أثار سقوط “إل مينشو” زعيم كارتل “خاليسكو الجيل الجديد” (Jalisco New Generation Cartel)، أقوى منظمة إجرامية بالمكسيك، في وقت سابق من فبراير الحالي، تساؤلات بشأن مستقبل العنف المرتبط بالاتجار بالمخدرات في البلاد.

ففي الساعات التي أعقبت سقوط نيميسيو أوسيجيرا سيرفانتس، المعروف باسم “إل مينشو”، ردّ أعضاء التنظيم بموجة عنف شملت إحراق حافلات وسيارات ومحطات وقود ومنشآت تجارية، ناشرين الرعب بين السكان.

واستمرت الاضطرابات في الأيام الأخيرة، لكن بدرجات أقل، ثم بدأت الأمور تعود تدريجياً إلى سيطرة القوى الأمنية، مقارنة بالموجة الأولى من التوتر.

أسئلة تُثير القلق

ومع ذلك، قد يبدو مستقبل هذا “الكارتل” ضبابياً، وسط تساؤلات عن كيف سيعيد التنظيم نفسه بعد أن خسر زعيمه؟ كما بدأت توقعات البعض بحدوث نزاعات داخلية بين الطامحين لوراثة “إل مينشو”، إلى جانب ما يثار عن تداعيات تفجّر صراع كهذا، وأين سينتهي به المطاف، سواء بين أجنحة العصابة الإجرامية المتناحرة، أو بينها وبين قوى الأمن المكسيكية.

ورأى فيكتور سانشيز، الخبير في الأمن العام بالمكسيك والباحث في الجامعة المستقلة في كواهويلا، أن أجواء الهدوء النسبي، التي أعقبت ردّ الكارتل “الحارق”، لا تعني أن العنف لن ينفجر في الأيام المقبلة.

وفي حديث لـ”الشرق”، قال سانشيز إن “اختفاء زعيم أكبر منظمة إجرامية في المكسيك يخلق فراغاً في قيادتها يتعين ملؤه، وقد تتمكن المنظمة من إدارة ذلك بسرعة، أو قد تتعثر في إدارة مسألة خلافة إل مينشو وتدخل في مسار من التفكك”.

وأشار إلى أن من بين السيناريوهات المحتملة “انتقال السلطة داخل الكارتل من دون اضطرابات كبيرة، أو نشوب صراع بين القادة الإقليميين للسيطرة إذا ما برز مثل هذا النزاع، ما قد يولّد بؤراً جديدة من العنف ويؤدي إلى تفكك داخل التنظيم”.

وفي حالة “سينالوا” (Sinaloa)، أحد أشهر الكارتلات في المكسيك، أدّى اعتقال خواكين “إل تشابو” جوسمان، في عام 2016، إلى قيادة مزدوجة، ثم إلى خيانة أحد القادة، إسماعيل “إل مايو” زامبادا، الذي تعرّض لاحقاً للخيانة وسُلِّم إلى الولايات المتحدة. وانتهى كلٌّ من هذا الكارتل وكارتل الخليج إلى التراجع والضعف نتيجة صراعات السلطة الداخلية.

“المواجهة ليست في صالح الفاسدين”

ويعتقد سانشيز أن الضربة التي استهدفت رأس الكارتل، الذي يحقق، وفق تقديرات، مليارات الدولارات من الاتجار بالميثامفيتامين والفنتانيل وغيرها من المخدرات الاصطناعية، قد لا تؤدي بالضرورة إلى تقليص الجريمة.

ونبّه إلى أن “استهداف القيادات على مدى السنوات أدى إلى ظهور المزيد من المنظمات الإجرامية، والمزيد من الفاعلين المهتمين بالاتجار واسع النطاق، ما عزّز التهريب ليس فقط إلى الولايات المتحدة بل إلى مناطق أخرى في العالم أيضاً”، موضحاً أن الكارتلات المكسيكية تسعى، وبشكل متزايد، إلى أسواق جديدة في أوروبا أو آسيا.

