تعمل الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، في مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد المخلوع، على إعادة بناء منظومتها الرقابية وتوسيع أدواتها القانونية والإدارية، في محاولة لمعالجة إرث طويل من الفساد الممنهج، وتعزيز الثقة المحلية والدولية بمؤسسات الدولة، وسط تحديات كبيرة تتعلق بضعف الكوادر، وتشابك الصلاحيات، وتراجع ترتيب سوريا في مؤشرات الشفافية العالمية.

وفي تشرين الأول 2025، بحث ممثلون عن البنك الدولي في دمشق مع الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش والجهاز المركزي للرقابة المالية ووزارة المالية وثيقة مشروع إصلاح المالية العامة، وذلك في إطار التعاون المشترك لتعزيز كفاءة إدارة المال العام وتطوير نظم الرقابة والحوكمة المالية في سوريا.

وتم خلال الاجتماع تناول الجوانب المتعلقة بتعزيز الشفافية المالية، وتطوير آليات الرقابة الداخلية والخارجية، ودعم القدرات المؤسسية للأجهزة الرقابية، بما يسهم في الاستخدام الأمثل للموارد العامة وتحسين كفاءة إدارة المال العام.

شركة قانونية خاصة دولية

كشف مصدر مسؤول في الهيئة في حديث ل عن سلسلة إجراءات تنظيمية وقانونية وتقنية، شملت إحداث إدارات جديدة، وتفعيل مكاتب نوعية، وإطلاق منصات رقمية، بالتوازي مع تنسيق موسّع مع وزارات وأجهزة رقابية وقضائية، في مسعى لتكريس العمل الرقابي بوصفه أداة محاسبة فعلية لا شكلية.

قال المصدر المسؤول إن الهيئة المركزية قامت بطرح عدد من أسماء المقربين من النظام المخلوع ورأس النظام نفسه في جلساتها ومباحثاتها مع العديد من الدول في زيارات العمل الخارجية، لاسترجاع الأموال والأصول المنهوبة من قبل رأس النظام البائد بشار الأسد والمقربين منه أمثال رامي مخلوف وأسماء الأسد.

وكشف عن وجود تنسيق وتعاون مع شركة قانونية خاصة دولية، لمتابعة الأصول السورية المنهوبة في دول العالم، (دون أن يفصح عن ماهية الأصول “العينية والعقارية” التي يتم ملاحقتها).

وتتخذ الهيئة أيضا “خطوات قانونية وسياسية لاستعادة الأموال المنهوبة في الخارج”، وأضاف المصدر إن أغلب القضايا التي نعمل عليها رقابية وتفتيشية وتحقيقية ويتم اتخاذ قرارات بموجبها سواء بكف اليد أو إنهاء التكليف أو الحجز الاحتياطي ومنع السفر وإحالة للقضاء.

وذكر أن هناك تحقيقات جزائية أمام القضاء المختص بناء على قضايا محقق بها في الهيئة في جرائم الاختلاس وهدر المال العام واساءة الائتمان، وغالبية التنسيق من قبل الهيئة يكون مع وزارات العدل والداخلية والمالية والجهاز المركزي للرقابة المالية الذي يشارك مع الهيئة في بعض الأعمال الرقابية.

 

النصف الأول من عام 2025 شهد تسجيل الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، نحو 1400 قضية فساد، أُحيل منها ما يقارب 200 قضية إلى القضاء، وما بين 1350 و1400 شخص متورط إلى الجهات القضائية المختصة، وتثبيت مبالغ مالية تُقدّر بنحو 350 مليار ليرة سورية قيد التحصيل، وتحصيل أكثر من 100 مليار ليرة سورية أُودعت في الخزينة العامة للدولة.

عامر العلي

رئيس الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش في تصريح صحفي

سوريا في المرتبة 177 بمكافحة الفساد

يأتي تصنيف سوريا في المؤشر الدولي لمدركات الفساد لعام 2024 (مكافحة الفساد) بالمرتبة 177 من أصل 180 دولة في العالم، مما يضعها ضمن الدول الأكثر فساداً في العالم، وتأتي بعد الصومال وفنزويلا وجنوب السودان، وهو ما يعكس تدهوراً مستمراً في مكافحة الفساد بالقطاع العام السوري.

وعزا المصدر هذه المرتبة المتخلفة عن دول العالم في مكافحة الفساد إلى الواقع الرقابي الهش زمن النظام البائد، وتهربه من الالتزامات الدولية، مؤكدا أن الهيئة تسعى جاهدة لتحسين مرتبة سوريا في مكافحة الفساد عبر تعزيز معايير الشفافية والنزاهة، ولا سيما أن هذا الأمر يؤدي إلى عزوف المستثمرين عن الاستثمار في سوريا.

وأضاف إن “المستثمر عندما يرى مستوى الفساد العالي في سوريا سيحجم عن الاستثمار فيها”.

