– شعبان شاميه
تزداد ظاهرة “العقم الطوعي” في سوريا أو سياسة إنجاب الطفل الواحد بسبب هواجس مختلفة، منها ما هو مرتبط بغياب الاستقرار الأمني والسياسي أو الظروف المعيشية والاقتصادية السيئة لمعظم السوريين، ما يجبر عائلات على الاكتفاء بمولود واحد أو تأجيل فكرة الإنجاب مؤقتًا “إلى أن يفرجها الله”.
السيدة فداء (40 عامًا) من سكان مدينة بانياس بريف محافظة طرطوس، واحدة من النساء اللواتي اكتفين بإنجاب طفل واحد، ولا تفكر وزوجها حاليًا بإنجاب طفل آخر بسبب ظروفهما الاقتصادية، وأوضاع البلد بشكل عام، وفق ما قالته ل.
وتابعت أن زوجها يعمل سائق “موتور” لتوصيل الطلبات في مطعم، وهي موظفة براتب لا يصل إلى 800 ألف ليرة حتى بعد الزيادة الأخيرة، وهو مصروف المنزل لعدة أيام فقط، ولا يكفي ثمن حليب وحفاظات الطفل في شهر واحد، فكيف تستطيع تأمين باقي المستلزمات من أدوية وملابس واحتياجات أخرى؟
هواجس فداء تراود أمهات أخريات عزفن عن فكرة الإنجاب نهائيًا أو مؤقتًا إلى حين تحسن الواقع المعيشي واستقرار الوضع الأمني، فيما لا تزال فكرة الهجرة والسفر خارج البلاد استراتيجية يؤمن بها كثير من الشباب والشابات لغاية اليوم، وفق رأي السيدة الأربعينية.
“لا يمكنني أن أنجب أولادًا في سوريا، ولا أتخيل فكرة أن يبدأ طفلي بإحصاء خسائره منذ سن المدرسة. إنجاب الأطفال هنا يعني احتمال الخوف والندم من أنني خلقت روحًا جديدة في مكان غير مستقر. فلا أريد أولادًا يعيشون حربًا مثلنا”، قال محمد (29 عامًا) ل، وهو من سكان مدينة اللاذقية، خريج قسم المكتبات والمعلومات، ويعمل إداريًا في معهد خاص لتدريس طلاب المرحلة الإعدادية.
لا خيار بل قرار
اختصاصية علم الاجتماع ومديرة حالة في جمعية “شمعة أمل”، الدكتورة يارا أحمد، أكدت ل، أن الاكتفاء بطفل واحد لم يعد في السنوات الأخيرة مجرد خيار هادئ تتخذه الأسرة على مهل بل بات قرارًا ينعكس فيه ثقل الحياة اليومية وتقلباتها.
وأضافت أن الناس الذين تغيرت بيوتهم وبيئاتهم بفعل الحرب والنزوح لم يعودوا قادرين على النظر إلى الإنجاب بوصفه خطوة طبيعية في مسار الحياة.
ولفتت الاختصاصية في علم الاجتماع إلى أن الأرقام لم تعد ثابتة، والإحصاءات تاهت مع تشتت السكان، لكن الاتجاه العام أصبح واضحًا، تأجيل الإنجاب أو خفض عدد الأطفال أو حتى التوقف التام عن محاولة التوسع الأسري.
ويدعم ذلك ما كشفه رئيس جمعية المولدين النسائيين السوريين، الدكتور مروان الحلبي، قبل عامين، بأن نسبة الولادات كانت قبل عام 2010 تصل إلى 550 ألف ولادة سنويًا، وهي آخر إحصائية أجرتها الجمعية، إلا أن هذا العدد تناقص إلى النصف.
وقال الحلبي حينها، إن “الناس يؤجلون الحمل والولادة نظرًا إلى الظروف الاقتصادية السيئة، كما أن سفر الشباب وهجرتهم لعب دورًا كبيرًا في تقليص عدد الولادات، فضلًا عن تكاليف الحمل والولادة ومصاريف الأطفال التي باتت مرتفعة جدًا”.
