– كريستينا الشماس

لم تكن المهن في دمشق القديمة مجرد وسيلة لكسب الرزق، بل شكّلت عبر قرون طويلة جزءًا أساسيًا من النسيج الاجتماعي والهوية الحضرية للمدينة.

في الأزقة الضيقة، والأسواق المسقوفة، والحارات المتجاورة، نشأت مهن ارتبطت بأسماء العائلات، وانتقلت من الجد إلى الابن ثم إلى الحفيد، حتى غدت المهنة لقبًا اجتماعيًا يعرّف العائلة قبل أن يعرّف الفرد.

هذا النمط من التوارث المهني لم يكن استثناء، بل قاعدة اجتماعية أسهمت في تنظيم الحياة الاقتصادية والثقافية، وأمّنت احتياجات المجتمع اليومية، من الغذاء واللباس إلى الأدوات المنزلية والمنتجات الفكرية والروحية.

ومع مرور الزمن، تحولت هذه المهن إلى جزء من التراث السوري غير المادي، وحملت دمشق من خلالها سمعتها كمدينة للصناعة الحرفية الدقيقة والذوق الرفيع.

ومع تراجع كثير من هذه المهن اليوم، أو تغير أشكالها، يعود الحديث عنها بوصفها أكثر من مجرد حرفة، بل ذاكرة جماعية وهوية لا تزال حاضرة في أسماء العائلات، وواجهات الأسواق، وحكايات البيوت الدمشقية.

مهنة تُورث واسم يلازم العائلة

راجت في دمشق القديمة منذ قرون مهن توارثها أفراد العائلة الواحدة جيلًا بعد جيل، حتى التصقت المهنة بالعائلة كلها، وغدت صفة دائمة لها ولقبًا تُعرف به بين العائلات الأخرى.

الباحث في التراث الدمشقي الدكتور أنس تللو، قال في محاضرته حول التراث الدمشقي التي تلقت نسخة منها، إن هذا التوارث لم يكن خيارًا فرديًا بقدر ما كان جزءًا من البنية الاجتماعية للمدينة، حيث كان الابن يتعلم المهنة داخل البيت أو الدكان، في إطار علاقة يومية مع الأب أو الجد.

برزت أسماء عائلات مثل الحلاق، وترجمان، والداية، والبواب، والحداد، والسيوفي، والشالاتي، والحمصاني، والقضماني، والأرمشي، وغيرها، كدليل على مدى ارتباط الاسم بالمهنة، بحسب تللو، ولم يكن اللقب مجرد توصيف وظيفي، بل علامة اجتماعية تحدد موقع العائلة داخل المجتمع، وتدل على مهارتها ومكانتها.

اعتبر تللو أن هذا النمط من التوارث عزز الاستمرارية في جودة الإنتاج، إذ إن المهنة كانت تمارس بوصفها إرثًا يجب الحفاظ عليه، لا مجرد عمل عابر.

كما ساعد على خلق شبكة من العلاقات الاقتصادية والاجتماعية داخل المدينة، حيث يعرف الناس بعضهم من خلال المهنة قبل الاسم الشخصي.

مهن الحياة اليومية

قال الباحث في التراث الدمشقي الدكتور أنس تللو، إن أهمية المهن الدمشقية العائلية، تأتي من كونها كانت تؤمّن كل حاجيات المجتمع آنذاك، دون الحاجة إلى مصادر خارجية. فقد شكلت هذه المهن منظومة متكاملة تلبي احتياجات الناس اليومية، المادية منها والمعنوية.

برزت مهنة العجّان، في مجال الغذاء، وهو الفران الذي يقدم الخبز، ومهنة القصّاب الذي يؤمّن اللحم، إضافة إلى مهن ارتبطت بالحلوى والمشروبات مثل القطيفاتي صانع القطائف، والقضماني صانع القضامة، والعرقسوسي الذي كان يطوف في الحارات صيفًا مناديًا على شراب العرقسوس.

أما في مجال الأثاث والأدوات المنزلية، فقد عرفت دمشق عائلات امتهنت الصباغة لتعديل ألوان الملابس، والصبّانة لصناعة الصابون، إلى جانب مهنة القباقيبي، التي لم تقتصر على صناعة القباقيب الخشبية، بل شملت معظم أدوات المطبخ الخشبية، مثل مدقّات الكبة، والشوبك، والهاون، والملاعق الكبيرة، والمنخل، وقوالب الحلويات، وحتى صناعة “النمالي” التي كان يُحفظ فيها الطعام وقاية من الحشرات.

وعلى الصعيد الفكري والثقافي، لفت تللو إلى مهنة الصحّاف، أي بائع الكتب، الذي كان مركزه في سوق “المسكية” قرب نهاية سوق “الحميدية”، إضافة إلى مهنة العطّار، التي تطورت من بيع العطور إلى السكاكر ثم الأعشاب الطبية، ما يعكس قدرة هذه المهن على التكيّف مع تغير حاجات المجتمع.

هوية دمشق في عيون الزائرين

لا تقتصر أهمية المهن الدمشقية العائلية على بعدها الاقتصادي والاجتماعي، بل تمتد إلى بعدها الثقافي والسياحي.

بيّن الباحث في التراث الدمشقي الدكتور أنس تللو، أن هذه المهن أسهمت في تكريس صورة دمشق كمدينة للحرف اليدوية الراقية، واستقطبت عبر الزمن زوارًا من مختلف أنحاء العالم، فكم من سائح أوروبي، كما يذكر تللو، سعى لاقتناء قطعة من البروكار الدمشقي، الذي يُعد من أفخم الأقمشة في العالم، أو الأغباني المطرّز بخيوط الذهب والفضة، أو قطع الخشب المصنوعة من الموزاييك المزخرف أو المصدّف اللامع.

“هذه المنتجات لم تكن مجرد سلع، بل تمثل خلاصة مهارة متوارثة، وذائقة جمالية تشكلت عبر أجيال”، بحسب تللو.

ويرى تللو أن ما يميز المهن الدمشقية العائلية هو قدرتها على التحول إلى هوية بصرية وثقافية، جعلت من الأسواق القديمة متاحف حيّة، ومن الدكاكين ورشات ذاكرة، تحكي قصة مدينة حافظت على روحها رغم التحولات.

اليوم، ومع تراجع كثير من هذه المهن أمام الإنتاج الصناعي والتغيرات الاقتصادية، تبقى أسماء العائلات، والمنتجات المتبقية، والشواهد المعمارية، دليلًا على مرحلة شكّلت جوهر الهوية الدمشقية، مرحلة لم يكن فيها العمل مجرد وظيفة، بل صار امتدادًا للعائلة، وركنًا من أركان التراث السوري الذي لا يزال حاضرًا في الذاكرة، وإن غاب عن الحياة اليومية.

المصدر: عنب بلدي

شاركها.