 

نسعى لتبني المعايير الدولية لمكافحة الفساد ولتحسين تصنيف سوريا على مؤشر الشفافية”

المهندس عامر العلي

رئيس الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش في لقاء مع قناة “الإخبارية”

إدارات رقابية وداعمة بالهيئة المركزية

قال المصدر إنه تم إحداث 29 إدارة في الهيئة تغطي الجهات العامة والخاصة والمشتركة التي تدقق الهيئة في أعمالها، وكل إدارة تتألف من 15 إلى عشرين من المفتشين والقانونيين والإداريين، وتنتهي التقارير التفتيشية، باتخاذ جملة من القرارات أو التوصية بها بالتعاون مع الجهات العامة المعنية.

وهناك 10 مديريات داعمة في الهيئة لعمل الادارات التفتيشية الرقابية، وفقا للمصدر، كما تم إحداث مكاتب نوعية في الهيئة مثل مكتب معالجة الكسب غير المشروع ومكتب مكافحة غسيل الأموال ومكتب استرداد الأصول المنهوبة.

 

اللجنة الوطنية لمكافحة الكسب غير المشروع في سوريا، تعمل على تحقيق العدالة عبر تطبيق مبدأ “لا أحد فوق القانون”، لتكون أداة حاسمة في استرداد الأموال المنهوبة ومحاسبة كل من أساء استغلال السلطة”.

باسل سويدان

رئيس اللجنة الوطنية لمكافحة الكسب غير المشروع في تصريح صحفي

“أتمتة” الشكاوى ومكتب لحماية الشهود

تعمل الهيئة على أتمتة العمل الرقابي لإلغاء الاعتماد على الورقيات بشكل نهائي والاعتماد على التواقيع الإلكترونية، وأنشأت مديرية التحول الرقمي في الهيئة وتم استقدام الكفاءات إليها من الخارج.

وأكد المصدر أنه سيتم الوصول في مرحلة ما إلى عدم الاعتماد نهائيا على الأوراق في القضايا والبريد، باستثناء الأوراق في المراسلات بين رئيس الهيئة والجهات العامة فقط.

وتم إنشاء منصة في الهيئة لاستقبال الشكاوى والبلاغات مع الحفاظ على سرية اسم المشتكي أو المبلغ، أو تقديم شكوى بدون الافصاح عن الاسم، فالمشتكي يمتلك الخيار، وسيتم إطلاق تطبيق إلكتروني للشكاوى في نهاية الشهر الجاري، لاستخدامه عبر الجوال، بعد استكمال فريق العمل الذي سيتلقى الشكاوى ويتولى تدقيقها وإحالتها إلى الإدارات المعنية بالهيئة.

وبالنسبة للموظفين الذين يقدمون شكاوى حول ممارسات في الجهات التي يعملون بها فإن الهيئة ملتزمة بحمايتهم وظيفيا وأمنيا وذلك من خلال مكتب تم إحداثه بالهيئة اسمه مكتب حماية المبلغين والشهود، ولن يتمكن مدير هذا الموظف من نقله أو معاقبته أو المساس به.

نشر الوعي الرقابي وسرية الجولات التفتيشية

الهيئة تقوم بنشر الوعي الرقابي بين الموظفين والمواطنين من خلال ورشات عمل تنفذها بالمحافظات بمشاركة المحافظين والأعضاء المنتخبين في مجلس الشعب والإعلاميين والوجهاء والمجالس المحلية والمواطنين.

وشدد المصدر على أن جميع السوريين مدعوون إلى عدم تقديم أي رشوى لأي موظف حكومي، والإبلاغ عن أي حالات ابتزاز يتعرضون لها.

وهناك سرية كاملة في الجولات التفتيشية، يضيف المصدر، حيث يتم إخبار المفتش المركزي في كل إدارة بموعد ومكان العملية التفتيشية قبل يومين من حدوثها ويحظر عليه إبلاغ أي عضو في الادارة بذلك.

وعندما يحين موعد العملية يقوم الفريق التفتيشي المتكامل بزيارة الجهة المفتش فيها ويتوزع أعضاء الفريق على كامل أقسام ودوائر تلك الجهة، وبهذه الطريقة تم تحقيق نتائج مميزة جدا، وتم رؤية الواقع سواء الخدمي أو الاقتصادي كما هو بدون تجميل، مشيرا إلى أن الجولات أثبتت وجود حاجة ماسة في عدد من المؤسسات العامة للكفاءات وترميم الكوادر.

رقابة الهيئة على القطاع الخاص

وردا على سؤال، ل، حول رقابة الهيئة على القطاع الخاص أكد المصدر أن الهيئة تمتلك الحق بالرقابة بموجب صك إحداثها على القطاع الخاص في مجالي التربية والصحة وهذا يشمل المدارس والمشافي الخاصة وكان للهيئة جولة تفتيشية مفاجئة على عدد من المشافي الخاصة.

وأشار إلى أن مثل هذه الملفات ضخمة، وهي تحتاج إلى جهود كبيرة ومكثفة عندما تصل الهيئة إلى مرحلة أعلى من الاستقرار في العمل الرقابي وتنظيم الإجراءات.

الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش نفذت في أيلول الماضي، عدة جولات رقابية على مستشفيات خاصة في دمشق، تم خلالها تفقد الطوابق والأقسام الطبية كافة، وسحب عينات، والتحقق من الالتزام بالخدمات الصحية المقرّرة في تراخيص التشغيل، ومطابقة الطاقة السريرية الفعلية.

ودققت الفرق الرقابية في الهيئة في معايير السلامة الصحية بالمشافي الخاصة المذكورة، عبر مسحات جرثومية في أقسام العناية المشدّدة، والحواضن، وغرف العمليات، لرفع النتائج المخبرية والتقارير الفنية لاتخاذ الإجراءات الأصولية، بما في ذلك التنبيه والتصويب الفوري أو فرض الجزاءات عند الاقتضاء، وفقًا للقوانين والأنظمة النافذة.

تشابك وازدواجية مع “الرقابة المالية”

تتشابك الصلاحيات والاختصاصات في كل من الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش والجهاز المركزي للرقابة المالية في أكثر من محور رقابي، نظرا لغموض وتحيز بعض النصوص القانونية في صك إحداث كل من الهيئة والجهاز، زمن النظام السابق.

وكانت نشرت تقريرا، في تشرين الأول 2025، بناء على وثائق حصلت عليها حول تقرير تحقيقي صادر عن الجهاز المركزي للرقابة المالية في عام 2024، حول فساد بالمليارات في المؤسسة السورية للطيران زمن النظام السابق، وبعد سقوط النظام أعادت الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش فتح التحقيق بالقضية ذاتها، ما يعد مؤشرا على تداخل الصلاحيات الرقابية في كل من الهيئة والجهاز.

وقال المصدر إن لوسائل الاعلام دورا مهما إلى جانب الأجهزة الرقابية في مكافحة الفساد وتسليط الضوء على مواطن الخلل بالجهات العامة.

وأضاف أن هناك فعلا ازدواجية في العمل الرقابي بين الهيئة والجهاز، موضحا أنه يتم العمل على تعديل المرسوم التشريعي رقم /64/ لعام 2003، القاضي بإحداث الجهاز المركزي للرقابة المالية الذي أسس الجهاز كـ”هيئة رقابية مستقلة” ترتبط برئاسة مجلس الوزراء، بهدف تحقيق رقابة فعالة على أموال الدولة وأداء الأجهزة التنفيذية مالياً، مع صلاحيات واسعة في التحقيق في المخالفات المالية والإدارية والاقتصادية.

وحول التداخلات أكد أن النظام البائد، أخرج عددا من الصلاحيات من اختصاصات الهيئة المركزية، ومنحها للجهاز في نوع من الفساد، لمنح قضايا معينة (بذاتها) للجهاز وقضايا أخرى للهيئة.

ويتم العمل حاليا على إعداد مشروع قانون من قبل الهيئة لتعديل مرسوم إحداثها ومشروع قانون من قبل الجهاز لتعديل مرسوم إحداثه، بحيث يتولى مجلس الدولة الفصل بين سلطات وصلاحيات الهيئة والجهاز، وإنهاء حالة تكريس الفساد التي أوجدها النظام السابق.

ويؤكد المصدر أن هناك تنسيق حاليا بين الهيئة والجهاز لتقاسم القضايا التحقيقية، مع السعي للفصل التام في الاختصاصات حتى لا يكون هناك هدر للجهود الرقابية وإرهاق للمؤسسات العامة.

 

الجهاز المركزي للرقابة المالية هيئة مستقلة تتبع لرئيس الجمهورية، يمارس اختصاصاته على الوزارات والإدارات العامة والهيئات ذات الطابع الإداري، إضافة إلى الشركات والمؤسسات العامة ذات الطابع الاقتصادي، والجهات التي تتلقى إعانات من الدولة أو تسهم الدولة في رأس مالها”.

وسيم المنصور

نائب رئيس الجهاز المركزي للرقابة المالية في لقاء مع “سانا”

مكافحة الفساد خيار استراتيجي

أكد رئيس الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش السورية عامر العلي، في كلمة ألقاها، كانون الأول الماضي، أمام الدورة 11 لمؤتمر الدول الأطراف لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد الذي عقد في العاصمة القطرية الدوحة، أنّ مكافحة الفساد خيار استراتيجي لا رجعة فيه، وأساس لإعادة بناء الدولة على قواعد الحكم الرشيد وسيادة القانون في سوريا.

ونقلت الوكالة السورية للأنباء (سانا) عن العلي قوله إن الحكومة السورية الجديدة، جادة في السعي نحو إرساء منظومة متكاملة للنزاهة والشفافية والمساءلة.

وأشار العلي إلى أن الدولة السورية تسلّمت مؤسسات متهالكة، تعاني من فساد بنيوي ترسخ خلال عهد النظام البائد الذي أضعف الإدارات العامة، وهمّش معايير الكفاءة والاستحقاق، وقوّض آليات الرقابة والمساءلة، وحول الفساد من حالة فردية إلى منظومة متكاملة، أثّرت سلباً على ثقة المواطن بالمؤسسات، وتراجع موقع سوريا على مؤشرات النزاهة والشفافية الدولية.

المصدر: عنب بلدي

شاركها.