تكرس الإمارات مكانتها العالمية مركزا نابضا للذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة حيث تحولت الدولة بفضل رؤية استشرافية إلى قوة جاذبة للاستثمارات والشراكات الدولية الكبرى فقد نجحت في صياغة نموذج فريد يجمع بين السياسات الحكومية الداعمة والاستثمارات الضخمة في البنية التحتية الرقمية والشراكات الاستراتيجية مع عمالقة التكنولوجيا العالمية لتصبح بذلك محورا إقليميا وعالميا لا غنى عنه في سباق التطور التكنولوجي.
التحول الاستراتيجي نحو اقتصاد المعرفة
تتجه الإمارات بخطى ثابتة نحو تنويع اقتصادها والتحول إلى اقتصاد معرفي مستدام وتضع الذكاء الاصطناعي في صلب هذه الاستراتيجية الطموحة إذ تسعى لبناء مستقبل أقل اعتمادا على النفط وأكثر ارتكازا على الابتكار والتقنيات الحديثة وقد تجلى هذا الالتزام من خلال إطلاق استراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي 2031 كإطار وطني شامل يوجه الجهود نحو تبني هذه التقنيات في جميع القطاعات وقد أثمر هذا التوجه عن ثقة كبيرة من قادة الأعمال حيث أعرب 91 بالمئة من الرؤساء التنفيذيين في الإمارات عن ثقتهم في النمو الاقتصادي للدولة وهو من أعلى المستويات عالميا
الدعم الحكومي والسياسات المحفزة
تمثل البيئة التنظيمية والدعم الحكومي حجر الزاوية في نجاح تجربة الإمارات إذ توفر الدولة منظومة متكاملة من الحوافز والتشريعات المرنة التي تجذب الشركات العالمية والمستثمرين ومن أبرز هذه المبادرات إطلاق مبادرة الجيل التالي من الاستثمارات الأجنبية NEXTGEN FDI والتي تهدف إلى جذب أكثر من 300 شركة رقمية عالمية واستقطاب استثمارات تقارب 500 مليون دولار وتوفر المبادرة حزمة شاملة من التسهيلات تشمل تسريع التأسيس والإجراءات والتراخيص وإصدار التأشيرات والإقامة الذهبية كما تحظى الشركات الناشئة بدعم كبير عبر برامج مثل مسرعات دبي المستقبل ومركز دبي التكنولوجي لريادة الأعمال وصندوق محمد بن راشد للابتكار وقد عبر 100 بالمئة من المشاركين في استبيان للبيان عن وجود دعم حكومي قوي وفعال لشركات التكنولوجيا في الإمارات.
الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية الرقمية
لا تدخر الإمارات جهدا في بناء بنية تحتية رقمية عالمية المستوى لتكون أساسا صلبا لجذب الاستثمارات وتشير التقديرات إلى أن حجم سوق مراكز البيانات في الدولة سيصل إلى 33 مليار دولار بحلول عام 2030 وتستضيف الإمارات اليوم أكثر من 35 مركز بيانات متقدما وتسجل أعلى معدل إنفاق على الحوسبة السحابية لكل موظف في منطقة الخليج ويعد مشروع ستارغيت Stargate أحد أضخم المشاريع العالمية في هذا المجال وهو عبارة عن حرم تقني للذكاء الاصطناعي بالشراكة مع شركة OpenAI ستبلغ سعته الإجمالية 5 جيجاوات ليصبح بذلك أكبر بنية تحتية للذكاء الاصطناعي خارج الولايات المتحدة وقد حصلت شركة مايكروسوفت على تراخيص لتصدير أكثر من 60 ألف رقاقة ذكاء اصطناعي متطورة من إنتاج إنفيديا إلى مراكز بياناتها في الإمارات كجزء من استثمارها البالغ 152 مليار دولار في البنية التحتية التكنولوجية للدولة.
الشراكات الدولية الاستراتيجية مع عمالقة التكنولوجيا
تمثل الشراكات مع الشركات التقنية العالمية الركيزة الثالثة في استراتيجية الإمارات حيث نسجت الدولة تحالفات عميقة مع أهم الأسماء في القطاع وقد أعلنت مايكروسوفت عن استثمارها الضخم البالغ 152 مليار دولار في الإمارات لتوسيع بنيتها التحتية السحابية ومراكز البيانات المتقدمة وتتعاون الإمارات مع مجموعة واسعة من الشركات العالمية مثل OpenAI وأوراكل وإنفيديا وسيسكو وسوفت بنك في مشروع ستارغيت كما تتعاون مع جوجل وأمازون ويب سيرفيس في مشاريع أخرى وتمتد هذه الشراكات إلى مجالات البحث والتطوير حيث أطلقت جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي مختبرا بحثيا في وادي السيليكون وليس ذلك فحسب بل التزمت الإمارات باستثمار 14 تريليون دولار في قطاعي الطاقة والذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة كجزء من اتفاقية تعاون تكنولوجي وطاقي أوسع
تأثير الذكاء الاصطناعي على الاقتصاد
يولد التركيز على الذكاء الاصطناعي تأثيرا اقتصاديا ملموسا وجاذبية متزايدة للسوق الإماراتي حيث من المتوقع أن يساهم الذكاء الاصطناعي بإضافة 170 مليار دولار إلى اقتصاد الإمارات بحلول عام 2030 وتشير التوقعات إلى أن الإيرادات الناتجة عن تبني الذكاء الاصطناعي قد تتجاوز 96 مليار دولار في الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2031 وقد حققت الشركات العاملة في الإمارات أداء ماليا قويا حيث بلغ متوسط نمو الإيرادات 13 بالمئة خلال السنة المالية الحالية مقابل 8 بالمئة عالميا ويعكس نضج السوق المحلي ثقة المستثمرين حيث يرى 98 بالمئة من المشاركين في استبيان البيان أن السوق الإماراتي متسع جدا لدخول شركات تكنولوجيا جديدة في بيئة تنافسية مفتوحة
النفوذ الناعم والمكانة الجيوسياسية
يتعدى اهتمام الإمارات بالذكاء الاصطناعي الجانب الاقتصادي البحت ليصبح أداة لتعزيز النفوذ الناعم والمكانة الجيوسياسية حيث تسعى الدولة لتقديم نفسها كصوت رائد في الحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي وكمصدر بديل للحلول التكنولوجية وقد طور معهد الابتكار التكنولوجي في أبوظبي نموذج Falcon AI ويقدمه مجانا كبديل للبرمجيات الغربية المدفوعة كما طور نموذج Falcon Arabic الذي يعد من أفضل النماذج الأداء في المنطقة للغة العربية ومن خلال إقامة تحالفات مع القوى المتنافسة مثل الولايات المتحدة والصين تسعى الإمارات لتعزيز مكانتها كطرف لا غنى عنه في المعادلة التكنولوجية العالمية.
تبدو آفاق المستقبل واعدة لدولة الإمارات في ظل الزخم الكبير الذي تشهده حيث تتجه الدولة لتعزيز مكانتها كمركز إقليمي وعالمي للأعمال القائمة على الذكاء الاصطناعي كما ستعمل على تعميق تبني الذكاء الاصطناعي في الصناعات التقليدية لدعم الاقتصاد غير النفطي وسيستمر الاستثمار المالي والدبلوماسي في العلاقات مع الولايات المتحدة لترسيخ مكانة الإمارات كاقتصاد حديث ومرن.
المصدر: وكالة ستيب الاخبارية
