قال الرئيس السوري أحمد الشرع، مساء الأحد، إن العلاقات السورية المصرية “ليست ترفاً بل واجباً”، وإن التكامل السوري المصري، عبر التاريخ، كان أساسياً لاستقرار المنطقة، اقتصادياً وأمنياً واستراتيجياً.

وشهدت العاصمة السورية دمشق، الأحد، لأول مرة منذ 15 عاماً، زيارة لأول وفد اقتصادي مصري عالي المستوى، حيث عقد الملتقى الاقتصادي المصري السوري لبحث سبل تعزيز العلاقات الاقتصادية بين البلدين، وتوسيع آفاق التعاون الاستثماري والتجاري، بما يسهم في دعم الشراكات القائمة، وفتح مسارات جديدة للتكامل الاقتصادي بين الجانبين، بحسب وكالة الأنباء السورية (سانا).

وشهد الملتقى توقيع مذكرتي تفاهم، الأولى بين اتحادي غرف التجارة في البلدين، والأخرى مع الاتحاد الإفريقي لغرف التجارة، وذلك بحضور وزير الاقتصاد السوري نضال الشعار، ووزير المالية يسر برنية، ورئيس اتحاد غرف التجارة المصرية أحمد الوكيل.

الشرع: هذا ليس غريباً على المصريين

ووجه الرئيس السوري، خلال استقباله الوفد المصري، الشكر إلى الشعب المصري على استقباله الحافل للاجئين السوريين خلال فترة الحرب السورية، وقال إن “هذا ليس غريباً على المصريين، لأنه مشهود لكم بذلك”.

وقال الشرع إن “مصر أصبحت على مسار النمو والتطور في عهد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، خلال 10 سنوات الماضية”، مشيراً إلى أن مصر دخلت في تنمية قطاع الطاقة، وإنتاج غاز الهيدروجين بالطاقة الشمسية (الهيدروجين الأخضر)، معتبراً أن ذلك “يدل على بعد نظر لأنه صديق للبيئة”.

وأضاف أن المصالح الاقتصادية تأتي بالمصالح السياسية، مبيناً أن هناك التقاء في المصالح الاستراتيجية، وقال: “عبر التاريخ عندما تلتقي مصر وسوريا تزداد الأمة العربية قوة”.

واعتبر أن “التعاطف بين الشعبين المصري والسوري هو من أهم الاستثمارات”، وتعهد بأن تسهل الحكومة السورية كل الإجراءات أمام الاستثمارات المصرية.

ولفت الرئيس السوري إلى وجود استثمارات من شركات أميركية وأوروبية وخليجية في بلاده، لكنه قال إن “هناك رغبة من الجميع للاستثمار في القطاع الزراعي السوري والمصري وكذلك العراقي بدلاً من الاتجاه إلى دول أخرى بتكلفة أعلى”.

وشدد على أهمية تطوير القطاع الزراعي والصناعي، مبيناً أن هناك شراكة بين تجار حلب والشركات المصرية في قطاع النسيج، مشدداً على ضرورة استمراره وفتح مجالات أخرى.

بناء سوريا

وأوضح الشرع أن “سوريا تجاوزت مراحل متعددة وأصبحت مهيأة لإعادة الإعمار”، وقال إن “الخبرات السورية كبيرة لكنها تعرضت إلى أضرار بليغة في آخر 15 سنة”، مشيراً إلى أن بلاده “بحاجة إلى تعاون كل الإقليم حتى تتمكن من إعادة بناء نفسها”.

وقال إن “السياسة السورية واضحة بالتركيز على استقرار الوضع الأمني والتنمية الاقتصادية، لافتاً إلى أن سوريا شهدت تغيراً في السياسات الاقتصادية، من حيث فتح المجال للقطاع الخاص، عبر فتح المجال أمام المستثمرين الأجانب والمحليين.

وأشار إلى أن سوريا تجاوزت مراحل كثيرة خاصة بعد رفع العقوبات، رغم تعقيداته إلا أنه حصل بسرعة كبيرة، مقارنة بالواقع الذي تعيشه سوريا.

وشدد على ضرورة التركيز على المشاريع الضخمة مثل الطاقة والموانئ والتنقيب عن الغاز في الساحل المتوسط وإصلاح القطاعات النفطية وإمدادات الفايبر من خلال سوريا، وكذلك ربط أوروبا بالصين عبر جغرافية سوريا.

