تستقبل الهند عام 2026 بالعديد من التحديات داخلياً وخارجياً، إذ يتعيّن عليها، إدارة علاقاتها المتوترة مع بعض جيرانها، ودول أخرى، إلى جانب إدارة ملفات داخلية عدة، أبرزها الاقتصاد.

خارجياً، ثمة ترقب لما يحمله العام الجديد تجاه التوتر الحدودي المستمر مع الصين بسبب ما يُسمى “خط السيطرة الفعلي” عند الحدود المتنازع عليها بين البلدين في منطقة الهيمالايا، والأزمة مع باكستان بشأن “خط السيطرة” الفاصل بينهما في إقليم كشمير الذي تتنازعان عليه، وإدارة علاقتها المتوترة مع الولايات المتحدة، وعلاقتها المعقّدة مع روسيا في ظل الضغوط الأميركية.

وتواجه الهند، مُشكلات خطيرة على جبهات عدة، في ظل تدهور العلاقات مع جارتها الغربية باكستان؛ وسوء العلاقات مع بنجلاديش على حدودها الشرقية، بينما تشهد علاقاتها مع الولايات المتحدة حالة من التقلب، خاصة خلال الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب، وفيما تُؤكد نيودلهي أن علاقاتها مع الصين آخذة في التحسن، إلا أن محللين يشككون في صحة هذا الادعاء معتبرين أن هناك خلل في إدارة علاقات بلادهم مع الدول المجاورة، مشددين على ضرورة إصلاح هذا الخلل.

خلل في العلاقة مع واشنطن

المحلل في شؤون الدفاع والضابط سابق في الجيش الهندي، برافين ساوني، يتوقع أن تشهد الهند في عام 2026 “مفاجآت وصدمات وحالة من عدم الاستقرار، بسبب سياسة نيودلهي الخارجية المُربكة والمتناقضة”.

وبرر توقعه، في تصريحات لـ”الشرق”، بـ”عداء الهند تجاه الصين وباكستان، وخضوعها لمصالح الولايات المتحدة”، على حد تعبيره.

الخبير في شؤون السياسة الخارجية الهندية ومؤلف كتب عدة في هذا المجال، كالوول بهاتاتشاريا، يشارك ساوني الرأي نفسه، مشيراً إلى أن اعتماد نيودلهي على الولايات المتحدة كلّفها الكثير، وأن المرحلة المقبلة تتطلب عمليات تصحيح واسعة.

وقال لـ”الشرق”: “في مسالة علاقات الهند مع القوى العظمى، كان عام 2025 بمثابة جرس إنذار لنيودلهي، وعلى مدى نحو 30 عاماً، كان هناك توافق بين نيودلهي وواشنطن على أن العلاقات الهندية- الأميركية ستظل راسخة، لكن فجأة ظهر قلق من أنه لا يمكن الاستمرار فيها بالشكل الحالي”.

وقال الكاتب والخبير في الشؤون الخارجية، سوفوجيت باجتشي: “كل ما شهدناه خلال الأشهر القليلة الماضية، يعكس أن التوافق الحزبي الأميركي (سواء من الديمقراطيين أو الجمهوريين) بشأن الهند لم يعد قائماً”.

وأضاف لـ”الشرق”: “نوع المشكلات التي تواجهها الهند مع الصين، جعل من الصعب جداً على الهند تحقيق توازن في علاقاتها مع روسيا والولايات المتحدة”.

علاقة “مصالح فقط.. لا صداقة”

بهاتاتشاريا يتوقع أن “تستمر عملية إعادة الضبط العلاقة خلال هذا العام أيضاً”، معتبراً أن “التحدي الكبير يتمثل في تصحيح هذا المسار”، وأنه “بات واضحاً الآن أن الولايات المتحدة لم تعد صديق الهند في كل الظروف، وأن ما تبقى من هذه الصداقة قائم فقط على المصالح”.

وتسعى الولايات المتحدة، وروسيا، والصين إلى ترسيخ نفوذها في جنوب آسيا، وفي هذا السياق، يقول برافين ساوني إن مجموعة “بريكس” تُعد مؤسسة بالغة الأهمية، غير أن استضافة قمتها تمثل تحدياً كبيراً للهند، التي ستترأس المجموعة في عام 2026، لافتاً إلى وجود “ضغوط على نيودلهي من الأميركيين وكذلك من الصين”.

وتضم دول مجموعة “بريكس” البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا، بالإضافة إلى مصر والإمارات وإثيوبيا وإيران التي انضمت عام 2024، وتُمثّل دول المجموعة ثلث مساحة اليابسة في العالم، ويعيش فيها أكثر من 45% من إجمالي السكان، وأيضاً نحو 45% من إجمالي احتياطات العالم النفطية.

ويرى ساوني أن الولايات المتحدة، في الأهداف الاستراتيجية طويلة المدى، همّشت الهند، رغم تصرف الأخيرة بوصفها “دولة تابعة” للأولى، على حد وصفه؛ وفي المقابل، رفضت نيودلهي عرض موسكو بإقامة شراكة متكافئة، بسبب رفض السلطات الهندية تطبيع علاقاتها مع الصين.

