خالد المطلق
لعل أبرز السمات التي حكمت المشهد السياسي السوري لعقود هي ظاهرة اختزال الدولة في طائفة حاكمة أو نخبة أمنية محددة، هذه الظاهرة لا تقتصر على آل الأسد فحسب، بل تبدو أنها تتجدد في كل عملية انتقال أو تحول جذري للسلطة، وسينطلق التحليل هنا من مقارنة بين حقبة حكم الأسد الأب والابن، والحقبة المحتملة تحت قيادة أحمد الشرع، مع التركيز على مفهوم تأليه السلطة وتأثيره على تغييب المرجعيات الدينية والاجتماعية.
منذ وصول حافظ الأسد إلى السلطة، شُكّلت الدولة السورية الحديثة على أسس بعيدة عن مفهوم المواطنة المتساوية أو التمثيل الشامل من خلال الركيزة الطائفية والهيكل الأمني، حيث اعتمدت عائلة الأسد بشكل رئيس على الطائفة العلوية كعمود فقري للنظام خاصة في المناصب الحساسة داخل الأجهزة الأمنية والمؤسسة العسكرية (الحرس الجمهوري والفرق الخاصة)، ولم يكن هذا الاختزال طائفيًا بشكل مطلق، إذ تم استقطاب شخصيات سنية أو مسيحية أو درزية في الواجهة السياسية والخدمية، لكن نواة اتخاذ القرار بقيت محصورة بيد نخبة علوية ضيقة من العائلة والمقربين، وكان الهدف هو ضمان الولاء المطلق للنظام أولًا وقبل كل شيء، حيث أصبحت الطائفة المذكورة هي الضامن والمستفيد الأكبر من بقاء النظام، وأيضًا من خلال تأليه السلطة وتغييب الدين، إذ إنه في حكم الأسد تم ترسيخ مبدأ أن “السلطة هي الدولة وهي مكان الرب”، وهذه العبارة تلخص جوهر النظام الشمولي، حيث تحول الولاء للقائد إلى ما يشبه العقيدة الدنيوية، إذ أصبحت مؤسسات الدولة وخاصة حزب “البعث” هي المرجعية العليا والوحيدة، نتج عن ذلك تغييب ممنهج لدور رجال الدين (سواء العلويين أو السنة) كمرجعيات اجتماعية مستقلة، وتم تحويل المؤسسات الدينية إلى أداة في خدمة السلطة تُستخدم لإصدار الفتاوى المؤيدة أو لتوجيه الخطاب العام لا كمصدر مستقل للقوة المعنوية أو الإرشاد الاجتماعي، وفي هذا السياق لم تكن هناك مكان لمرجعية دينية مستقلة تنافس سلطة الزعيم أو تحاسب الدولة الأمر الذي فكك جزءًا كبيرًا من النسيج الاجتماعي المستقل عن الدولة.
مع سقوط نظام الأسد وصعود أحمد الشرع (زعيم “هيئة تحرير الشام”) يبرز تساؤل مهم حول ما إذا كان المشهد سيتكرر ولكن بهوية طائفية معكوسة من خلال ترحيل النخبة والركيزة الطائفية الجديدة، ومن الواضح أن حكم الشرع يعتمد على حكم الأيديولوجيا والبيئة التي نشأ فيها بشكل كبير على الطائفة السنية ليس فقط كأغلبية سكانية بل كقاعدة صلبة للقوة والأمن، وسيكون هناك احتمال لإحلال نخبة جديدة ربما من داخل التنظيم أو من الفصائل المقربة والتي ستكون سنية بالضرورة لتحل محل النخبة العلوية في مفاصل الدولة الجديدة، ويُخشى أن يتحول هذا “التمكين” إلى “اختزال للدولة” في مصالح وقواعد هذه الطائفة وتهميش أو إقصاء أبناء السنة المعتدلين والمكونات الأخرى (كالعلويين، والدروز، والمسيحيين، والإسماعيلية) مما يعيد إنتاج دورة الصراع والهيمنة، وأيضًا من خلال إعادة تعريف العلاقة بين السلطة والدين وعلى النقيض من النظام العلماني الشمولي للأسد، من الواضح أن حكم الشرع يسعى إلى إقامة نموذج تكون فيه السلطة “شرعية” إسلاميًا، لكن الخطر هنا يكمن في إمكانية أن تتحول هذه “الشرعية الدينية” أيضًا إلى أداة لتأليه السلطة حيث يصبح الحاكم هو “ولي الأمر” الذي لا يُنازع وتصبح قراراته ملزمة دينيًا ودنيويًا، وبدلًا من تغييب رجال الدين قد يتم استيعابهم وإخضاعهم لخدمة السلطة السياسية، تصبح المرجعية الدينية التي تخدم الحاكم هي المرجعية الوحيدة المسموح بها بينما يتم تغييب رجال الدين المستقلين أو المعارضين كمرجعيات اجتماعية حقيقية.
في كلا النموذجين (الأسد والشرع) يصبح الهدف المشترك هو منع ظهور مرجعية اجتماعية مستقلة (سواء كانت دينية أو مدنية) يمكن أن تشكل قوة موازية أو تراقب سلطة الدولة.
خلاصة القول، إن المقارنة بين النموذجين تُظهر أن المشكلة الأساسية في بناء الدولة السورية لم تكن مجرد هوية الطائفة الحاكمة (علوية أو سنية) بل في مفهوم الدولة ذاته، دولة تعتبر السلطة فوق القانون والمواطنة وتصر على اختزالها في فئة ضيقة تتحكم بالقرار والأمن، وسواء تم اختزال الدولة في نخبة علوية أمنية تفرض علمانية قسرية أو في نخبة سنية إسلامية تفرض شرعية دينية مغلقة فإن النتيجة واحدة، وهي تغييب المواطنة المتساوية وتأليه السلطة وتفكيك القوى الاجتماعية المستقلة (بما في ذلك المرجعيات الدينية) لمنعها من أن تكون رقيبًا أو شريكًا في بناء المجتمع والدولة، والتحدي الحقيقي لسوريا المستقبل هو الخروج من دائرة اختزال الدولة بالطائفة وبناء عقد اجتماعي جديد يفصل بوضوح بين الدولة والمواطنين والمرجعيات المستقلة.
Related
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى
المصدر: عنب بلدي