الوكيل: مصر وسوريا شعب واحد

وقال رئيس اتحاد الغرف التجارية المصرية أحمد الوكيل لـ”الشرق” إن الوفد المصري التقى الرئيس السوري أحمد الشرع، الذي أكد على أن القطاع الخاص قادر على خلق التنمية المستدامة.

وأشار الوكيل إلى وجود مساع لبناء شراكة حقيقية تحقق مصالح الشعبين، عن طريق التعاون مع اتحاد الغرف والوزراء السوريين، مضيفاً “علاقة الشعوب لا تنقطع وسوريا ومصر شعب واحد”.

وأضاف رئيس اتحاد الغرف التجارية المصرية أن “سوريا ومصر شعب واحد، وإعادة توحيد العلاقات اقتصادياً ضرورة ملحة عبر شراكة فاعلة للقطاع الخاص بين البلدين”، مبيناً أن “القطاع الخاص المصري مستعد لنقل خبرته في إعادة الإعمار والبنية التحتية والصناعة إلى سوريا، مستنداً إلى التجربة الاقتصادية المصرية الناجحة خلال العقد الماضي”.

ونقلت الوكالة السورية عن القائم بأعمال السفارة المصرية في سوريا أسامة خضر قوله إن “الملتقى يمثل بداية لمسار جديد بين العلاقات المصرية السورية، في ظل وجود الكثير من الفرص والتحديات في مختلف القطاعات”.

وأضاف أن “القاهرة تضع كل إمكانياتها الفنية واللوجستية في خدمة التنمية الاقتصادية السورية”، بحسب “سانا”.

عز: مليار دولار بين مصر وسوريا

وقال مستشار رئيس غرف الاتحاد المصرية علاء عز لـ”الشرق” إنه تم توقيع مذكرتين، الأولى لتفعيل التعاون بين الاتحادين، ومذكرة سابقة لإنشاء غرفة مشتركة لم تفعل، وذلك لتعزيز الشراكة مع المصريين، لا سيما في مجال التصنيع المشترك بغرض التصدير، والدخول في مشاريع إنمائية.

وكشف عز عن أن التبادل التجاري بين مصر وسوريا لم ينخفض، وقال إن “الأرقام المعلنة من الجهتين لا تمثل الواقع بسبب إغلاق السويفت (جمعية الاتصالات المالية العالمية بين البنوك)،  حيث كان هناك الكثير من السلع التي تتحرك بين الجانبين من خلال الأردن وتركيا، بالتالي تدخل أرقامها في التجارة مع تلك الدول، وليس مع سوريا”.

وأضاف أن “حجم التجارة البينية بين مصر وسوريا يقارب المليار دولار، وسيتضح ذلك في 2026 مع فتح السويفت، وظهور الأرقام الفعلية لهذا التبادل التجاري، والنهضة التي يدعمها منتدى اليوم والمنتديات القادمة”.

عودة العلاقات

وذكر رئيس غرفة القاهرة التجارية أيمن العشري، لـ”الشرق”، أن الخطوة من شأنها إعادة فتح وتفعيل العلاقات مع سوريا بعد السنوات الماضية.

وقال رئيس شركة “مينا” للتطوير العقاري فوزي فتح الله لـ”الشرق” أن “هذه اللقاءات تسفر في النهاية عن مشروعات مشتركة، إلى جانب أن المستثمر المصري بحاجة لمعرفة تفاصيل أكثر عن البلاد عن طريق التعاون والشراكات مع رجال أعمال سوريين”.

وطالب فتح الله بوجود “قوانين استثمار واضحة أمام الجميع؛ لأن هناك مشكلة أساسية في معظم الدول متعلقة بالأراضي، والتي تعتبر نقطة هامة حول الجهة التي تمنح الرخصة في ذلك”، وأضاف أن الشركة تعتزم المشاركة في إعادة إعمار سوريا في المرحلة القادمة.

فرص واعدة للاستثمار في سوريا

وقال وزير المالية السوري يسر برنية لـ”الشرق” إن “تشابه هياكل الإنتاج والاقتصاد بين مصر وسوريا يعتبر نقطة مميزة، ما يساعد في التكامل وبناء سلاسل القيم، ودور الحكومة أن تكون ميسراً ومسهلاً وموفراً للبيئة المواتية لهذه الاستثمارات، على أن ينشط القطاع الخاص في سوريا مع الدول الأخرى”.