وتحدث خبراء عن وجود إعادة توجيه في استراتيجية مكافحة المخدرات في ظل حكومة الرئيسة المكسيكية كلوديا شينباوم، ففي حين حافظ سلفها وحليفها أندريس مانويل لوبيز أوبرادور على سياسة دافعت عن شعار “عناق لا رصاص”، والتي اعتبرها كثيرون سياسة تسامح، روّجت الرئيسة الحالية لعمليات ضد الجريمة المنظمة، شملت مصادرات، واعتراض سفن تحمل وقوداً مهرّباً، وزيادة الاعتماد على العمل الاستخباراتي.

وبحسب سانشيز، بدأت هذه الإجراءات بالفعل تؤثر في “السياسيين الفاسدين الذين يعملون لصالح الجريمة المنظمة”.

ضغوط ترمب.. والانتقادات الداخلية

منذ عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، تخضع الحكومة المكسيكية لضغوط مستمرة للتحرك ضد الكارتلات، وأقرت وزارة الدفاع بتلقي معلومات استخباراتية من الحكومة الأميركية لتحديد موقع “إل مينشو”.

غير أن غياب خطة لمنع ردّ الكارتل على العملية أثار انتقادات، ومنها ما وجهتها البرلمانية والسفيرة المكسيكية السابقة سيسيليا سوتو، التي قالت لـ”الشرق” إن ردود الفعل على العملية اندلعت “في 20 ولاية من أصل 32 ولاية في المكسيك”، مشيرة إلى أن التحركات الانتقامية كانت “أسرع بكثير من تحركات فعل الجيش”.

وأضافت سوتو، التي سبق أن ترشحت أيضاً لرئاسة المكسيك، أنه “لم يكن هناك تخطيط واضح حقاً بشأن ما ينبغي فعله لحماية المجتمع المدني”، لافتةً إلى أن أعضاء الكارتل “أظهروا قوة نارية وتنسيقاً أكبر من الجيش، مع رد فعل عنيف للغاية”.

ورفعت عاصفة العُنف الأخيرة مستوى الخوف لدى الشعب المكسيكي إلى حد كبير. وهو خوف مُبرّر في بلد يُقدَّر عدد المنخرطين فيه، ضمن عصابات الجريمة المنظمة، بنحو 185 ألف شخص، في ما تُسجل الدولة أكثر من 130 ألف مفقود سنوياً، يُعتقد أن كثيرين منهم ضحايا الكارتلات.

مفقودون ومئات المقابر الجماعية

وهذا الخوف، هو ما تُعبّر عنه جوادالوبي أجيلار، التي فقدت ابنها خوسيه لويس أرانا في ولاية خاليسكو الواقعة تحت هيمنة كارتل “خاليسكو الجيل الجديد”، الذي كان يقوده “إل مينشو”.

وفي حديث لـ”الشرق”، قالت أجيلار: “نعيش في خوف دائم”.

وأضافت السيدة نفسها: “نخشى أن نركب سيارة، ثم نُجبر على النزول منها ويتم إحراقها”، في إشارة إلى الأساليب التي يستخدمها الكارتل.

وعلى غرار مئات العائلات في المكسيك التي تبحث عن أحبّاء مفقودين، تواصل أجيلار محاولات معرفة مصير ابنها الذي اختفى عام 2011 في ظروف غير محددة.

وفي خاليسكو وحدها، يتجاوز التقدير الرسمي لعدد المفقودين 16 ألف شخص، حيث من الشائع رؤية أشخاص في الولاية يتجولون حاملين المجارف، كي يستعملوها في التنقيب عن جثث وبقايا بشرية قد توفّر أدلة لأحبتهم وفلذات أكبادهم.

وبفضل الجهود التي تبذلها منظمات مثل “عائلات متحدة من أجل مفقودينا في خاليسكو” (Familias Unidas por Nuestros Desaparecidos Jalisco)، التي تقودها أجيلار، تم تحديد العديد من المقابر الجماعية في الولاية.

