دعا الجيش السوري، الجمعة، المدنيين إلى الابتعاد عن مواقع في دير حافر بحلب، متهماً حلفاء قوات سوريا الديمقراطية (قسد) باتخاذها منطلقاً لعملياتهم وقواعد لإطلاق المسيرات.

ونقلت وكالة الأنباء السورية (سانا) عن هيئة عمليات الجيش السوري قولها: “نهيب بأهلنا المدنيين الابتعاد عن هذا الموقع الذي تتخذه ميليشيات PKK الإرهابية وفلول النظام البائد حلفاء تنظيم قسد، منطلقاً لعملياتها الإرهابية تجاه حلب وريفها الشرقي”.

وكررت البيان نفسه مرفقا بخرائط لأربعة مواقع مختلفة في حلب، فيما تتأهب القوات السورية لمهاجمة بلدات في شمال شرق سوريا، التي تسيطر عليها قوات سوريا الدميقراطية (قسد)، وسط محادثات وصلت إلى طريق مسدود مع الحكومة في دمشق.

وقال مسؤول عسكري كبير مشارك في التخطيط لـ”رويترز” إن ما يصل إلى خمس فرق من الجيش السوري، ربما تشارك في هجوم يستهدف بلدات يسيطر عليها الأكراد في محافظة حلب، ومحافظة دير الزور الصحراوية الشاسعة في الشرق.

وأوضح المسؤول أنه “إذا لم تفلح هذه الخطة في إعادة الطرفين إلى طاولة المفاوضات، فإن الجيش السوري يدرس شن حملة واسعة النطاق قد تؤدي إلى فقدان الأكراد للمنطقة شبه المستقلة التي يديرونها منذ أكثر من عقد”. 

وانتشرت وحدات من الجيش السوري، الأربعاء والخميس، في بلدة دير حافر والقرى المحيطة بها غربي نهر الفرات، وهي مناطق تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية، القوة الكردية الرئيسية التي تحظى بدعم أميركي منذ سنوات في قتالها ضد تنظيم “داعش”.

وأمر الجيش السوري مقاتلي “قسد” بالانسحاب إلى شرقي النهر، وفتح ممر إنساني يتيح للمدنيين الخروج إلى الأراضي التي تسيطر عليها الحكومة.

وقال بعض السكان الذين تمكنوا من الخروج لـ”رويترز” إنهم “اضطروا إلى الفرار سيراً على الأقدام عبر الأراضي الزراعية، بعد إغلاق الطريق الرئيسي”. ونفت قوات سوريا الديمقراطية منعها المدنيين من المغادرة.

وذكر اثنان من قادة الجيش السوري أنه “جرى إرسال قوات سورية أخرى سراً إلى خط جبهة آخر في محافظة دير الزور، حيث يدير الأكراد حقول نفط رئيسية تقول دمشق إنها “يجب أن تكون تحت سيطرة الدولة المركزية”.

“مواجهة عسكرية”

ونددت قوات سوريا الديمقراطية بهذه التعزيزات، وقال عبد الكريم عمر ممثل الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا التي يقودها الأكراد إنهم “يعارضون بشدة أي مواجهة عسكرية؛ بسبب مخاطرها الجسيمة”، وأضاف في تصريحات لـ”رويترز” أن “جهوداً تبذل بمساعدة وسطاء أجانب لإحياء المفاوضات”.

وقال ثلاثة دبلوماسيين ومسؤول في قوات سوريا الديمقراطية لـ”رويترز”، شريطة عدم نشر أسمائهم، إن واشنطن لم تعارض صراحة قيام القوات السورية بعملية محدودة، لكن المسؤول في قوات سوريا الديمقراطية، قال إن “الولايات المتحدة لا تفعل ما يكفي لمنع وقوع صدام”.

وذكر المبعوث الأميركي توم برّاك، الجمعة، أن واشنطن “على اتصال وثيق بكل الأطراف في سوريا، وتعمل على مدار الساعة لتهدئة التوتر، ومنع التصعيد والعودة إلى محادثات الدمج بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية”.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية إن “على الطرفين تجنب الزج بالبلاد مرة أخرى في دوامة من العنف”.

وتسلط هذه الرسائل الضوء على جهود واشنطن لإعادة تقييم سياستها في سوريا عن طريق الموازنة بين الدعم الذي قدمته لقوات سوريا الديمقراطية على مدى سنوات وبين الدعم الجديد للشرع الذي قاد قوات معارضة أطاحت بالرئيس السوري بشار الأسد في أواخر عام 2024.

واتهم الشرع قوات سوريا الديمقراطية بعرقلة السياسة الأميركية الرامية إلى دعم إعادة توحيد سوريا، وبتلقي أوامر من حزب العمال الكردستاني، وهو فصيل انفصالي خاض تمرداً لفترة طويلة في تركيا قبل أن يدخل في عملية سلام مع أنقرة.

وقال الشرع في حديث للتلفزيون الرسمي إن “قوات سوريا الديمقراطية لم تتخذ أي خطوات عملية لتنفيذ اتفاق الدمج الذي تم التوصل إليه العام الماضي، لكنه عبر عن أمله في أن يتم تنفيذه بهدوء”.

وقال مسؤول سوري ومصدر آخر مطلع على القنوات الدبلوماسية إن الولايات المتحدة التي تسعى لترسيخ السلام في سوريا دعماً للاستقرار في الشرق الأوسط على نطاق أوسع ومنع أي عودة لمسلحي تنظيم “داعش”، حثت الجانبين على تجنب المواجهة والعودة إلى طاولة المفاوضات.

وخاض الجانبان محادثات امتدت شهوراً العام الماضي، لدمج الهيئات العسكرية والمدنية، التي يديرها الأكراد في مؤسسات الدولة السورية بحلول نهاية عام 2025.