وبحسب رئيس جمعية المولدين النسائيين، فإن “بعض العائلات باتت تؤمن بحتمية تنظيم الأسرة بسبب تراجع الأوضاع المعيشية، لا بسبب الإجراءات التوعوية، فكل أب وأم من المتزوجين حديثًا يدركان جيدًا أن إنجاب المزيد من الأبناء يجلب إليهما مآسي اقتصادية واجتماعية، وسط النظرة التشاؤمية للمستقبل وعدم وجود أفق حقيقي لكسب المزيد من المال”.
هواجس بالجملة
لم يعد السؤال: هل نحب الأطفال. بل صار: هل نستطيع أن نرعاهم. هل يمكن للبلد أن يتسع لأحلامهم، وهل ستحتمل الأسرة عبء التعليم والرعاية في ظل اقتصاد يضيق يومًا بعد يوم؟ قالت الدكتورة يارا أحمد، موضحة أنه بين الخوف من انعدام الأمان والرعب من التجنيد والقلق من الهجرة وعدم القدرة على ضمان مستقبل واضح يصبح قرار الإنجاب أشبه بمعادلة حسابية قاسية لا باندفاعة عاطفية كما كان في السابق.
ولفتت الدكتورة إلى أنه مع مرور الوقت بدأت آثار هذا التحول تظهر على المجتمع، فالمواليد يقلون تدريجيًا وعدد كبار السن يزداد، وكأن الهرم السكاني يغيّر شكله بصمت.
من جهتها، الاستشارية النفسية الأسرية هبة كمال العرنوس، أوضحت ل أن تقارير وأبحاثًا حديثة عن مناطق الصراع تُشير إلى أن ظروف النزاع تؤثر بقوة على قرارات الإنجاب، سواء بتقليل الرغبة أو بالعكس، إذ إن بعض الجماعات قد ترى في الإنجاب “تعويضًا” أو “بقاء ثقافيًا”.
ومع كل طفل وحيد تتفكك قليلًا شبكات الدعم التقليدية التي طالما اعتمدت عليها العائلات في مواجهة المرض والشيخوخة، وبدلًا من أن يتوزع الحب والمسؤوليات على أكثر من طفل، تجد أسرة كاملة نفسها تصب آمالها في طفل واحد فيكبر وهو يحمل على كتفيه أوزانًا لا تشبه عمره، فيما تغيب عنه بعض التجارب الاجتماعية التي يمنحها الإخوة عادة بلا جهد، أضافت أحمد.
وأردفت الاختصاصية أنه لم يعد مقبولًا النظر إلى الطفل الوحيد بعيون الأسطورة التي وصفته لسنوات بأنه “مدلل” أو “أناني” أو غير قادر على الاندماج، فقد أظهرت الأبحاث أن المسألة لا تتعلق بالعدد بقدر ما ترتبط بما يجده الطفل داخل البيت: دفء العلاقة ووضوح التربية وفرص الاحتكاك بالآخرين.
صحيح أن الطفل الوحيد قد يشعر بالعزلة إن لم يجد من يشاركه اللعب، وقد يختنق بتوقعات أهله إن جعلوه مشروع نجاح لا يسمح له بالتعثر، لكن هذه التحديات لا تحدث تلقائيًا، بل تظهر عندما تغيب الروابط السليمة والحدود الهادئة والفرص الاجتماعية الضرورية للنمو، توضح اختصاصية علم الاجتماع.
قرار يربك العلاقات الزوجية والأسرية
قالت الدكتورة يارا أحمد، إن الأهل أصبحوا في قلب معادلة صعبة، فكثيرون منهم لم يتخذوا قرار الاكتفاء بدافع الرغبة، بل تحت وطأة الظروف، وهنا تبدأ الندوب التي لا تُرى، طرف يشعر بالحرمان لأنه كان يتمنى مزيدًا من الأبناء وآخر يتملكه الخوف من إنجاب طفل جديد في زمن غامض، فينشأ بين الاثنين صمت ثقيل قد يُربك العلاقة ويشوّش الثقة.
