قبل أشهر من الانتخابات البرلمانية المقررة في سبتمبر 2026، أعلن رئيس الحكومة المغربية عزيز أخنوش عدم ترشحه لولاية ثالثة على رأس حزب التجمع الوطني للأحرار، قائد الائتلاف الحكومي، في خطوة فتحت الباب أمام سيناريو عدم استمراره على رأس الحكومة خلال الولاية المقبلة.
وكان أخنوش، تولّى رئاسة الحزب لأول مرة في عام 2016، قبل أن يقوده إلى تصدر انتخابات 2021 وتشكيل الحكومة. وخلال مؤتمر وطني استثنائي عُقد السبت بمدينة الجديدة (وسط المغرب)، جرى انتخاب محمد شوكي رئيساً جديداً للحزب، بعدما كان يشغل منصب رئيس الفريق البرلماني للتجمع الوطني للأحرار بمجلس النواب.
ويأتي هذا الانتقال في سياق سياسي واجتماعي مشحون، أعقب موجة احتجاجات شبابية شهدتها عدة مدن مغربية خلال الأشهر الماضية، طالبت بتحسين خدمات الصحة والتعليم وتوسيع فرص الشغل، ورفعت شعارات تدعو إلى “رحيل الحكومة”، وسط انتقادات متجددة وُجّهت إلى أخنوش بشأن تضارب المصالح، بالنظر إلى حضوره القوي في قطاع المحروقات.
في المقابل، قدم أخنوش قراره باعتباره جزءاً من التداول الداخلي وتجديد القيادة، مؤكداً أن الحزب “يرفض منطق الزعامات الخالدة”، وأن تحديد الولايات القيادية خيار مبدئي يعكس قناعة بأن القيادة مسؤولية مؤقتة وليست امتيازاً دائماً.
تحولات المزاج العام في المغرب
في كلمة ألقاها أمام المؤتمر الاستثنائي، شدد أخنوش على أن قوة الأحزاب السياسية “لا تُقاس بمدة بقاء الأشخاص في مواقع القيادة، وإنما بقدرتها على التجدد وضمان الاستمرارية”. وأوضح أن قراره عدم الترشح لولاية ثالثة جاء “بعد تفكير معمق”، واستند إلى احترام القوانين الداخلية ومبادئ الديمقراطية الحزبية، فضلاً عن تقييم دقيق لمتطلبات المرحلة المقبلة.
كما اعتبر أن ما تحقق خلال مسار الحزب “لم يكن جهداً فردياً”، بل حصيلة عمل جماعي، وتراكم ثقة بُني على مدى سنوات.
غير أن طريقة الانتقال داخل الحزب، أثارت أسئلة لدى متابعين وباحثين بشأن طبيعة التجديد وحدوده، ومدى ارتباطه بالتحولات التي عرفها المزاج العام في المغرب، خلال الشهور الأخيرة.
آلية تمرير القيادة
اعتبر أستاذ الدراسات السياسية في جامعة شعيب الدكالي بالجديدة، محمد الزهراوي، أن تنظيم المؤتمر الاستثنائي جاء “ضعيفاً”، وأساء إلى صورة العمل الحزبي، ولا سيما في ظل وجود مرشح وحيد، دون تقديم ورقة سياسية أو برنامج واضح، ما جعل المتابعين، بحسب تعبيره، “غير قادرين على فهم الأسس التي جرى على ضوئها التصويت على قيادة جديدة”.
وأضاف الزهراوي، في تصريحات لـ”الشرق”، أن “حزباً يقود الحكومة ويتصدر المشهد الانتخابي كان بإمكانه إتاحة مجال أوسع للتنافس الداخلي وفتح نقاش عمومي حقيقي، بدل تمرير انتقال القيادة بهذه الطريقة”.
واعتبر أن ما جرى يعكس “أزمة أعمق داخل الحزب”، تتعلق بـ”ضعف النقاش السياسي”، وغياب ما وصفه بـ”الإبداع الحزبي”، مشيراً إلى أن “تركيبته التنظيمية تبدو أقرب إلى تجمع لفاعلين تحكمهم المصالح، أكثر من كونها دينامية سياسية قائمة على البرامج والرؤى”.