وذكر وزير المالية السوري يسر برنية لـ “الشرق” أن الدولة السورية الجديدة تعمل على أن يقود القطاع الخاص عمليات النمو، وأن يكون داعماً في تعزيز دوره في الاقتصاد السوري والتنمية.

وأضاف: “نعول على الشراكات بين القطاع الخاص في سوريا والدول الأخرى، في الصناعة والأعمال الخاصة، وهذا ما حصل في التعاون مع مصر حيث جاءت المبادرة من غرف التجارة والصناعة”، مؤكداً أن هناك “فرصاً واعدة للاستثمار في سوريا بكل المجالات”.

وأكد برنية أن تشابه هياكل الإنتاج، والاقتصاد بين مصر وسوريا يعتبر نقطة مميزة ما يساعد في التكامل، وبناء سلاسل القيم، مبيناً أن دور الحكومة تكون ميسر ومسهل وموفر للبيئة المواتية لهذه الاستثمارات على أن ينشط القطاع الخاص في سوريا مع الدول الأخرى.

تكامل طبيعي

ووصف وزير الاقتصاد والصناعة السوري نضال الشعار التعاون الاقتصادي السوري المصري بأنه “تكامل طبيعي حيث يتشابهان في نمط الإنتاج والاستهلاك، وطبيعة الموارد البشرية، والدور المحوري الذي تؤديه الصناعة والزراعة والخدمات في البلدين”.

وقال الشعار إن “تعزيز التعاون الاقتصادي بين دمشق والقاهرة لا يقتصر على تبادل السلع، بل يقوم على إقامة مشاريع مشتركة، والاستفادة من تشابه نمط الاستهلاك والذائقة السوقية، بما يرفع فرص النجاح والاستدامة”، مضيفاً: “نحن على ثقة أن المستقبل الاقتصادي لسوريا ومصر مشترك، معتبراً أن “كلاً من السوقين يعد امتداداً طبيعياً للآخر”.

من جانبه، قال وزير النقل السوري يعرب بدر، خلال جلسات الملتقى، إن هناك علاقة هامة بين النقل والاقتصاد كونه يشكل نشاطاً لا بد منه في استكمال أي نشاط اجتماعي، لافتاً إلى أن النقل يحقق منفعتين أساسيتين، الأولى المكانية التي يسمح بها لنقل السلع لأماكن مختلفة، والأخرى الأكثر أهمية هي المنفعة الزمانية، حيث يجب أن تصل في الوقت المناسب لاستهلاك السلعة.

وذكر بدر أن هناك إمكانيات حقيقية للاستثمار في قطاع النقل، تشمل نقل الفوسفات من أماكن إنتاجه إلى أماكن استثماره وبيعه، داعياً المستثمرين لدراسة الفرص المتاحة.

دعوة لتأسيس مجلس الأعمال السوري المصري

وقال المدير العام لاتحاد غرف التجارة السورية عامر الحمصي، في حديثه لـ”الشرق”، إن العلاقة مع مصر مهمة كونها بوابة سوريا إلى إفريقيا.

وأشاد بما تشهده مصر من “تطور عمراني كبير”، وقال إن “سوريا بحاجة لذلك، سواء في دمشق وحلب أو مدن أخرى”، مؤكداً أن “مصر لديها الجاهزية للدخول إلى سوريا بشراكات واعدة على صعيد قطاع البناء”.

من جانبه، أوضح مستشار رئيس اتحاد غرف التجارة السورية أنس البو أن الاتفاقية مع غرف التجارة المصرية يشمل تبادل وتكامل الخبرات بين البلدين، وتدعو لتأسيس مجلس الأعمال السوري المصري المشترك، وتشكيل توأمة بين الغرف في البلدين، وتبادل معلومات عن التجار، ودعوة لحضور الملتقيات والفعاليات التي تنظم في كلا البلدين.

وقال: “بعد اليوم سنشهد تعاوناً كبيراً بين البلدين، ونتطلع لاستقبال رجال أعمال مصريين”.

بدوره قال رئيس هيئة الاستثمار السورية طلال الهلالي، لـ”الشرق”، إن “وجود المصريين في سوريا اليوم دليل على شعورهم بالأمان الاقتصادي والاستثماري والسياسي، وهو مؤشر هام لأي مستثمر للدخول إلى بلد جديد”.

وأشار إلى “تاريخ عريق من الشراكات الاقتصادية السورية المصرية على صعيد الزراعة والصناعة”.

شاركها.