ألقى إلبريدج كولبي، وكيل وزارة الحرب الأميركية “البنتاجون” للسياسات، خطاباً في مؤتمر ميونخ للأمن، حمل رسالة تحذير لحلفاء الولايات المتحدة في حلف شمال الأطلسي “الناتو”، إذ اعتبر كولبي، أن الأيام التي كانت فيها الولايات المتحدة الضامن الأساسي لأمن أوروبا “انتهت”، مؤكداً أن “الواقع الاستراتيجي الأساسي هو هذا: يجب على أوروبا أن تتحمل المسؤولية الأساسية عن دفاعها التقليدي”.

وهي رسالة سبق أن نقلها الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى حلفاء بلاده عبر الأطلسي، وشددت عليها إدارته بقوة في أحدث وثائقها الاستراتيجية.

ومع ذلك، ما زال الأوروبيون في حيرة بشأن مصدر لهجة ترمب الجديدة والمتشددة تجاه حلف الناتو، بحسب “بوليتيكو”. 
 
وأوضحت المجلة، أن أحد الأجوبة على هذه المسألة يمكن العثور عليه في مكان “غير متوقع”، وهو ورقة بحثية أصدرها  الأكاديمي البريطاني والمؤرخ المحافظ سومانترا مايترا في عام 2023.

الناتو الخامل

وفي هذا البحث، الذي نشره “مركز تجديد أميركا” The Center for Renewing America، وهو مؤسسة بحثية يمينية موالية لترمب، عرض مايترا تصوراً نظرياً لما سماه “الناتو الخامل”، وهو إعادة تخيّل جذرية للتحالف الغربي، تلعب فيه الولايات المتحدة دوراً أصغر بكثير مقارنة بحلفائها الأوروبيين.

وكتب مايترا، أن هذا “الناتو الجديد” سيكون “خاملاً”، يُبقيه في ما يشبه “حالة سبات عميق” ما لم يظهر تهديد “هيمني” للأمن الغربي.

وأفادت تقارير بأن ورقة مايترا البحثية، التي حوّلها لاحقاً إلى مقال واسع النقاش في مجلة “فورين أفيرز”، جرى تداولها داخل الدائرة الضيقة لمستشاري ترمب في السياسة الخارجية، كما أُدرجت توصياته السياسية الرئيسية لاحقاً في استراتيجية الأمن القومي واستراتيجية الدفاع الوطني للإدارة.

وشددت الوثيقتان على أهمية “نقل الأعباء” بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين، وهو المصطلح الذي روّج له مايترا بديلاً عن مفهوم “تقاسم الأعباء” الأكثر مرونة الذي تبنته إدارات سابقة.

وقالت “بوليتيكو”، إنها أجرت مقابلة مع مايترا بشأن منطق السياسة الجديدة لترمب، وما الذي ينبغي على الأوروبيين توقعه مع دفع الولايات المتحدة الحلف نحو وضعية “أكثر خمولاً”. 

وقال مايترا: “لو كنت أقدم المشورة لحكومة أوروبية، لنصحتها بالجلوس مع الولايات المتحدة وطلب جدول زمني وخطة واضحة لخفض القوات. فهذا سيحدث حتماً يوماً ما، ومن الأفضل الاستعداد له من الآن”.

حل وسط 

وأوضح مايترا أن “الناتو الخامل”، يُعد عقيدة نظرية تتناول مفهوم نقل الأعباء، وتسعى إلى إيجاد حل وسط بين الانسحاب الأميركي الكامل من أوروبا من جهة، والاستمرار في الاستراتيجية الأميركية الحالية القائمة على الدفاع المتقدم والتمركز الأمامي والهيمنة الكاملة على القارة الأوروبية من جهة أخرى. 

ويقوم هذا التصور، في جوهره، على ثلاثة مكونات، تتشابه إلى حد كبير مع ما يرد في استراتيجية الأمن القومي، غير أن مفهوم “الناتو الخامل” طرحها أولاً.

أولاً، يتضمن مفهوم “نقل الأعباء”، وهو تعبير يقول مايترا إنه ساهم في صياغته. فبعد أن كان النقاش يدور حول “تقاسم الأعباء”، بات اليوم يتمحور حول “نقل الأعباء”، إذ يمكن للولايات المتحدة الإبقاء على المظلة النووية أو القوة البحرية في أوروبا، لكن معظم المهام اللوجستية والاستخباراتية والقوات البرية والمشاة ستقع على عاتق الأوروبيين. 

وثانياً، يتولى الأوروبيون القيادة. فالولايات المتحدة ترأس حالياً القيادات القتالية داخل الناتو، لكن هذه القيادة ستنتقل إلى الجنرالات والأدميرالات الأوروبيين.

أما المرحلة الأخيرة، فتتمثل في التعهد بعدم توسيع الحلف مستقبلاً. ويرى مايترا أن الناتو “يجب أن يكون كياناً بحدود نهائية، لأن وضع استراتيجية كبرى لكيان يتغير ويتوسع باستمرار أمر غير ممكن”. وبحسب هذا الطرح، سيصبح الناتو “نادياً مغلقاً” على وضعه الحالي.