الجوار الإقليمي.. أكبر التحديات

توتر العلاقات لا يقتصر على القوى الكبرى فقط، إذ إن علاقات الهند مع جيرانها اتسمت على مرّ السنوات بسلسلة من التحديات والمشكلات، فقد أدت التطورات الأخيرة في بنجلاديش، إلى تدهور العلاقات بين البلدين الجارين.

ومع تبادل نيودلهي ودكا الاتهامات بشأن زعزعة العلاقات الثنائية، تتزايد التساؤلات بشأن ما إذا كانت علاقتهما الوثيقة، التي صمدت طويلاً أمام الاختبارات، تتجه إلى التآكل وربما التفكك إلى حدّ يصعب إصلاحه.

قبل يومين فقط، علّق البلدان خدمات التأشيرات في عدد من المدن، من بينها دلهي، واتهم كلٌّ منهما الآخر بعدم توفير الأمن الكافي لبعثاته الدبلوماسية، كما استدعى الطرفان المفوضين الساميين لدى كل منهما، لبحث المخاوف الأمنية المتبادلة.

وتصاعد الغضب منذ أن لجأت رئيسة الوزراء البنجلاديشية السابقة الشيخة حسينة إلى نيودلهي، ومنذ ذلك الحين تتزايد حدة التوتر بين البلدين.

الهند وباكستان.. العُقَد التاريخية

العلاقات الهندية – الباكستانية أكثر تعقيداً بطبيعتها، ووصلت هذا العام إلى أدنى مستوياتها تاريخياً، بعد اندلاع حرب قصيرة بين الدولتين النوويتين، في أعقاب هجوم وقع بمنطقة باهالجام في كشمير في أبريل 2025.

هذه الحرب أثارت مخاوف عالمية من تطورها إلى مستويات خطيرة؛ ومنذ ذلك الحين يتراكم التوتر، فيما يلاحظ خبراء غياب أي مؤشرات، أو جهود تُذكر لاستئناف الحوار أو تثبيت وقف إطلاق النار على طول خط السيطرة في إقليم كشمير المتنازع عليه.

وفي 12 ديسمبر الماضي، اتهم نائب رئيس الوزراء الباكستاني إسحاق دار، الهند بـ”استخدام المياه كسلاح” من خلال “التلاعب” بتدفقها إلى بلاده.

وأكد دار أن “مثل هذا السلوك الهندي غير القانوني، وغير المسؤول ينطوي على كل المقومات التي تؤدي إلى اندلاع أزمة إنسانية في باكستان”، معتبراً أن “التلاعب المستمر في تدفقات المياه من قبل الهند يُعد انتهاكاً للقانونين الدولي والإنساني”.

وحذّر من لجنة الأمن القومي الباكستانية، أعلنت “أن أي محاولة لوقف أو تحويل تدفق المياه إلى باكستان بموجب المعاهدة ستُعدّ عملاً حرباً”.

في المقابل، لم تردّ الهند على هذه الاتهامات، غير أن هذه التصريحات تعكس بوضوح استمرار الشرخ القائم بين الجارين.

من جانبه، يؤكد وزير الخارجية الهندي إس. جايشانكار، أن المحادثات بين نيودلهي وبكين أسهمت في تخفيف التوتر، إلا أن خبراء يرون أن العلاقات بين البلدين لم تعد إلى وضعها الطبيعي بعد.

الهند والصين.. حوار بلا تطبيع

كالوول بهاتاتشاريا يعتبر أن الحفاظ على الهدوء في المناطق الحدودية مع الصين “يتطلب جهوداً متواصلة، كما أن تثبيت الوضع القائم الحالي يُعد تحداً كبيراً للهند”.

ويعبِّر ساوني عن قناعة لديه تعود لسنوات كما يقول لـ”الشرق”، بأن “الهند لن تُطبّع علاقاتها مع الصين، لأنها تعتمد بشكل كبير على الولايات المتحدة. فاللقاء والحوار شيء، وتطبيع العلاقات شيء آخر مختلف تماماً”.

ويستشهد بأن بلاده تستثمر “بالكامل في العلاقة مع الولايات المتحدة، رغم أن أميركا لا تملك دوراً واضحاً لنا، ومع ذلك نظل ملتزمين بها. وعلى المستوى الإقليمي، فإن باكستان والصين باتتا معاً الآن، وهذا ما يجب أن ننتبه إليه”.

ويبقى السؤال الأهم: ما هو الطريق للمضي قدماً بالنسبة للهند في ظل هذا الوضع؟ وهل تستطيع التعامل بسهولة مع هذه التحديات وتدهور العلاقات، أم أن صعوباتها ستتفاقم؟

إجابة على ذلك، توقع الكاتب المتخصص في شؤون النزاعات والمحلل في السياسة الخارجية سانجاي كابور، أن تتزايد تحديات السياسة الخارجية الهندية بشكل ملحوظ في العام الجديد، مشيراً إلى أن “جميع جيران الهند تقريباً يعبّرون علناً عن استيائهم؛ وهذا يمثل تحدياً هائلاً للهند، والمشكلة الكبرى هي كيفية الخروج من هذا المأزق”.

