– أمير حقوق

تشهد سوريا تحركات متسارعة لإعادة تنشيط قطاع الطاقة في ظل التحديات الاقتصادية وضغوط تراجع الإمدادات، حيث تتجه الحكومة إلى زيادة الاستثمار في إنتاج الغاز الطبيعي بوصفه أحد أهم مصادر توليد الكهرباء ودعم النشاط الصناعي.

وفي هذا الإطار، كشفت وزارة الطاقة عن خطط طموحة لمضاعفة الإنتاج خلال العام الحالي، في محاولة لتقليص الفجوة بين العرض والطلب وتعزيز الاعتماد على الموارد المحلية.

وقال وزير الطاقة السوري، محمد البشير، في 14 من كانون الأول 2025، إن سوريا تتوقع ارتفاع إنتاجها من الغاز الطبيعي إلى 15 مليون متر مكعب يوميًا بحلول نهاية العام 2026، مقارنة بنحو سبعة ملايين متر مكعب حاليًا.

مدير الاتصال المؤسساتي في الشركة السورية للبترول (SPC)، صفوان شيخ أحمد، قال ل، إن الإنتاج الحالي يبلغ 7.6 مليون متر مكعب من الغاز السوري يوميًا، إضافة إلى ثلاثة ملايين متر مكعب أخرى لتغطية كامل الاحتياج اليومي.

رهان اقتصادي

الرقم المتوقع يفتح الباب أمام قراءة اقتصادية لمدى واقعية الزيادة المطروحة في إنتاج الغاز، وانعكاساتها المحتملة على سوق الطاقة والاقتصاد المحلي، خاصة وسط التحديات الاستثمارية والفنية التي تحيط بالقطاع، وتساؤلات إذا ما كانت هذه الزيادة كفيلة بإحداث فارق ملموس في توازن العرض والطلب خلال السنوات المقبلة.

هذا الرقم يعكس رهانًا اقتصاديًا مهمًا على تقليص فجوة الطاقة التي تُثقل كاهل الكهرباء والصناعة والمالية العامة، بحسب ما قاله الباحث الاقتصادي محمد السلوم.

وأضاف الباحث، في حديث إلى، أن قطاع الغاز يعاني إرثًا ثقيلًا من الحرب والعقوبات، شمل تضرر الحقول في وسط سوريا، وشبكات النقل ومحطات المعالجة، ما أدى إلى تراجع الإنتاج والاعتماد على بدائل أعلى تكلفة وأقل كفاءة.

هذا الخلل لم يبقَ تقنيًا فحسب، بل تحول، بحسب تعبيره، إلى عامل ضاغط على سعر الصرف والتضخم ومستوى معيشة الأسر.

الزيادة المستهدفة لا تقوم أساسًا على اكتشافات جديدة، بل على إعادة تأهيل الحقول القائمة، وفي مقدمتها حقل “أبو رباح”، إلى جانب تحسين كفاءة الشبكات، بحسب الباحث الاقتصادي محمد السلوم.

في هذا الإطار، طُرحت مذكرات تفاهم مع شركات خارجية، من بينها “دانا غاز” الإماراتية، في مرحلة لا تزال محصورة بالتقييم الفني والدراسة، دون استثمارات إنتاجية مؤكدة حتى الآن.

وقد بدأت الشركة السورية للبترول عمليات حفر بئر للغاز في منطقة التواني بريف دمشق، في 28 من كانون الأول 2025.

مدير الاتصال المؤسساتي في الشركة السورية للبترول (SPC)، صفوان شيخ أحمد، قال ل، إن البئر تقع ضمن أحد “البلوكات” شمال دمشق بمنطقة التواني، موضحًا أنها من الآبار المكتشفة سابقًا.

وتشير التوقعات إلى إنتاج البئر كميات تقدّر بنحو 200 ألف متر مكعب من الغاز يوميًا.

وبيّن شيخ أحمد، في حديثه إلى، أن الورشات والفنيين والمهندسين العاملين في شركة “SPC”، ضمن قطاع السورية للاستكشاف، قاموا بتأهيل حفارة البئر وصيانتها، وهي حفارة أمريكية الصنع تحمل اسم “National”، وذلك بجهود وكوادر محلية.

من عمليات حفر بئر غاز في ريف دمشق - 28 كانون الأول 2025 (سانا)

من عمليات حفر بئر غاز في ريف دمشق – 28 كانون الأول 2025 (سانا)

انخفاض بإنتاج الغاز نحو 75%

أما الخبير الاقتصادي الدكتور علي محمد، فشرح ل بالأرقام أن سوريا كانت تنتج في عام 2011 نحو تسعة مليارات متر مكعب من الغاز سنويًا، أي ما يعادل تقريبًا 24 إلى 25 مليون متر مكعب يوميًا.

بالمقابل، يبلغ الإنتاج الحالي نسبة لا تتجاوز سبعة ملايين متر مكعب يوميًا، أي ما يعادل نحو 2.5 مليار متر مكعب سنويًا، ما يعني أن الانخفاض في إنتاج الغاز السوري بلغ نحو 72 إلى 75% مقارنة بمستويات عام 2011.

