تقدم رواية “الفهد” صورة مبكرة عن المشروع الروائي للكاتب السوري الراحل حيدر حيدر، الذي فكك علاقة الإنسان العربي بالسلطة وبالذات والحرية.

“الفهد”، رواية قصيرة نسبيًا لكنها مكثفة وحادة، وتضع القارئ أمام سؤال لا يزال قائمًا عما يمكن أن يحدث حين يرفض فرد واحد أن يكون جزءًا من القطيع؟

تدور أحداث الرواية حول شخصية “أبو علي” (شاهين)، وهو فلاح متمرد يعيش في قرية ساحلية سورية، يرفض الخضوع للسلطة الإقطاعية والوجهاء المحليين.

“الفهد” ليس بطلًا تقليديًا، ولا مناضلًا سياسيًا واضح المعالم، بل فرد غاضب، يرى الظلم اليومي ويصطدم به، دون أن يمتلك أدوات منظمة للمواجهة، فتمرده نابع من الإحساس بالمهانة ومن القهر المتراكم، ومن إدراكه أن النظام القائم لا يترك للفقراء سوى الطاعة أو العقاب.

في الرواية، لا تظهر السلطة في شكل الدولة المركزية فقط، بل تتجسد في الإقطاع، والمخاتير، ورجال النفوذ المحليين، الذين يفرضون سطوتهم عبر العنف والتحالف مع الخوف السائد في المجتمع، و”الفهد” في مواجهته لهم، يصبح كائنًا مرفوضًا ومطاردًا ومتهمًا دائمًا، ليس فقط لأنه تمرّد، بل لأنه كسر القاعدة غير المكتوبة ألا وهي الصمت.

تعتمد “الفهد” على لغة مباشرة، قاسية أحيانًا، بعيدة عن التجميل البلاغي، ما ينسجم مع طبيعة الشخصية والبيئة، فالسرد يتقدم عبر مشاهد متوترة، تكشف تدريجيًا كيف يتحول التمرد الفردي إلى عزلة، وكيف يصبح الخارج عن الطاعة عبئًا حتى على مجتمعه نفسه، أما القرية، التي يفترض أن تكون حاضنة، فتظهر في كثير من الأحيان شريكة في القمع، إما بالخوف وإما بالتواطؤ.

أحد أهم أسئلة الرواية يتمثل في حدود التمرد الفردي، فالفهد يقاوم، لكنه يبقى وحيدًا، محاصرًا بين سلطة أقوى منه، ومجتمع عاجز عن كسر خوفه، هنا، لا تمجد الرواية البطل، ولا تحوله إلى رمز نقي، بل تقدمه بوصفه إنسانًا مأزومًا، يحمل غضبه واندفاعه، ويصطدم بجدار الواقع الصلب.

في “الفهد”، لا يقدم حيدر خلاصة نهائية، إذ إن الرواية تترك القارئ أمام طرح مفتوح، هل يمكن للفرد وحده أن يغير واقعًا كاملًا؟ أم أن التمرد، حين يبقى معزولًا، يتحول إلى هزيمة أخرى؟ بهذا المعنى، تتجاوز الرواية زمنها، وتبقى قابلة للقراءة اليوم، بوصفها نصًا عن القمع، والخوف، وثمن كسر الصمت.

من حيدر حيدر؟

يعد حيدر حيدر واحدًا من أبرز الروائيين السوريين، ولد في قرية حصين البحر قرب طرطوس عام 1936، وتوفي عام 2023 عن عمر ناهز 87 عامًا.

عُرف بأسلوبه الحاد والجريء، وبانحيازه الواضح إلى الإنسان المهمش في مواجهة السلطة والبنى الاجتماعية القاسية.

من بين أعماله المبكرة، تبرز رواية “الفهد” بوصفها واحدة من أهم نصوصه، وقد صدرت في ستينيات القرن الماضي، لتصبح لاحقًا علامة فارقة في الرواية السورية الحديثة، لما تحمله من قراءة نقدية للواقع الريفي والسلطة المحلية.

المصدر: عنب بلدي

شاركها.