسعار واضحتين.
- وضع رسوم جمركية للمنتجات الأجنبية.
واعتبر خبراء اقتصاديون قابلتهم أن رفع الرسوم الجمركية على البضائع الأجنبية سيؤثر على اقتصاد السوق الحر، فيجب تحديد الرسوم الجمركية على المستوردات، بما يضمن استمرار المنافسة بالجودة والسعر بين المنتج الوطني والمستوردات الأجنبية وبشكل دقيق ومدروس.
وكشفت الهيئة العامة للمنافذ السورية، رفع تركيا القيود المفروضة على تصدير البضائع والمنتجات السورية.
وأعلنت حكومة دمشق المؤقتة إحداث هيئة عامة للمنافذ الحدودية البرية والبحرية، وإلحاق الجمارك والمراكز الحدودية ومؤسسة المناطق الحرة بها، على أن تتمتع بالاستقلالية الإدارية والمادية، وترتبط بشكل مباشر برئاسة مجلس الوزراء.
وحاولت التواصل مع وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية، للحصول على رد رسمي حول قراءتها لقيمة الصادرات التركية، وعملها لتحسين قيمة الصادرات وتقليل المستوردات، وخطتها في المرحلة القادمة، ولكن لم تحصل على الرد حتى لحظة نشر التقرير.
دعم الصناعات السورية
يلزم دعم الصناعة السورية ورصد المعيقات التي تعترضها وتحد من إنعاشها، والتي بدورها إذا استمر واقعها المزري ستكون عواقبها ضخمة على الحالة المعيشية التي ستحدثها إثر إغلاق الشركات والمعامل، وبالتالي توسع رقعة البطالة، وبعدها تدني واقع الاقتصاد.
ورسم الدكتور مجدي الجاموس عدة نقاط لدعم الصناعات السورية، وفق الشكل الآتي:
النقطة الأولى: الاستثمار في البنية التحتية.
والنقطة الثانية: استقرار سعر الصرف.
أما الثالثة: البدء بتقديم التسهيلات الائتمانية والمالية.
والرابعة: تحفيز المستثمر الأجنبي أو السوري المغترب.
بينما الخامسة: إدخال التكنولوجيا لتحسين الطاقة الإنتاجية.
أخيرًا: تسويق المنتج المحلي.
دعوة لتشكيل وزارة الاستثمار
ويعتقد الدكتور جاموس في ختام حديثه أنه لتحسين الصناعات السورية، لابد من تشكيل وزارة استثمار، فلبناء اقتصاد وطني وبنظام السوق الحر، لا بد من جهة عنوانها الأساسي تحسين الوضع الاستثماري بسوريا.
كما دعا إلى ضرورة استغلال موجودات القطاع العام (الضئيل وفي حده الأدنى)، وتحقيق تعاون بينه وبين الخاص لتخفيف تكلفة الإنتاج، وإقامة شراكات استراتيجية بين القطاعين لدعم الصناعات السورية، وتطبيق فرض رسوم على البضائع والمنتجات الأجنبية لحماية الصناعة المحلية.
الأستاذ في كلية الاقتصاد بجامعة دمشق، الدكتور عابد فضلية، اعتبر أنه لدعم المنتج المحلي يتوجب تقوية الإنتاج كمًا وتحسينه نوعًا، وتخفيض تكلفته وخاصة الصناعات التصديرية وصناعات بدائل المستوردات.
ولكن هذا ليس سهلًا في الفترة الحالية بطبيعتها، والتي لا تحكمها الاستراتيجيات والسياسات الاقتصادية المناسبة، وباعتبار أن سوريا تمر بمرحلة استثنائية، أو بمخاض الانتقال من الاقتصاد المقيد إلى اقتصاد السوق الحر، متأملًا: ألا يكون اقتصاد السوق الحر منفلتًا.
حسب تصريحات سابقة لوزارة الاقتصاد السورية، فإن حجم الصادرات السورية تجاوز 500 مليون يورو في الأشهر الستة الأولى من عام 2024.
وفي تقرير سابق نشره، اعتبر الخبراء الاقتصاديون أن التوجه إلى اقتصاد السوق الحر لا يتطلب إزالة القيود الحكومية فقط، بل بيئة متكاملة تحمي المنافسة، والإعفاءات الضريبية للإنتاج المحلي قد تساعد على تحريك الأسواق، لكنها في غياب خطة واضحة قد تتحول إلى عبء مالي على الدولة.
ودعوا إلى تطبيق اقتصاد موجه ولو بشكل بسيط من قبل الحكومة، وخصوصًا في ظل انخفاض الدخول الحالية.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية
أرسل/أرسلي تصحيحًا
مرتبط
المصدر: عنب بلدي