وهذا الإنتاج لا يكفي لتغطية الاحتياجات المحلية، بحسب الخبير علي محمد، الأمر الذي دفع الحكومة السورية إلى الاعتماد بشكل كبير على الاستيراد لتلبية الطلب الداخلي، وللتوجه للبدء بتوقيع مذكرات تفاهم واتفاقيات مع شركات عالمية، بهدف تحسين واقع قطاع النفط والغاز والعمل على رفع مستويات الإنتاج.

التقديرات الحكومية تشير إلى إمكانية تحقيق زيادة في إنتاج الغاز تصل إلى نحو 50% بنهاية العام الحالي، خاصة مع وجود اتفاقيات أخرى قيد البحث أو التوقيع مع شركات عالمية، أضاف الخبير.

كما أشار إلى التعاقد مع أربع شركات سعودية مؤهلة وذات خبرة واسعة في مجالات الحفر والإنتاج وتطوير آبار النفط والغاز.

ومن بين هذه الشركات “أديس القابضة”، التي يتركز دورها على تطوير إنتاج النفط، و”الحفر العربية” المعنية بعمليات الاستكشاف الجديدة وحفر آبار النفط والغاز، إلى جانب شركتين أخريين تعملان على تطوير الحقول ورفع مستويات الإنتاج.

الهدف الأساسي من هذه الاتفاقيات، بحسب الخبير علي محمد، يتمثل في زيادة الإنتاج السوري من النفط والغاز، لافتًا إلى وجود توقعات تشير إلى إمكانية زيادة إنتاج الغاز بمقدار أربعة إلى خمسة ملايين متر مكعب يوميًا مع بدء عمل هذه الشركات، خاصة في ظل تنوع اختصاصاتها وتكامل أدوارها.

انعكاس على تكلفة الإنتاج الصناعي

يمثل قطاع الغاز أحد العناصر الحيوية في البنية التحتية للطاقة في سوريا، ويشكل محركًا أساسيًا للنمو الاقتصادي وتطوير الصناعات المختلفة، ومع توقعات زيادة الإنتاج، يرجح خبراء الاقتصاد أنه سينعكس إيجابًا على قطاعات الاقتصاد السوري.

وهنا، أشار الباحث الاقتصادي محمد السلوم إلى أن نجاح هذه الخطة قد يخفف فاتورة استيراد الوقود لمحطات الكهرباء، ويقلل استنزاف العملة الصعبة، وينعكس على تكلفة الإنتاج الصناعي والخدمي.

ويرى أن المستفيد الأول نظريًا هو قطاع الكهرباء، ثم الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، فيما ينتظر المواطن الأثر الأكثر بساطة ووضوحًا، ساعات إنارة أطول، ومولدات أقل تكلفة وضجيجًا.

الغاز السوري قد يكون مدخلًا لتخفيف بعض الضغوط الاقتصادية، لكن معيار النجاح لن يكون حجم الوعود، بل ما إذا كانت هذه الأرقام ستُترجم إلى تحسن ملموس في الكهرباء والأسعار، أم ستبقى اختبارًا جديدًا للفجوة بين الخطط والواقع، أضاف السلوم.

الدكتور علي محمد توقع أن الشراكات في مجالات النفط والغاز والكهرباء والطاقة المتجددة في سوريا، تبشر بمرحلة جديدة من الاستثمار وإعادة الإعمار بهدف إعادة تأهيل القطاع ورفع مستويات الإنتاج.

أمريكا تستكشف

وقعت الشركة السورية للبترول مذكرة تفاهم مع كل من شركة “كونوكو فيليبس” وشركة “نوفاتيرا” الأمريكيتين، لتطوير واستكشاف حقول الغاز في سوريا، في 18 من تشرين الثاني 2025.

وذكرت وزرة الطاقة حينها أن المذكرة تنص على تطوير عدد من حقول الغاز القائمة، إضافة إلى إطلاق برامج استكشاف لحقول جديدة وفق أحدث المعايير الفنية والتقنية، بما يعزز قدرات الإنتاج الوطني ويدعم أمن الطاقة في سوريا.

وقال الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول، يوسف قبلاوي، إنه بموجب مذكرة التفاهم، من المتوقع أن يرتفع إنتاج الغاز بمقدار أربعة إلى خمسة ملايين متر مكعب يوميًا خلال عام.

وقد سبقها إعلان شركة “دانة غاز” عن توقيع مذكرة تفاهم مع الشركة السورية للبترول لاستكشاف الإمكانات المتاحة لإعادة تطوير وتوسعة عدة حقول للغاز الطبيعي تنتشر وسط سوريا، في 12 من تشرين الثاني 2025.

وتشمل الاتفاقية، التي نشرتها الشركة، حقل غاز “أبو رباح”، الذي يعد أحد أكبر الاكتشافات الغازية في سوريا، إلى جانب مجموعة من الحقول الأخرى التابعة للشركة السورية للبترول.

وهدفت المذكرة إلى إجراء تقييم فني شامل للحقول المدرجة ضمن الاتفاق، تمهيدًا لاقتراح خطة تطوير متكاملة ترفع من حجم الإنتاج المحلي من الغاز، وذلك في حال نجاح التقييم والتوصل إلى اتفاق نهائي بشأن تنفيذ المشروع.

المصدر: عنب بلدي

شاركها.