كشفت متابعة بحثية امتدت لعشر سنوات أن العلاج بالمضادات الحيوية يظل خياراً آمناً وقابلاً للتطبيق على المدى الطويل لدى البالغين المصابين بـ”التهاب الزائدة الدودية”، رغم تسجيل معدلات ملحوظة لعودة الالتهاب أو اللجوء لاحقاً للجراحة.

وتُعد هذه النتائج إضافة نوعية للنقاش الطبي الدائر منذ سنوات بشأن جدوى العلاج غير الجراحي في مثل هذه الحالات.

وتُعد الدراسة، التي نشرت في دورية JAMA الطبية، أطول متابعة زمنية حتى الآن لمرضى التهاب الزائدة الدودية الحاد غير المعقد الذين جرى علاجهم بالمضادات الحيوية بدلاً من الاستئصال الجراحي الفوري.

واستند الباحثون إلى بيانات تجربة عشوائية محكّمة واسعة النطاق أُجريت في فنلندا، ما يمنح النتائج ثقلاً علمياً خاصاً.

لطالما اعتُبر استئصال الزائدة الدودية العلاج القياسي لالتهاب الزائدة الحاد، حتى في الحالات غير المعقدة، غير أن العقدين الأخيرين شهدا نقاشاً طبياً متصاعداً بشأن إمكانية الاكتفاء بالمضادات الحيوية في بعض الحالات لتجنب الجراحة ومضاعفاتها.

ولكن السؤال الذي ظل دون إجابة حاسمة، كان يتعلق بما يحدث على المدى البعيد، فهل يعود الالتهاب بعد سنوات؟ وكم مريضاً ينتهي به الأمر إلى الجراحة لاحقاً؟ فالدراسة الجديدة تقدم لأول مرة إجابات واضحة بعد عقد كامل من المتابعة.

واعتمد الباحثون على بيانات تجربة سريرية متعددة المراكز، التي أجريت في ستة مستشفيات فنلندية بين عامَي 2009 و2012، وشملت 530 مريضاً بالغاً تتراوح أعمارهم بين 18 و60 عاماً، جرى تشخيصهم بالتهاب الزائدة الدودية غير المعقد باستخدام التصوير المقطعي.

استئصال أم علاج

كما تم توزيع المشاركين عشوائياً إلى مجموعتين، الأولى خضعت للاستئصال الجراحي الفوري، والثانية تلقَّت علاجاً بالمضادات الحيوية يبدأ بمضاد وريدي لمدة ثلاثة أيام، يليه علاج فموي لمدة سبعة أيام. وركز التحليل الحالي على المرضى الذين عولجوا بالمضادات الحيوية، مع متابعة حالاتهم الصحية حتى أبريل 2024.

وبعد عشر سنوات من المتابعة، أظهرت النتائج أن معدل عودة التهاب الزائدة الحقيقي، المثبت نسيجياً بعد الجراحة بلغ 37.8%، كما وصل المعدل التراكمي لاستئصال الزائدة إلى 44.3%، ما يعني أن أقل من نصف المرضى احتاجوا في النهاية إلى الجراحة.

وبعبارة أخرى، أكثر من نصف المرضى الذين عولجوا بالمضادات الحيوية تمكنوا من تجنب الجراحة لمدة عشر سنوات كاملة، وهو رقم يُعد محورياً عند تقييم جدوى العلاج غير الجراحي، خصوصاً لدى المرضى الراغبين في تفادي التدخل الجراحي كلما أمكن.

وعند مقارنة المضاعفات طويلة الأمد بين المجموعتين، ظهر فارق لافت يميل لصالح العلاج بالمضادات الحيوية، فقد بلغت نسبة المضاعفات خلال عشر سنوات 27.4% في مجموعة الجراحة، مقابل 8.5% فقط في مجموعة المضادات الحيوية، وهو فرق له دلالة إحصائية واضحة.

ويعزز هذا المعطى الرأي القائل إن تجنب الجراحة، حتى وإن لم يكن دائماً، قد يقلل العبء الصحي طويل الأمد على المرضى.

ورغم اختلاف المسار العلاجي، لم تسجل الدراسة أي فروق معنوية في جودة الحياة أو رضا المرضى بين المجموعتين بعد عشر سنوات، فقد أبلغ المشاركون عن مستويات متشابهة من الصحة العامة والقدرة الوظيفية، ما يشير إلى أن الخضوع للجراحة مبكراً أو تأجيلها أو حتى تجنبها عبر العلاج الدوائي لا يترك أثراً طويل الأمد ملحوظاً على جودة الحياة.

المضادات الحيوية خيار واقعي وآمن

وشدد الباحثون على أن اللجوء لاحقاً إلى استئصال الزائدة لا يعني بالضرورة فشل العلاج بالمضادات الحيوية، ففي كثير من الحالات عاش المرضى سنوات طويلة دون أعراض، ثم أجريت الجراحة عند حدوث نوبة جديدة من الالتهاب، وهو سيناريو يُعد مقبولاً طبياً لدى شريحة من المرضى، خاصة عندما يتخذ القرار العلاجي بشكل مشترك ومستنير.

وتكمن قوة هذه الدراسة في عدة عوامل مجتمعة، من بينها طول فترة المتابعة غير المسبوق في تجربة عشوائية مقارنة بين الجراحة والمضادات الحيوية، والتشخيص الدقيق باستخدام التصوير المقطعي، والتحقق النسيجي من عودة الالتهاب بدلاً من الاعتماد على الأعراض فقط، إلى جانب معدلات متابعة مرتفعة تجاوزت 98%.

كما أنها الدراسة تسد فجوة واضحة في الأدبيات الطبية، إذ أن معظم الدراسات السابقة توقفت عند ثلاث أو خمس سنوات فقط.

وخلص الباحثون إلى أن النتائج لا تعني التخلي عن الجراحة، بل تدعم اعتبار المضادات الحيوية خياراً واقعياً وآمناً ومسنوداً بأدلة طويلة الأمد لعلاج التهاب الزائدة الدودية غير المعقد لدى البالغين.

وأكدوا أن القرار العلاجي يجب أن يكون فردياً، ومبنياً على حالة المريض وتفضيلاته وتوافر المتابعة الطبية المناسبة.

وتعكس هذه النتائج تحولاً أوسع في الممارسة الطبية الحديثة يميل إلى تقليل التدخلات الجراحية غير الضرورية وتقديم خيارات علاجية مرنة قائمة على الأدلة.

وبينما تظل الجراحة علاجاً حاسماً وسريعاً، أشارت هذه الدراسة إلى أن الانتظار المدروس مع العلاج بالمضادات الحيوية ليس مقامرة، بل خياراً مدعوماً ببيانات تمتد لعشر سنوات كاملة.

وفي النهاية، تعيد الدراسة طرح سؤال جوهري على الأطباء والمرضى معاً: هل يجب أن تستأصل الزائدة الدودية فوراً في كل الحالات؟ الأدلة الجديدة تقول: “ليس بالضرورة”.

شاركها.