– كريستينا الشماس
تتزايد مشكلة النفايات في سوريا عامًا بعد عام، لتتحول من ملف خدمي تقليدي إلى أزمة بيئية وصحية خانقة، تنعكس على تفاصيل الحياة اليومية للسكان.
فمع تراجع إمكانات البلديات، وغياب أنظمة جمع فعالة، وتراكم المكبات العشوائية، إضافة إلى الحرق المتكرر للنفايات في الهواء الطلق، صارت المخاطر البيئية والصحية ظاهرة للعيان في المدن والبلدات.
وفي الوقت الذي تتجه فيه دول عديدة نحو إعادة التدوير كقطاع اقتصادي قادر على توليد فرص عمل وموارد ذاتية، لا تزال سوريا بعيدة عن أي خطوات جدية في هذا الاتجاه، ما يجعل الفجوة بين حجم النفايات وبين القدرة على إدارتها تتسع باستمرار.
على مدار سنوات، تابعت هذا الملف من زوايا مختلفة، بدءًا من تراجع خدمات النظافة، وصولًا إلى المبادرات الفردية التي يحاول أصحابها تحويل النفايات إلى مورد اقتصادي وسط غياب أي رؤية رسمية متماسكة، وأبرزت هذه المتابعة عمق المشكلة وتعقيدها، وكذلك حجم الفرص الضائعة في ظل غياب مشاريع تدوير منظمة يمكن أن تسهم في التخفيف من الأزمة بدل تراكمها.
غياب النظرة الاستثمارية والدعم الحكومي
رغم أن قطاع النفايات يعد في دول كثيرة رافدًا اقتصاديًا مهمًا، لا تزال النظرة الرسمية في سوريا محصورة في إطار إداري تقليدي، لا يتعامل مع النفايات بوصفها موردًا اقتصاديًا قابلًا للاستثمار، بل كعبء يجب التحكم به.
هذا الواقع جعل من مشاريع التدوير مبادرات فردية صغيرة تعتمد على الجهود الذاتية، في ظل غياب التشريعات المشجعة، أو الدعم الحكومي، أو أي بيئة تنظيمية تسمح بنموها.
مدير ومؤسس شركة “كوكب ريسايكل” لإعادة التدوير في مدينة داريا بريف دمشق، غيث شربجي، تحدث ل عن تجربته في قطاع تدوير النفايات التي بدأت بعد مغادرته سوريا عام 2015 متوجهًا إلى فرنسا، وباشر بالبحث هناك عن مهنة يمكن أن تسهم في إعادة بناء سوريا يومًا ما، ليقوده ذلك إلى قطاع النفايات بوصفه أحد المسارات السريعة والفعالة لدعم المدن المتضررة.
بدأ شربجي في فرنسا بتطوير تطبيق باسم “كوكب” ، موجه للعاملين في جمع الخردة والمواد القابلة لإعادة التدوير، لمساعدتهم على إيجاد المواد المطلوبة بسرعة وزيادة دخلهم اليومي.
وبعد عودته إلى سوريا حاول نقل التجربة التقنية، إلا أن ضعف البنية التكنولوجية وغياب البنية التحتية المناسبة حالا دون تنفيذ الفكرة، فاتجه إلى تأسيس مركز عملي لإعادة التدوير في داريا يعتمد على شراء وفرز البلاستيك والكرتون والنايلون وبعض المعادن.
يحاول شربجي تقديم أسعار مجدية لجامعي النفايات تشجعهم على البيع، رغم محدودية الموارد وضعف البيئة التنظيمية، ويرى أن الدولة تنظر إلى النفايات بوصفها “مخزونًا يجب احتكاره”، بدل اعتبارها موردًا اقتصاديًا يمكن أن يخلق فرص عمل ويخفف أعباء البلديات، معتبرًا أن هذه العقلية عطلت نمو أي صناعة حقيقية للتدوير خلال العقود الماضية.
وأوضح شربجي أن التواصل مع الجهات المحلية “قائم لكنه ضعيف وغير فعال”، ولا توجد مبادرات لدعم مشاريع التدوير أو توفير بيئة استثمارية مناسبة.
ويرى أن مؤسسات الدولة لا تزال تتعامل مع ملف النفايات بعقلية إدارية مغلقة، لا بوصفه قطاعًا اقتصاديًا منتجًا، إلى جانب اعتماد مشاريع القطاع العام أنظمة قديمة تمنع القطاع الخاص من الدخول بفاعلية، مع احتكار بعض المسارات التجارية المرتبطة بالنفايات والمعادن.