صعود الصين

وعن ضرورة هذا التحول والمشكلة التي يسعى إلى حلها، أوضح مايترا، أن “السياسة الخارجية لأي دولة ترتبط بعوامل بنيوية. والواقع البنيوي للعالم اليوم يتمثل، من جهة، في صعود الصين كمنافس ندّي في آسيا، وهو منافس من مستوى مختلف تماماً مقارنة بأي قوة كبرى واجهتها الولايات المتحدة في تاريخها”.  

ومن جهة ثانية، هناك “الحرب العالمية على الإرهاب” التي استمرت 20 عاماً واستنزفت الخزينة الأميركية. فالولايات المتحدة غارقة في ديون هائلة، كما سئم الرأي العام الأميركي من الحروب التي لا تنتهي، حسبما يرى مايترا. 

واعتبر مايترا، في حديثه مع مجلة “بوليتيكو”، أن أفضل سبيل للمضي قدماً، هو “إحداث تغيير جذري في الاستراتيجية الكبرى”، عبر تبني مبدأ “موازنة النفوذ في الخارج “. ويعني ذلك أن أوروبا تظل مهمة للغاية بالنسبة لواشنطن، لكن الولايات المتحدة ستكون في الأساس قوة في نصف الكرة الغربي. 

ويضيف أن الولايات المتحدة ستتدخل بالطبع في أوروبا إذا برز “تهديد هيمني”، لكن في غياب مثل هذا التهديد، فإن أوروبا “مستقرة وغنية وقوية وحليفة لواشنطن”، وبالتالي يمكنها تحمل قدر أكبر بكثير من أعباء الأمن القاري.

ويقول مايترا إن هناك تداخلاً كبيراً بين الأفكار. ويوضح أنه لا يتحدث باسم الإدارة، لكنه يعلم أنها اطلعت على مفهوم “الناتو الخامل”، وأن مراجعة المقترحات الصادرة عنها تظهر تشابهاً واضحاً بين العقيدتين، حتى في استخدام مصطلح “نقل الأعباء”.

وأشار إلى خطاب ألقاه وزير الحرب الأميركي، بيت هيجسيث، في بروكسل العام الماضي، تحدث فيه عن عدم توسع الناتو ليشمل أوكرانيا. كما تتطرق استراتيجية الأمن القومي واستراتيجية الدفاع الوطني إلى “نقل الأعباء وعدم توسيع الحلف”، إذ تنص الأولى صراحة على أنه لا ينبغي أن يكون هناك توسع إضافي للناتو.

كذلك جرى تسليم قيادات قتالية إلى البريطانيين والألمان والبولنديين والإيطاليين، وهو ما يمثل ركناً آخر من أركان “الناتو الخامل” التي جرى توظيفها في الاستراتيجية الأميركية.

سحب القوات الأميركية

يرى مايترا أن عمليات سحب القوات الأميركية، كان يمكن أن تكون أوسع، لكنه لا يعتبرها جوهر الاستراتيجية. فانتشار القوات يخضع في نهاية المطاف لإرادة الرئيس ترمب، ويمكن تغييره في أي وقت.

ويضيف أن التحولات الأكبر تجري في اتجاهين: الأول، تسليم القيادات القتالية وقيادات القوات المشتركة إلى الأوروبيين، ما يؤهل الضباط الأوروبيين لـ”ممارسة صلاحيات أوسع وتحقيق قدر أكبر من التكامل العملياتي، دون اعتماد كامل على الأميركيين، وهو تحول جوهري بحد ذاته”.

أما الاتجاه الثاني، فيتعلق بالوثائق الاستراتيجية نفسها. فعندما تتضمن استراتيجية الأمن القومي مفهوم “نقل الأعباء”، فإن الأوروبيين يتعاملون معها بوصفها الاستراتيجية الكبرى للولايات المتحدة، ويبنون قواتهم تبعاً لذلك. 

ويضرب أمثلة على ذلك، بتجارب سابقة، مثل “النظام العالمي الجديد” في عهد جورج بوش الأب، و”الحرب على الإرهاب” في عهد جورج بوش الابن، أو ثنائية “الاستبداد مقابل الديمقراطية” في عهد الرئيس الأميركي السابق جو بايدن.

ويخلص مايترا في حديثه لـ”بوليتيكو”، إلى أن “الحديث العلني عن نقل الأعباء سيؤثر بحد ذاته في تشكيل القدرات الأوروبية، إذ سيدفع الأوروبيين إلى التحرك لتعويض الانسحاب الأميركي، بما يخلق تأثيراً تراكمياً داخل القارة”.

الدفاع المشترك

وأوضح مايترا، أن الناتو كان عملياً “خاملاً” طوال معظم مرحلته الأولى في الفترة بين عامي 1949 و1991، إذ كان تحالفاً دفاعياً أُنشئ لسيناريوهات “الطوارئ القصوى”.

ويضيف أن قراءة مفهوم “الناتو الخامل” تظهر أنه لا يدعو في أي وقت إلى انسحاب كامل، ولا إلى التخلي عن الدفاع المشترك لأوروبا. 

