في شارع هادئ بضاحية مانشستر المهملة، ترفرف لافتات حزبي الإصلاح البريطاني والخضر على المنازل، وهو مظهر كان إلى وقت قريب أمراً غريباً في هذه المنطقة التي تُعتبر معقلًا لحزب العمال.

ولكن مع اقتراب الانتخابات الفرعية في جورتون ودينتون في 26 فبراير، بات ذلك يُسلط الضوء على تراجع شعبية حكومة كير ستارمر العمالية، وصعود حظوظ المنافسين الشعبويين من اليمين واليسار، بحسب “بلومبرغ”.

وقالت ميليسا، البالغة 34 عاماً، والتي تسكن في منزل رفعت عليه لافتة لحزب الإصلاح، إنها وجارتها – وهي صديقة لها رغم اختلاف توجهاتهما السياسية – كتبتا إلى نائبهما السابق عن حزب العمال للشكوى من التدهور في المنطقة، لكنهما لم تتلقيا أي رد.

وأضافت لـ”بلوملرغ”: “ربما تفكرون: إنها ليست منطقة جميلة.. لكن هل تعرفون أنها لم تكن هكذا من قبل؟”، مشيرة إلى أن هذا الإهمال دفع كلتيهما إلى رفض حزب العمال، وأضافت: “لقد انضمت إلى حزب الخضر، وانضممتُ إلى حزب الإصلاح”.

ويُجسّد سكان جورتون الانقسام السياسي في بريطانيا وسط خيبة أمل من احتكار حزبي العمال والمحافظين للسلطة الذي دام قرناً من الزمان.

وعلى الصعيد الوطني، حصلت 5 أحزاب على نسب تصويت تتجاوز 10%، ويتصدر حزب الإصلاح بزعامة نايجل فاراج القائمة. 

“تهديد وجودي لستارمر”

وتُعدّ هذه الانتخابات الفرعية أول فرصة تُتاح للناخبين منذ عام 2024 لاختيار ممثل جديد في مجلس العموم.

وقد تُشكّل نتيجة سيئة لحزب العمال تهديداً وجودياً لستارمر، الذي كادت رئاسته للوزراء أن تنتهي هذا الشهر بسبب خطأه بتعيين بيتر ماندلسون سفيراً لبريطانيا لدى الولايات المتحدة في أواخر عام 2024، على الرغم من صلاته المعروفة بالممول الراحل جيفري إبستين، المتهم بقضايا جنسية.

ويبدو أن انتخابات مانشستر ستشهد منافسة ثلاثية بين حزب العمال والمتمردين من اليمين واليسار، وذلك على الرغم من فوز مرشح العمال أندرو جوين بأكثر من 50% من الأصوات وأغلبية 37 نقطة في الانتخابات العامة قبل 19 شهراً.

ويلوح في الأفق خطرٌ أكبر في مايو، حيث يُتوقع أن يحقق حزب العمال نتائج سيئة في الانتخابات المحلية والإقليمية، بما في ذلك انتخابات البرلمانات في ويلز واسكتلندا.

ولا تُساعد الظروف المحيطة بالانتخابات الفرعية في تحسين الوضع. فقد تنحى جوين الشهر الماضي لأسباب صحية، بعد طرده من حزب العمال قبل عام إثر تسريب رسائل “واتساب” كشفت عن إدلائه بتصريحات مُسيئة بحق أحد ناخبيه المسنين. 

وتُعد جورتون أكثر اكتظاظاً بالسكان وأكثر تنوعاً عرقياً من دينتون، إذ يشكل المسلمون 40% من سكانها، وهو ما لا يُناسب حزباً يتبنى خطاباً قوياً مُناهضاً للهجرة.

وبينما ينفي حزب الإصلاح اتهامات العنصرية، اضطر في الأشهر الأخيرة إلى اتخاذ إجراءات تأديبية أو طرد عدد من أعضاء المجالس المحلية في مناطق أخرى بسبب تصريحاتهم التحريضية.

“تصريحات تحريضية”

وصرّح مرشحهم في جورتون، مات جودوين، بأن “ملايين المسلمين البريطانيين” يحملون آراء “تتعارض جوهرياً مع القيم البريطانية”.

ويُعتبر جودوين، وهو من الجنوب ودرس في مانشستر، ويبلغ من العمر 44 عاماً، شخصية مثيرة للجدل.

وشكك الأكاديمي الذي تحول إلى شخصية إعلامية في السنوات الأخيرة في ما إذا كانت الجنسية وحدها تجعل الشخص “بريطانياً”، وأعرب عن تأييده لفرض ضرائب على الأشخاص الذين يختارون عدم إنجاب أطفال.

وفي جورتون، بدا أن السكان لا يعرفون عنه الكثير، فقد انسحب من مناظرة انتخابية، الثلاثاء، بدعوى مخاوف من تحيز المنظم.

كما انسحب من مقابلة مع “بلومبرغ”، الأربعاء، مُعللاً ذلك بتضارب المواعيد، قبل أن يسمح بإجرائها عندما زارت الوكالة مقر حملة حزب الإصلاح ووجدته أمام جهاز كمبيوتر.