تأتي خطوة أخنوش في سياق ضغط اجتماعي واسع مرتبط بارتفاع الأسعار وتراجع الثقة في أداء الحكومة، إلى جانب انتقادات بشأن ضعف التواصل مع الرأي العام. كما واجه الرجل نقداً سياسياً متكرراً بشأن تضارب المصالح، خصوصاً بالنظر إلى نشاطه الاقتصادي في قطاع المحروقات، باعتباره مالك مجموعة “أكوا” وشركة “إفريقيا” التي تدير شبكة محطات وقود رئيسية في البلاد.
سابقة سياسية
في هذا الإطار، قال أستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري بجامعة محمد الخامس في الرباط، أحمد بوز، إن قرار أخنوش “لا يمكن اعتباره ذاتياً محضاً”، بالنظر إلى طبيعة الشخصية والمسار الذي راكمه الرجل القادم من عالم المال والأعمال.
وأضاف بوز، في تصريحات لـ”الشرق”، أن ما جرى يُعد “ربما سابقة” في المشهد السياسي، إذ يقدم قائد حزب ورئيس حكومة على مغادرة قيادة حزبه في وقت كانت فيه المؤشرات توحي بأن الحزب ما يزال قادراً على تحقيق نتائج متقدمة في انتخابات 2026.
واعتبر المتحدث أن الاحتجاجات الشبابية كانت من بين المؤشرات الدالة على أن أخنوش لن يستمر في ولاية حكومية أخرى، مشيراً إلى أنه “وجد نفسه في وضع لم يعد فيه قادراً على تحمّل الضغط وردود الفعل”، سواء بفعل موجة الاحتجاجات أو نتيجة صراعات داخل دوائر القرار.
كما وصف بوز أخنوش بأنه أقرب إلى “موظف يؤدي مهمة محددة”، معتبراً أن مهمته الأساسية تمثلت في إنهاء مرحلة حكم الإسلاميين ممثلين في حزب العدالة والتنمية، ومع طيّ تلك المرحلة، “انتهت مهمته السياسية”.
ويرى أستاذ العلوم السياسية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله في فاس، مصطفى المريني، أن قرار عزيز أخنوش عدم الترشح لولاية ثالثة على رأس حزب التجمع الوطني للأحرار “أربك المشهد الحزبي والسياسي”، ووضع عدداً من القيادات الحزبية في موقف حرج، في ظل تشبثها بمواقعها عبر ولايات ثالثة ورابعة، بما يتنافى مع روح التداول الديمقراطي داخل الأحزاب.
واعتبر المريني، في تصريحاته لـ”الشرق”، أن “هذا القرار لا ينبغي اختزاله في كونه مسألة تنظيمية داخلية، بل يجب قراءته في سياق أوسع”، يرتبط بمنطق “دوائر القرار” وإعادة ترتيب الأدوار داخل المنظومة السياسية، خاصة أن صعود أخنوش إلى قيادة الحزب جاء في سياق إعادة ضبط التوازنات السياسية، التي أعقبت سنة 2016.
وبحسب الأستاذ الجامعي، فإن أخنوش استنفد دوره بعد أن حوّل الحزب إلى “آلة انتخابية”، قادت إلى تشكيل حكومة 2021، غير أن استمراره في المشهد السياسي “أصبح مكلفاً”، لا سيما في ظل تصاعد الاحتجاجات واتساع انتقادات تضارب المصالح، ما يجعل قراره مؤشّراً على بداية مرحلة سياسية جديدة مع اقتراب انتخابات 2026.
احتواء احتجاجات “جيل زد”
من جهته، يرى أستاذ العلوم السياسية محمد الزهراوي، أن قرار أخنوش يمكن تفكيكه عبر ثلاثة مستويات مترابطة: أولها، تراجع شعبية حزب التجمع الوطني للأحرار ورئيس الحكومة خلال الأشهر الأخيرة، وفق مؤشرات متعددة.
