تتصاعد مناشدات مزارعي الريف الجنوبي في الحسكة مع اقتراب انتهاء فصل الشتاء ودخول المحاصيل الزراعية مراحلها الحاسمة قبل النضوج، مطالبين وزارتي الزراعة والطاقة في الحكومة السورية بتأمين المازوت الزراعي بشكل عاجل، لضمان استمرار عمليات الري وإنقاذ الموسم الشتوي الذي يقترب من محطته الأخيرة.

ويؤكد مزارعون، في حديث إلى، أن الأسابيع القليلة المقبلة تمثل “عنق الزجاجة” بالنسبة لمحاصيل القمح والشعير والعدس، إذ تحتاج هذه المحاصيل إلى ريات أخيرة في أواخر الشتاء وبداية الربيع لضمان امتلاء الحبوب وتحقيق إنتاجية مقبولة، رغم وفرة الأمطار هذا الموسم مقارنة بأعوام سابقة.

تحولات السيطرة تربك القطاع الزراعي

تأتي هذه المطالب في سياق تحولات ميدانية وإدارية شهدتها المنطقة منذ منتصف كانون الثاني الماضي، حين سيطر الجيش السوري على مساحات واسعة من أرياف محافظة الحسكة، عقب سيطرته الكاملة على الرقة ودير الزور، بينما انحسر وجود “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) ضمن المدن الكبرى في الحسكة وأريافها القريبة.

كما بسطت الحكومة السورية سيطرتها على عدد من حقول النفط في الريف الجنوبي والشرقي للمحافظة، وتعمل على ترتيبات مع “قسد” لتسلّم باقي الحقول، ضمن تنفيذ اتفاق كانون الثاني بين الطرفين، الذي تضمن إعادة انتشار القوى العسكرية وتنظيم الملفات الخدمية والاقتصادية، وعلى رأسها الطاقة والزراعة.

إلا أن هذه التغيرات، بحسب ما رصده مراسل، لم تنعكس بعد على شكل آليات واضحة لتوزيع المحروقات في القرى التي انتقلت حديثًا إلى سيطرة الحكومة، ما خلق حالة من الارتباك في سلاسل التوريد، وانعكس مباشرة على القطاع الزراعي.

“نحتاج الري الآن.. وليس بعد شهر”

قال صفوك الخالد، وهو مزارع يملك نحو 40 دونمًا مزروعة بالقمح في إحدى قرى الريف الجنوبي، ل، إن محصوله “دخل مرحلة تكوين السنابل”، موضحًا أن “هذه المرحلة تحتاج إلى مياه كافية حتى تمتلئ الحبوب، وأي نقص سيؤدي إلى حبوب فارغة أو صغيرة”.

وأضاف، “نحن الآن في الوقت الحرج. إذا لم نحصل على المازوت خلال أيام، فلن نستطيع تشغيل محركات المياه ومضخات الآبار. الري لا يحتمل التأجيل، الأرض لا تنتظر”.

وأشار الخالد إلى أن معظم المزارعين في المنطقة يعتمدون على الآبار للري، بسبب محدودية الاعتماد على مياه الأمطار أو مياه نهر الخابور، مضيفًا أن الموسم الحالي شهد هطولات جيدة لكنها “غير منتظمة”، ما جعل الحاجة إلى الري الصناعي أكبر.

ولفت إلى أن الفلاحين كانوا يعتمدون سابقًا، بشكل كبير، على السوق السوداء لتأمين المازوت، رغم ارتفاع أسعاره، “لكن على الأقل كان متوفرًا”، على حد تعبيره، بينما توقفت تلك الأسواق مع التطورات الأخيرة، دون أن يحل مكانها نظام توزيع رسمي فعال حتى الآن.

تكاليف مرتفعة ومخاوف من الخسارة

من جهته، قال المزارع محمد العلي إن تكلفة الإنتاج هذا الموسم ارتفعت بشكل ملحوظ، بدءًا من الحراثة والبذار، مرورًا بالأسمدة، وصولًا إلى أجور العمال.

وأضاف، “حتى لو توفر المازوت الآن، فإن سعره سيكون مرتفعًا، لكن المشكلة الأكبر أنه غير متوفر أصلًا. لا توجد حتى الآن مخصصات واضحة للفلاحين في القرى التي انتقلت إلى سيطرة الحكومة”.

وأوضح أن بعض المزارعين بدأوا يفكرون في تقليص المساحات المزروعة في المواسم المقبلة، في حال استمرار حالة عدم الاستقرار في تأمين مستلزمات الإنتاج، معتبرًا أن “الخسارة هذا العام قد تعني العجز عن تمويل الموسم المقبل”.