منع التصدير.. عقبة تخنق قطاع التدوير
قال مدير ومؤسس شركة “كوكب ريسايكل” لإعادة التدوير في مدينة داريا بريف دمشق، غيث شربجي، إن واحدة من أكبر العقبات أمام عمل شركات إعادة التدوير هي منع تصدير المواد المعالجة، مبينًا أنه رغم شراء النفايات وفرزها ومعالجتها بتكاليف عالية، تُمنع الشركات الخاصة من التصدير، إلا عبر سلسلة طويلة من الموافقات “شبه المستحيلة”، بحسب تعبيره.
ووصف شربجي بيع المواد داخل سوريا لتجار محددين بـ“الاحتكار المقنّع” الذي يعطل نمو هذا القطاع، ويمنع الشركات من تغطية نفقاتها أو توسيع نشاطها.
واعتبر أن هذا المنع يشكل “ضربة قاسية” للمشاريع الصغيرة، التي تعتمد على التصدير باعتباره مصدرًا أساسيًا للعائدات، في ظل غياب سوق محلية قادرة على استيعاب المواد المعاد تدويرها، أو دفع أسعار تعادل تكاليف المعالجة.
ما الحل
رغم حجم التحديات، يرى مدير ومؤسس شركة “كوكب ريسايكل” لإعادة التدوير في مدينة داريا بريف دمشق، غيث شربجي، أن الحلول ممكنة إذا جرى التعامل مع قطاع النفايات بعقلية اقتصادية لا إدارية.
ويجب أن تكون نقطة البداية، بحسب شربجي، من “النبع”، أي من المنزل والمدرسة والمؤسسات العامة، عبر اعتماد نظام بسيط للفرز الأولي داخل المنازل، يقوم على حاويتين فقط، واحدة للنفايات العضوية والمبللة، وأخرى للمواد القابلة لإعادة التدوير كالورق والبلاستيك.
وأشار إلى أن هذا النظام يمكن أن يخفف نصف حجم النفايات، ويسهل على القطاع الخاص جمع المواد القابلة للبيع مستقبلًا عبر تطبيقات تقنية.
كما تحدث عن أهمية بناء الوعي البيئي في المدارس، معتبرًا أن تغيير سلوك الجيل الأكبر سنًا صعب، بينما يمكن تأسيس ثقافة فرز النفايات لدى الجيل الجديد بسهولة أكبر.
ويرى شربجي أن الحل الواقعي على المدى القريب، هو تسليم إدارة ملف النفايات للقطاع الخاص عبر مناقصات رسمية، خاصة مع اعتراف البلديات بنقص العمالة والآليات.
وقال إن الشركات الخاصة قادرة على إدارة مساحات واسعة بكفاءة متى توفرت البيئة القانونية المناسبة.
شربجي يعتبر أن إيمانه بأهمية إعادة إعمار سوريا هو الدافع الرئيس للاستمرار في مشروعه بإعادة تدوير النفايات، مبينًا أن كل ما قام به من مشاريع وتجارب في فرنسا كان بهدف العودة إلى سوريا والمساهمة في إعادة بنائها من جديد.
وبحسب رأيه، فإن قطاع التدوير يحمل إمكانات اقتصادية واجتماعية كبيرة لم تُستثمر بعد.
من الحلول المستدامة لإدارة النفايات، بحسب تقرير للدكتورة إليزابيث جرين الخبيرة في البيئة والاستدامة، على موقع “Sigmaearth” (منصة الاستدامة الشاملة المخصصة لخلق مستقبل أكثر اخضرارًا واستدامة)، هي:
فصل المصدر وإعادة التدوير، ويعني فصل الأشياء التي يمكنك إعادة تدويرها عن الأشياء التي لا يمكن استخدامها في المكان الصحيح.
السماد، وهي ممارسة صديقة للبيئة تعود بفوائد عدة، والأمر يتعلق بأخذ النفايات العضوية، مثل بقايا المطبخ، وقصاصات الفناء، وبقايا المحاصيل، وتحويلها إلى تربة غنية بالمغذيات.
تقنيات تحويل النفايات إلى طاقة، وهناك طريقتان شائعتان هما الحرق (طريقة ذكية للتخلص من النفايات وفي نفس الوقت توليد الطاقة) والهضم اللاهوائي (ويشبه إعادة التدوير في الطبيعة).
مبادرات الاقتصاد الدائري، وهو الاستمرار في استخدام المنتجات والمواد وإعادة تدويرها بشكل متكرر، ويتعلق الأمر بإعادة التفكير في كيفية الاستهلاك والإنتاج.
الأنظمة الذكية لإدارة النفايات، وتعني استخدام وتطويع الأجهزة المتطورة للحد من انتشار النفايات، مثل أجهزة استشعار خاصة وأجهزة كمبيوتر تراقب مدى امتلاء صناديق القمامة، ما يمنع القمامة من التراكم وإحداث الفوضى في الأحياء.
مرتبط
المصدر: عنب بلدي