وتنص المادة الخامسة من ميثاق الناتو على أن أي دولة تتعرض لهجوم يحق لها طلب مساعدة بقية الأعضاء، الذين يقررون بدورهم شكل مشاركتهم تبعاً لطبيعة التهديد. ويرى مايترا أن هذا المبدأ لا يتغير مع “الناتو الخامل”. فإذا طُلب من الولايات المتحدة الدفاع عن أوروبا في مواجهة تهديد هيمني، يبقى الكونجرس الأميركي مخولاً باتخاذ قرار التدخل والدفاع.

ويضيف أن السؤال الحقيقي يتعلق بطبيعة التهديد. فإذا واجهت أوروبا خطراً شبيهاً بـ”الرايخ الثالث أو الاتحاد السوفياتي”، فإن الأمر يختلف تماماً، وحينها يتعين على الولايات المتحدة التدخل، لأن استراتيجيتها الكبرى كانت دائماً منع توحيد أوروبا تحت هيمنة قوة واحدة. 

وبخلاف ذلك، يرى مايترا أن “الناتو الخامل” يعكس إلى حد كبير طبيعة الحلف في مرحلته الأولى. 

التهديد الروسي

يرى مايترا أن تقييم كولبي صحيح في اعتبار روسيا مصدر إزعاج إقليمي أكثر منها تهديداً هيمنياً. فهي قوة ربما تمتلك نزعة انتقامية، لكنها تفتقر إلى القدرة على ترجمة هذه الطموحات إلى سيطرة فعلية على أوروبا.

ويؤكد أنه لا يوجد سيناريو عسكري واقعي يمكن أن يشهد دبابات روسية تجتاح بولندا أو ألمانيا أو فرنسا. 

ومع ذلك، يقر بأن روسيا تمتلك نحو 6 آلاف رأس نووي، ما يستدعي إيجاد صيغة تلبّي بعض مصالحها من دون أن تشكل تهديداً انتقامياً حقيقياً. ويرى مايترا أن ذلك يتطلب حواراً مع الروس ومع الألمان، مع الإقرار بأن قدرة الولايات المتحدة على إدارة هذه الملفات من مسافة بعيدة تظل محدودة.

وتساءل: “إذا لم يكن هذا هو الوقت المناسب، فمتى سيكون؟ وإذا كانت روسيا تشكل تهديداً انتقامياً، أليس من المفترض أن يدفع ذلك الأوروبيين إلى إعادة التسلح بسرعة؟ وإذا لم يفعل، فما الذي سيفعل؟”.

المصالح أساس التحالفات 

يقول مايترا إنه، بصفته مؤرخاً عسكرياً وواقعياً، لا يرى أن الروابط الثقافية أو الحضارية تشكل أساساً صلباً للتحالفات، وأن “التحالفات تُبنى على المصالح”. 

وأضاف: “في نهاية المطاف، لا يهم من يحكم أوروبا الغربية، سواء كانت ألمانيا أو فرنسا أو بريطانيا، فهذه الدول ستظل الأهم بالنسبة لنا، لأسباب تتعلق بالجغرافيا وحجم القوى البشرية والقدرة الإنتاجية. ولذلك، لا أقتنع كثيراً ببعض الطروحات الحضارية، وأرى أن جانباً كبيراً منها لا يتجاوز كونه خطاباً سياسياً”. 

وعن تأثير هذا الخطاب، يقول مايترا، إنه لو كان في موقع المسؤولية، لفضّل قدراً أكبر من الانضباط في اللهجة، مع التمييز بين الأحاديث الخاصة والاستراتيجية الكبرى. ويضرب مثلاً بالقول: “قد لا أحب جاري، لكن إذا اشتعل منزله، سأحاول إنقاذه”.

خطة زمنية للانسحاب الأميركي

يكرر مايترا أنه لو كان يقدم النصح لحكومة أوروبية، لدعاها إلى التفاهم مع الولايات المتحدة على جدول زمني وخطة واضحة لخفض القوات. ويشير إلى أن ردود الفعل الأوروبية على نقل القيادات القتالية ونقل الأعباء كانت “إيجابية إلى حد كبير، إذ كانوا يتوقعون ذلك”. 

ويرى أنه على الأوروبيين حسم مسألتين أساسيتين: “الأولى، الإقرار بأن الولايات المتحدة هي الجهة الأنسب لتوفير الردع النووي لأوروبا، وأن أي حديث عن سلاح نووي أوروبي مستقل لا جدوى منه”.

أما الثانية، فتتعلق بالتفاصيل العملية، مثل تحركات القوات واللوجستيات. ويقول إنه “على الأوروبيين الجلوس مع الأميركيين لتحديد جداول زمنية واضحة لنقل هذه الأعباء”. 

ويضرب مثالاً بإمكانية سحب 20 ألف جندي أُرسلوا إلى أوروبا بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في عهد بايدن، معتبراً أن إبلاغ الأوروبيين بخطة زمنية واضحة، مثل سحب هذه القوات بين عامي 2026 و2028، سيساعدهم على الاستعداد والتخطيط. 

شاركها.