ويتفق كلٌّ من ساوني وكالوول على أنه بعد إجراء الانتخابات في بنجلاديش ونيبال، في مارس المقبل، وفي ميانمار بنهاية ديسمبر 2025، سيكون بإمكان نيودلهي تحقيق قدر من التوازن في محيطها الإقليمي وتحسين العلاقات الثنائية، إلا أن إعادة ضبط العلاقات مع القوى الكبرى لم تعد أمراً سهلاً في المرحلة الراهنة.

ويشبّه ساوني السياسة الخارجية الهندية اليوم بأنها “كشخص يحاول التوازن فوق كرسييّن – واحد الولايات المتحدة والآخر روسيا – بساقين غير ثابتتين”، معتبراً أن أي سياسة لا يمكن أن تنجح دون سلام مع باكستان، وعلاقات مستقرة مع الصين.

التحديات الداخلية.. عدم المساواة

على الصعيد الداخلي، تواجه نيودلهي عدداً من المشكلات الأساسية، مثل البطالة، وعدم المساواة، وتحدي الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي.

وعلى الرغم من التوقعات القوية لنمو الناتج المحلي الإجمالي، لا تزال بطالة بين الشباب مرتفعة، إذ تتراوح بين 15 و16%؛ وتوجد خلف أرقام النمو اللافتة تحديات هيكلية ربما تعرقل تحقيق تنمية شاملة، من بينها تعمّق عدم المساواة، وارتفاع البطالة، وتصاعد مخاطر التغيّر المناخي، وعدم تكافؤ فرص الحصول على الرعاية الصحية والتعليم.

ولا تزال الهند تعاني من تركّز شديد للثروة، إذ كشف “تقرير عدم المساواة العالمي 2025” عن واقع صارخ، يتمثل في أن أعلى 10% من السكان يستحوذون على نحو 60% من الدخل الوطني، في حين لا يحصل أدنى 50% سوى على 15% فقط.

ولا يظل هذا الواقع حبيس الأرقام، بل يترجم إلى فرص محدودة لملايين المواطنين، لا سيما في المناطق الريفية، وبين النساء، والفئات المهمّشة.

قضايا أمنية

ولا يزال التوتر العرقي المستمر في شمال شرق الهند، ولا سيما في ولاية مانيبور، يمثل اختباراً صعباً للاستقرار الداخلي. 

علاوة على ذلك، فإن التهديدات مستمرة في البنجاب، حيث ثمة مخاوف من عودة النزعات المؤيدة لـ”خالصستان”، (التي ترمز إلى اسم ما يطالب به انفصاليون سيخ كوطن مستقل في إقليم النبجاب وتعني “أرض المخلصين”)، بالتوازي مع استمرار التمرد في جامو وكشمير.

يضاف إلى ذلك الخطر المباشر على الولايات الحدودية مع بنجلاديش في ظل حالة عدم الاستقرار السياسي الحاصلة عنها، والتوتر القائم مع نيودلهي.

وتشهد الهند تصاعداً ملحوظاً في التوتر الطائفي بين مختلف المكونات المجتمعية، إذ أصبحت الاعتداءات على الأقليات المسلمة، والمسيحية أمراً شائعاً في الآونة الأخيرة.

ويؤدي هذا الاستقطاب الحاد في المجتمع إلى حالة من القلق العميق لدى المواطنين العاديين، كما يشكل تهديداً حقيقياً لمسار النمو الشامل.

ومن المتوقع أن تؤدي انتخابات المجالس التشريعية لعام 2026 في ولايات البنجال الغربية وكيرالا وتاميل نادو وآسام وبودوتشيري إلى احتدام المنافسة السياسية وزيادة حدة الاستقطاب.

ويستعد حزب “بهاراتيا جاناتا” القومي الهندوسي (BJP) لمواجهة رئيسة وزراء ولاية البنجال الغربية ماماتا بانيرجي. 

وفي تاميل نادو، يسعى تحالف حزب (AIADMK) مع حزب “بهاراتيا جاناتا” إلى إزاحة حزب “DMK” المتجذر في السلطة. 

أما كيرالا، فتبقى منقسمة سياساً بين الجبهة الديمقراطية اليسارية (LDF)، و”الجبهة الديمقراطية المتحدة” ((UDF، مع محاولات حزب “بهاراتيا جاناتا” توسيع حضوره السياسي.

وفي ولاية آسام، حيث يتولى حزب “بهاراتيا جاناتا” الحكم حالياً، تعكس المنافسة المرتقبة، تطور الصراع بين الحزب الحاكم وحزب المؤتمر، في ظل سعي الطرفين إلى تحقيق الهيمنة السياسية في الولاية.

شاركها.