خطيب بدلة

الناس، في بلادنا، يحبون الكلام المنمق، يرددون، يوميًا، أبيات شعر مملوءة بالحكمة، منها قول الشاعر التونسي، “أبو القاسم الشابي”:

إذا الشعب يومًا أراد الحياة.. فلا بد أن يستجيب القدر

طيب، يا سيدي، أين الشعب الذي يريد الحياة؟ وما نوع الحياة التي يريدها؟ وهل توجد، في منطقتنا، جماعة بشرية ينطبق عليها مصطلح “شعب”؟

تحدث دكتور جامعي عراقي، يدرس في جامعة بريطانية، عن شعبين أتيحت لهما فرصتان لـ”الحياة” الجميلة، ولكنهما لم يستجيبا، قصد الشعب العراقي، والشعب الأفغاني، ثم أتى على سيرة الشعب السوري الذي يسير في اتجاه رفض الفرصة الحقيقية لـ”الحياة”. إن كلمة الحياة، بحد ذاتها، ملتبسة، فهناك بشر، في سوريا وغيرها، يحيون في رفاهية لا يمكن تصورها، بينما يحيا السواد الأعظم من الناس، من قلة الموت! وهنا ينتصب أمامنا السؤال عن نوعية نظام الحكم التي تتيح لغالبية أبناء الشعب أن يعيشوا حياة محترمة.

يمكن لمن يشاء أن يسارع للاعتراض على هذه الاستنتاجات، ويقول، مثلًا، إن الشعب السوري، لم يختر الحكم الإسلامي الذي جاءت به “هيئة تحرير الشام”. وأنا أقول بأن معنى الاختيار، هنا، ليس حرفيًا، فالشعب السوري لم تُعرض عليه مجموعة من نماذج الحكم، واختار “هيئة تحرير الشام”، بإرادته، الأصح أن “الهيئة” استجابت للتفاهمات الاستخباراتية الدولية، وسارعت لملء فراغ السلطة الناجم عن انسحاب الأسد.. هذا ما حصل، بالفعل، ولكن مسؤولية الشعب، برأيي، تجلت بالتأييد، والتهليل، والتكبير، بل إن قسمًا كبيرًا من المؤيدين وصلوا إلى مستوى “التشبيح”.

اعتراض آخر، يمكن أن يظهر أمامنا، هو أن معظم الذين أيدوا الحكم الإسلامي، الذي جاءت به “هيئة تحرير الشام”، ينتمون إلى الطائفة السنية، بينما بقية أبناء الشعب ليسوا مؤيدين تمامًا، وربما اتخذوا وضعية المتفرج الصامت، خشية من أعمال الانتقام، التي تحصل، بالفعل.. وهذا يعني أن الفكرة التي نتحدث عنها صحيحة، فالطائفة السنية تمثل الأكثرية العددية، أي أن قسمًا كبيرًا من الشعب يؤيد هذا النموذج من الحكم. ولكن، لماذا يؤيده؟

الجواب، عندي، له عوامل متعددة، أولها، أن الشعب لا يمتلك، في الأساس، ثقافة سياسية تمكنه من قول نعم، أو لا، عندما تتعرض البلاد لتغيرات كبرى، بل تغلب عليه العاطفة الدينية، أو المذهبية، أو العشائرية، أو العائلية، وثانيها أنه، أقصد الشعب، غارق في هموم حياته اليومية، وقد اعتاد الركون لأي حكم يفرض عليه، وأما العامل الثالث، وهو الأهم، فيتلخص في الهزيمة أو النصر، فلا شك أن مشاعر قسم كبير من أبناء الأكثرية السنية، تعاطفوا مع “الإخوان المسلمين”، في أوائل الثمانينيات، ولكنهم لم يشكلوا حاضنة شعبية لـ”الإخوان”، لأنهم هُزموا، والشيء نفسه تكرر في المرحلة الأولى لصعود تنظيم “داعش”، الذي لاقى ترحيبًا واسعًا، ثم انفض عنه المؤيدون، لأنه هزم، وأما “هيئة تحرير الشام”، فقد وصلت إلى السلطة، ورحبت بها الدول العربية، والقوى العظمى، وفي مقدمتها أمريكا، وهذا هو سر هذا التأييد، وبرأيي، أن هذا سيجر على هذا الشعب الويلات، ووقتها، لن يجد من يتعاطف معه، أو يسانده.

المصدر: عنب بلدي

شاركها.