ومع غياب الحوار يتحول الأمر أحيانًا إلى خلاف حول المسؤولية أو جرح عميق في هوية أحد الشريكين في ثقافات تربط الإنجاب بالمكانة والشعور بالاكتمال، أضافت أحمد.
وفي وسط هذا كله، بحسب أحمد، يزداد وضوح حقيقة أساسية: قرار الإنجاب لم يعد مجرد شأن خاص، بل هو انعكاس مباشر لسياسات الدولة ولسلامة الخدمات الصحية والتعليمية ولشبكات الحماية الاجتماعية التي تطمئن الناس أو تزيد خوفهم، فحين يشعر الأفراد بالأمان يعود الإنجاب خيارًا يصدر عن رغبة لا عن خوف، وحين يشعرون بالخطر يصبح الطفل عبئًا محتملًا لا مشروع حياة.
توصيف نفسي- اجتماعي وانعكاسات
أكدت الاستشارية النفسية الأسرية هبة كمال العرنوس، أن ظاهرة “العقم الطوعي” أو سياسة إنجاب الطفل الواحد معقدة ومتعددة الأسباب، منها:
- الأسباب الاقتصادية: ارتفاع تكاليف تربية الأطفال، فقدان الوظائف، غياب شبكة الأمان الاجتماعي.
- المخاوف الأمنية وعدم الاستقرار: التعرض المباشر للعنف، الهجرة واللجوء، وخوف الأهل على سلامة أطفالهم في بيئة خطرة.
- تأثيرات الصحة الإنجابية المتدهورة: تراجع الوصول إلى خدمات تنظيم الأسرة، أو العكس، اعتماد أقوى على منع الحمل عندما يكون الحمل خطيرًا في زمن الحرب.
- قيم ثقافية متغيرة: تعليم المرأة، تأخر الزواج، رغبة الأزواج في تحسين نوعية الحياة بدلًا من الكثرة.
تنصح العرنوس بمجموعة من الإرشادات للتخفيف من سلبيات إنجاب الطفل الواحد على صحته النفسية وبناء شخصيته.
للوالدين والبيئة المنزلية
- الاستقلالية التدريجية: إسناد مهام مناسبة للعمر، تشجيع اتخاذ قرارات بسيطة، تعزيز القدرة على حل المشكلات.
- توفير فرص اجتماعية خارج المنزل (رياض أطفال، مجموعات لعب، أنشطة جماعية، نوادٍ) لتعويض فرصة التعلم من الأقران.
- توازن التوقعات: تجنب الضغط المفرط على الطفل لتحقيق إنجازات خارقة، التركيز على الجهد والتعلم لا على النتيجة فقط.
- تدريب الطفل على المشاركة والمسؤولية: إشراكه في أعمال منزلية ومهام تعلمه التعاون.
على مستوى الخدمات
- إدراج برامج دعم للآباء حول التربية الإيجابية، وإدارة التوقعات، وتعزيز المهارات الاجتماعية لدى الأطفال الوحيدين.
- تشجيع سياسات رعاية نهارية وتكوينية مجانية/ميسورة توفر للطفل فرص التعامل مع الأطفال الآخرين.
للمجتمع والسياسة العامة
- تعزيز خدمات الصحة الإنجابية والنفسية في المناطق المتأثرة بالنزاع وإدماج الدعم النفسي-الاجتماعي مع خدمات تنظيم الأسرة.
- برامج توعية تربوية للأهل عن كيفية تربية الطفل الوحيد بشكل صحي (تنمية الاستقلالية، مهارات التواصل، إدارة التوقعات).
- دعم اقتصادي واجتماعي للأسر كشبكات أمان تقلل الضغوط التي تجبر الأزواج على الامتناع عن الإنجاب.
- بحوث وطنية محدثة لجمع بيانات سورية/محلية عن قرارات الإنجاب ما بعد النزاع لتصميم سياسات مبنية على أدلة.
مرتبط
المصدر: عنب بلدي