وبالنسبة لجودوين، الذي كان يرتدي ملابس أنيقة، يهدف التصويت إلى ترسيخ فكرة أن حزب الإصلاح صوت احتجاجي ضد حزب العمال، حيث قال: “شعاري، أو رسالتي، أو أياً كان، هو: ‘صوّتوا لمات جودوين، وأطيحوا بستارمر، وضعوا جورتون ودينتون في المقام الأول’ – وهذا هو الترتيب الصحيح”.

حزب الخضر

وقد رشّح حزب الخضر هانا سبنسر، وهي سبّاكة وعضوة مجلس محلي تبلغ من العمر 34 عاماً، كمرشحة له.

وتسعى سبنسر إلى استعادة الثقة في السياسة من خلال معالجة القضايا المحلية مثل النقل والإسكان.

كما تحاول استقطاب ناخبي حزب الإصلاح المحتملين، مدركةً المخاوف بشأن المهاجرين الذين يصلون بالقوارب من فرنسا ويقيمون في الفنادق، قائلةً إنها تريد إنهاء ذلك لأنه مكلف وغير إنساني.

وقالت سبنسر، التي كانت ترتدي سترة حمراء مزينة بدبوس على شكل قلب يحمل رمز فلسطين، وهي تستعد للظهور في مسجد محلي: “الناس متفاجئون بعض الشيء بوجود خيار آخر ذي مصداقية يختلف عن حزبي العمال والإصلاح، لا يمكنك تغيير العالم بأربعة نواب، لكن يمكنك التأثير في الأمور”.

ولم يحقق حزب الخضر نفس النجاح الذي حققه حزب الإصلاح على المستوى الوطني، والذي تصدّر استطلاعات الرأي لعشرة أشهر وجمع تبرعات ضخمة.

ويتجلى هذا التفاوت بوضوح في مقري حملتي الحزبين، فمقر حزب الإصلاح يقع بمستودع واسع في دينتون، مزود بإضاءة ساطعة ومجموعة من أجهزة الكمبيوتر.

في المقابل، يعمل حزب الخضر من مبنى صغير كان سابقاً وكالة عقارية على طريق رئيسي، بجدران مطلية بشكل غير متقن، وغرف مكتظة بالصناديق، وحشد من المتطوعين من جميع الأعمار.

وبينما كانوا يُعدّون المنشورات مساءً، وصل أحد أعضاء الحملة ومعه طبق من الطعام المنزلي.

“وضع لا يُحسد عليه”

استخفت مرشحة حزب العمال، أنجليكي ستوجيا، بتهديد حزب الخضر، ساعيةً إلى تصوير الانتخابات على أنها منافسة مباشرة بين حزبها وحزب الإصلاح.

وبصفتها عضوة في المجلس المحلي منذ عام 2012، أعربت عن قلقها من أن وحدة مانشستر “في خطر”.

وقالت ستوجيا إن حزب الإصلاح يريد “الصراخ من بعيد، وتقديم حلول سريعة”، لكن تعهدها بالتركيز على خفض تكلفة المعيشة، بالإضافة إلى معالجة القضايا المحلية مثل إلقاء النفايات بشكل غير قانوني، لا يكفي البعض.

ويقول بيلو جافيد، الذي يدير متجر ملابس في سوق لونجسايت في جورتون، إن ارتفاع تكاليف الأعمال التجارية وزيادة مستويات الهجرة قد صرفاه عن حزب العمال. وأضاف: “كل شيء يرتفع باستمرار”، مشيراً إلى أنه قد يصوت لحزب الخضر.

ووصفت ماري ليفيسي، 78 عاماً، وهي ناخبة لحزب العمال طوال حياتها، ستارمر بأنه “في وضع لا يُحسد عليه”، وهي تخطط لعدم المشاركة في الانتخابات، رغم أنها لم تغب عن أي انتخابات في السابق.

وغالباً ما يستخدم البريطانيون الانتخابات الفرعية لمعاقبة الحكومات الحالية، ويبدو أن التصويت في جورتون ودينتون سيتبع هذا النمط.

وتشير احتمالات المراهنات التي جمعها موقع Oddschecker إلى أن حزب الخضر سيتفوق على حزب الإصلاح، بينما سيحل حزب العمال في المركز الثالث.

وتشير استطلاعات الرأي التي أجرتها Find Out Now إلى فوز حزب الإصلاح بنسبة 36%، مقابل 33% لحزب العمال و21% لحزب الخضر.

كما تتوقع مؤسسة “إلكترال كالكولوس” فوز حزب الإصلاح أيضاً.

وقالت المؤسسة، الجمعة، في آخر تحديث لها لاستطلاعات الرأي: “من الصعب التنبؤ بالفائز، إذ تتوقع استطلاعات الرأي ومواقع المراهنات فائزين مختلفين.. هناك خطر حقيقي من أن يتعرض حزب العمال لضغوط من كلا الجانبين”.

شاركها.