وأكد الطرفان مراراً رغبتهما في حل الخلافات دبلوماسياً، ولكن بعد انقضاء الموعد النهائي دون إحراز تقدم يذكر. والأسبوع الماضي، اندلعت اشتباكات في مدينة حلب، انتهت بانسحاب المقاتلين الأكراد.

“ملف خروج المدنيين”

وتأتي التطورات المتسارعة في منطقة دير حافر بريف حلب الشرقي، في ظل تبادل الاتهامات بين إدارة المنطقة وهيئة العمليات في الجيش السوري من جهة، وقوات سوريا الديمقراطية من جهة أخرى، على خلفية ملف “خروج المدنيين، والتصعيد الميداني في المنطقة”.

وقالت إدارة منطقة دير حافر إن هيئة العمليات في الجيش السوري، مدّدت الفترة المحددة لخروج المدنيين من المدينة ومحيطها، إلا أن تنظيم “قسد” ما يزال يمنع الأهالي من الخروج عبر الممر الإنساني الآمن في قرية حميمة.

وأفادت وكالة “سانا” بأن عناصر من تنظيم “قسد” يمنعون المدنيين من استخدام الممر الإنساني في قرية حميمة، ويجبرونهم على العودة عبر إطلاق الرصاص، وذلك بالقرب من قرية الحرمل في منطقة دير حافر.

في المقابل، أشارت إدارة منطقة دير حافر إلى استمرار خروج المدنيين عبر طرق فرعية غير آمنة باتجاه مناطق سيطرة الدولة السورية، نتيجة مواصلة منعهم من العبور عبر الممر الإنساني الذي أعلنت عنه هيئة العمليات في الجيش السوري، مؤكدة تسجيل خروج أكثر من 4 آلاف مدني حتى الآن من مخرج واحد فقط. 

ولفتت إلى أن مكتب الشؤون الاجتماعية يعمل على تسجيل بيانات الوافدين وتوجيههم إلى مراكز الإيواء المخصصة، وتأمين احتياجاتهم الأساسية.

“دعوات إلى الانشقاق” 

وفي سياق متصل، دعت هيئة العمليات في الجيش السوري الأفراد السوريين المنضوين ضمن تنظيم “قسد”، من كرد وعرب، إلى الانشقاق وترك التنظيم، والتوجه إلى أقرب نقطة تابعة للجيش السوري.

وأكدت الهيئة في تصريحات لـ”سانا” أن “الوطن يرحب بهم في أي وقت ومكان، مشددة على أن الخلاف قائم مع جماعات PKK، وفلول النظام البائد، بحسب وصفها.

بدوره، قال مصدر عسكري لـ”سانا” إنه “تم إسقاط طائرة مسيّرة أثناء محاولتها استهداف نقاط الجيش العربي السوري على محور دير حافر”. 

كما أعلنت إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الدفاع انشقاق ستة عناصر من تنظيم “قسد” على جبهة دير حافر، عقب نشر بيان الانشقاق، مشيرة إلى تأمينهم فوراً من قبل جنود الجيش.

وأضافت أن الوزارة تتلقى العديد من طلبات الانشقاق ضمن المنطقة المحددة مسبقاً، ويتم العمل على تأمينه.

وفي تطور أمني آخر، أعلنت إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الدفاع، إلقاء القبض على أحد عناصر استخبارات في “قسد” أثناء محاولته الخروج مع المدنيين من منطقة دير حافر، بهدف تنفيذ عمليات إرهابية، على حد وصفها.

في المقابل، نفت قوات سوريا الديمقراطية هذه الاتهامات، مؤكدة في بيان لها أن “الدعوات الصادرة عن وزارة الدفاع في دمشق لاستهداف مقاتليها تمثل محاولات يائسة لزرع الفتنة بين مكونات المنطقة”.

وشددت على أن قواتها، التي تضم مقاتلين من الكرد والعرب والسريان وسائر المكونات، تشكل قوة وطنية موحدة، وأن وحدتها أقوى من أي دعوات تحريض.

وأكدت “قسد” أن محاولات شق الصف لن تغيّر من الواقع شيئاً، وأنها وأهالي شمال وشرق سوريا سيبقون صفاً واحداً في مواجهة الإرهاب. كما نفت بشكل قاطع إسقاط أي طائرة مسيّرة تابعة لها على محور دير حافر، مؤكدة أن الطائرة المشار إليها لا تعود لها بأي شكل من الأشكال.

“إظهار حسن النية”

وكان وزير الخارجية التركي هاكان فيدان قد ذكر، الخميس، أن على قوات سوريا الديمقراطية، إظهار حسن النية بمغادرة منطقة دير حافر بدلاً من طردها بهجوم عسكري.

وأضاف: “أتمنى ألا يصل الأمر إلى هذا الحد، لكن عندما لا تحل المشكلات بالحوار، أرى من هنا للأسف أن استخدام القوة خيار مطروح أيضاً أمام الحكومة السورية”.

وقال مسؤولون عسكريون سوريون واثنان من زعماء العشائر إنه “إذا امتد القتال إلى دير الزور، فقد يستقطب العشائر العربية المحلية التي تشكو من التهميش، والتجنيد القسري لأبنائها في قوات سوريا الديمقراطية”.

وذكر شايش الملحم، أحد زعماء عشيرة الجبور، أن “العشيرة تنتظر أوامر الشرع لمواجهة قوات سوريا الديمقراطية”، مضيفاً” أن قوات سوريا الديمقراطية محكوم عليها بالزوال، إذ لا يمكن أن تكون هناك دولة داخل دولة، ولا يمكن أن يكون هناك فصيل على الأرض السورية ضد الدولة”.

شاركها.