وأشار إلى أن انقطاع القرى عن أسواقها التقليدية في مدن المحافظة، بعد تغير خطوط السيطرة، تسبب بارتفاع أسعار المواد الأساسية، ما زاد من الأعباء المعيشية على العائلات الزراعية.

مهندس زراعي: الأمن الغذائي في دائرة الخطر

قال المهندس الزراعي سامر الأحمد، العامل في المنطقة، ل، إن الحسكة تُعد من أهم المحافظات الزراعية في سوريا، وتُعرف بإنتاجها الواسع من القمح والشعير، ما يجعل أي تراجع في إنتاجها مؤثرًا على مستوى البلاد.

وأضاف أن “الريات الأخيرة خلال شباط وآذار ضرورية لضمان إنتاجية جيدة، خصوصًا في الأراضي التي تعتمد على الري من الآبار”، موضحًا أن نقص المياه في هذه المرحلة قد يؤدي إلى انخفاض في وزن الحبوب، وبالتالي تراجع الغلة.

وبيّن أن التحولات الإدارية الأخيرة، رغم أهميتها على المستوى العام، تحتاج إلى “إجراءات تنفيذية سريعة” لضمان عدم تضرر القطاع الزراعي، داعيًا إلى تخصيص كميات إسعافية من المازوت الزراعي للفلاحين في الريف الجنوبي.

وقال، “إذا خسرنا جزءًا كبيرًا من الإنتاج هذا الموسم، فإن ذلك سينعكس على أسعار الحبوب، وعلى قدرة الدولة على تأمين احتياجاتها من القمح، ما يضع الأمن الغذائي في دائرة الخطر”.

واقع معيشي ضاغط

لا تقتصر أزمة المازوت على البعد الزراعي فحسب، بل تمتد إلى الواقع المعيشي في القرى الجنوبية، إذ يعتمد السكان على المحروقات أيضًا في التدفئة وتشغيل المولدات الكهربائية.

ويقول مزارعون إن الأولوية يجب أن تُعطى للقطاع الزراعي، نظرًا لارتباطه المباشر بإنتاج الغذاء، مؤكدين أن خسارة الموسم تعني تراكم الديون، وربما اضطرار بعض العائلات إلى بيع جزء من ممتلكاتها لتغطية التكاليف.

وأشار الخالد إلى أن “الفلاح يعمل طوال العام، وينتظر هذا الموسم ليعوّض تعبه. إذا خسرناه بسبب المازوت، فلن يكون هناك بديل”.

مطالب بخطة واضحة وآلية توزيع عادلة

يطالب المزارعون بوضع خطة واضحة لتوزيع المازوت الزراعي، تتضمن تحديد مخصصات لكل مزارع وفق المساحة المزروعة، وإنشاء نقاط توزيع قريبة من القرى لتجنب تكاليف النقل الإضافية.

كما دعوا إلى إشراك لجان محلية من الفلاحين في الإشراف على عملية التوزيع، لضمان العدالة والشفافية، ومنع الاحتكار أو التسرب إلى السوق السوداء.

ويرى المهندس الأحمد أن “وجود آلية منظمة وشفافة سيعيد الثقة إلى الفلاحين، ويشجعهم على الاستمرار في زراعة أراضيهم”، مشيرًا إلى أن أي إحباط في هذا التوقيت قد يدفع بعضهم إلى ترك الزراعة أو تقليص نشاطهم.

بين الاتفاقات والواقع الميداني

في الوقت الذي تستمر فيه الترتيبات بين الحكومة السورية و“قسد” لتسلّم باقي الحقول النفطية ضمن تنفيذ اتفاق كانون الثاني، يترقب المزارعون نتائج ملموسة على الأرض، خصوصًا في ملف الطاقة.

وبينما يُنظر إلى سيطرة الحكومة على الحقول النفطية في الريفين الجنوبي والشرقي على أنها خطوة قد تسهم في تحسين توفر المحروقات، فإن الواقع الحالي، بحسب المزارعين، لا يعكس بعد هذا التحسن.

ومع اقتراب فصل الربيع، يزداد الضغط على الفلاحين الذين يرون أن عامل الوقت بات حاسمًا، وأن أي تأخير إضافي في تأمين المازوت قد يؤدي إلى خسائر يصعب تعويضها.

ويختصر الخالد مخاوفه بالقول، “لسنا طرفًا في السياسة ولا في الاتفاقات، نريد فقط أن نسقي أرضنا في وقتها. إذا تأخر المازوت، فلن تنفعنا الوعود”.

في محافظة تُعرف بأنها “سلة الغذاء” لسوريا، يقف الموسم الزراعي اليوم على مفترق طرق، بين آمال بتحسن واقع الخدمات بعد التغيرات الأخيرة، ومخاوف من أن يتحول نقص الوقود إلى ضربة جديدة لقطاع أنهكته سنوات من الأزمات.

المصدر: عنب بلدي

شاركها.