وتفيد نيابة خاليسكو لشؤون المفقودين أنه تم اكتشاف 266 مقبرة منذ عام 2018، بينها 53 مقبرة عُثر عليها في عام 2025 وحده.

وفي هذا السياق، تشرح أجيلار: “إذا تلقينا معلومات عن مكان به قبور سرّية، نُبلغ الشرطة ويبدأ البحث في الموقع، وفي السابق، كنا نضطر إلى الحفر بأنفسنا، لكن لاحقاً تم إنشاء هيئات متخصصة في الولاية لتكثيف البحث عن المفقودين، ومع ذلك لا تزال تفتقر إلى القدرة الكافية للتعامل مع هذا العدد الكبير من القضايا”.

وأشارت إلى أنها تلقت مكالمات هاتفية تتضمن تهديدات تطلب منها التوقف عن البحث عن ابنها، لكن ذلك لم يثنها عن مهمتها، إذ أكدت في حديثها لـ”الشرق” إصرارها على أنشطتها المتعلقة بالبحث عن المفقودين “رغم الخوف والحزن الناجمين عن الإحساس بأن أوضاع البلاد، بعد كل هذه السنوات، لا تتحسن”، وفق تعبيرها.

أما بالنسبة لروزانا رينجيلو، الكاتبة والباحثة المتخصصة في شؤون العنف في المكسيك، فإن عملية بالحجم الذي نفذه الجيش المكسيكي مؤخراً من دون مرافقة شرطية أو احتواء اجتماعي للسكان “خطيرة للغاية” لأنها “لا تسيطر على الفوضى” التي قد تنجم عنها.

المجتمع بين الخوف والاستمالة

وفقاً لرينجيلو، تتمتع منظمات الجريمة بانتشار ونفوذ واسع في ولايات مكسيكية مختلفة، حيث تقوم بإخضاع المجتمعات تارةً عبر الترهيب والتخويف، وتارةً أخرى عبر الاستمالة بواسطة الموارد المالية. كما تحتفظ بخلايا نشطة في أنحاء متعددة.

وقالت: “هذا ما رأيناه خلال الهجوم الأخيرة، حيث تمكّنت المنظمات الإجرامية من جعل أكثر من نصف البلاد في حالة شلل، بما في ذلك تعطيل السكان وعمال النقل وحركة المواطنين”.

وأعربت الباحثة المتخصصة في شؤون العنف عن شعورها بـ”تشاؤم كبير” لعدم وجود استراتيجية أمنية حكومية حازمة لمكافحة الكارتيلات.

وحول تقييمها للوضع، قالت: “إنه بالغ التعقيد، حيث شهدنا على مدى أكثر من 20 عاماً استمرار حالات الإفلات من العقاب ونمو الجريمة المنظمة تحت مظلة حماية الدولة وفشلها”، معتبرة أن “السياسات العابرة للحدود لا تهدف إلا إلى قطع رأس التنظيم، لكنها لا تفككه”.

ومع تزايد الشكوك بين المكسيكيين، طُرح حتى تنظيم كأس العالم- التي تُعدّ غوادالاخارا، عاصمة ولاية خاليسكو، إحدى مدنها المستضيفة- موضع تساؤل.

وقالت السفيرة المكسيكية السابقة سيسيليا سوتو بشأن الحدث الرياضي في جوادالاخارا، الذي سيُقام بعد ما يزيد قليلاً على 100 يوم، إنه “في هذه اللحظة لا أعتقد أن ذلك ممكن”، وذلك بسبب خطر وقوع نوع من الهجوم من قبل مجرمين. 

لكنها أشارت، في المقابل، إلى أن كارتل خاليسكو قد يأخذ أيضاً في الاعتبار أن صورته أمام السكان ستتضرر بشدة إذا استهدف الحدث، وبالتالي قد يكون من المستبعد ارتكاب أعمال عنف خلال تلك الفترة.

شاركها.