مضيفاً أن “ثانيها، اتساع فجوة التواصل بين رئيس الحكومة والرأي العام”، وما نتج عنها من “فراغ تواصلي” ساهم في تراكم الأزمات، بينما أشار إلى أن “ثالثها، تصاعد موجات الاحتجاج”، خصوصاً تلك المرتبطة بما بات يُعرف بـ”جيل زد”، والتي “كشفت محدودية قدرة الحكومة على التفاعل مع الفعل الاحتجاجي واحتواء الغضب الاجتماعي”.
وأضاف الزهراوي، في تصريحات لـ”الشرق”، أن الدولة لم تكن، في بعض المحطات، تتوفر على “آليات فعّالة لامتصاص التوتر وتدبير الرأي العام”، وهو ما جعل أخنوش يتحول تدريجياً إلى “عبء سياسي”، قبل الوصول إلى سيناريو خروج يسعى إلى الحفاظ على “ماء الوجه”.
إعادة ترتيب المشهد السياسي
بحسب أستاذ العلوم السياسية أحمد بوز، فإن “جملة من المؤشرات توحي بدخول المغرب مرحلة إعادة ترتيب للمشهد السياسي، قد تفضي إلى استمرار الأغلبية نفسها، ولكن بقيادة جديدة وربما بحزب مختلف، من دون أن يعني ذلك بالضرورة حدوث تغيير جذري في السياسات العمومية أو في الاختيارات الكبرى للدولة”.
واعتبر بوز، أن حزب التجمع الوطني للأحرار، يدخل المرحلة المقبلة وهو في وضعية “خاسر 1–0″، إذ إن خروج أخنوش من موقع رئاسة الحكومة قد يترتب عنه عملياً تراجع جزء من التمويل السياسي، وتفكك شبكة المصالح، التي تشكّلت حوله خلال السنوات الأخيرة.
وأضاف أن الحزب اعتمد، خلال مرحلة أخنوش، على طبقة سياسية براجماتية تتحرك بمنطق المصالح، وهو ما يطرح سؤالاً مركزياً حول مستقبل تماسكه الداخلي: هل سيتمكن الأحرار من الحفاظ على وحدته التنظيمية، أم أن انتقالات محتملة نحو أحزاب أخرى ستبرز في صفوف بعض الذين “تحلّقوا” حول أخنوش؟
وشبّه بوز ما يجري بوضعية فريق يغادره مدربه في الأمتار الأخيرة من البطولة، قبيل بلوغ النهائي، كما طرح تساؤلاً بشأن هوية من يقود الحزب سياسياً في المرحلة المقبلة، متسائلاً عمّا إذا كان من الممكن تصور محمد شوكي رئيساً للحكومة المقبلة. ورجّح أن ذلك قد يكون ممكناً في مرحلة لاحقة، غير أن الانتقال الراهن يحمل، وفق قراءته، دلالة أساسية مفادها أن “رئاسة الحكومة المقبلة لن تكون من نصيب التجمع الوطني للأحرار”.
وبحسب المتحدث، يبرز حزب الاستقلال (يمين) كأبرز مستفيد محتمل من هذا التحول، بالنظر إلى استقراره التنظيمي وتماسك قيادته، في ظل غياب بدائل واضحة داخل باقي الأحزاب السياسية.
سيناريوهات سياسية محتملة في المغرب
في ضوء هذا التحول، تبرز ثلاثة سيناريوهات رئيسية للمرحلة المقبلة:
- السيناريو الأول: استمرار نفس التحالف الحكومي، لكن بقيادة حزب آخر، مع ترجيح تقدم حزب الاستقلال (يمين وسط) إلى واجهة رئاسة الحكومة.
- السيناريو الثاني: تراجع الأحرار انتخابياً وتفكك جزء من بنيته التنظيمية، مع انتقال بعض المنتخبين والفاعلين نحو أحزاب منافسة (الأصالة والمعاصرة أو الاستقلال).
- السيناريو الثالث: إعادة تشكيل حكومة بواجهة جديدة وتوازنات مختلفة، دون تغيير جوهري في السياسات العامة، في إطار ما يصفه بعض الباحثين بـ”تدوير النخب”.
