في موسم يبدو وكأنه يمد يده إلى ملفات المحاكم وأرشيف الأخبار، أكثر مما يمدها إلى خيال المؤلفين، تتصدر الأعمال الدرامية المأخوذة عن وقائع حقيقية المشهد في الموسم الرمضاني المصري هذا العام، لتفرض نفسها كواحدة من أبرز الظواهر الفنية التي تشهدها دراما الشهر الكريم.
وتشهد خريطة رمضان تقديم 9 مسلسلات تستند بشكل مباشر أو غير مباشر إلى قصص وأحداث واقعية حدثت بالفعل، في مقدمتها أعمال تتناول الإرهاب السياسي، وقضايا قتل أسرية هزت الرأي العام، وملفات نسائية من محاكم الأسرة، وصولاً إلى أعمال تستلهم الحرب الأخيرة على غزة، في محاولة لصناعة دراما تمسك بتلابيب الواقع وتعيد تشكيله بلغة الفن.
ويبدو أن دراما رمضان اختارت الانحياز إلى القصص التي صنعت ضجة في الشارع، واحتلت عناوين الأخبار، لتعيد تقديمها في قالب درامي، يراهن على فضول الجمهور، وعلى شغفه الدائم بمشاهدة ما حدث بالفعل، ولكن هذه المرة من خلف الشاشة.
مواجهة درامية مع الإخوان
يأتي مسلسل “رأس الأفعى” في مقدمة الأعمال الرمضانية المستندة إلى وقائع حقيقية، حيث يتناول العمل مواجهة أجهزة الأمن المصرية على مدار سنوات طويلة لجماعة الإخوان، وما ارتبط بها من عمليات إرهابية، من خلال تسليط الضوء على واحدة من أبرز الشخصيات المثيرة للجدل داخل التنظيم، وهو القيادي محمود عزت، الذي يقدم في العمل بوصفه “العقل المدبر” لعدد من المخططات التي شهدتها السنوات الماضية.
ويكشف المسلسل تفاصيل عمليات وأحداث أمنية وسياسية، وكيف تصدت لها الدولة المصرية، في معالجة درامية تضع المشاهد أمام كواليس مرحلة شديدة الحساسية.
العمل من تأليف هاني سرحان، وإخراج محمد بكير، وبطولة أمير كرارة، شريف منير، ماجدة زكي، أحمد غزي، كارولين عزمي، ويُعرض في 30 حلقة.
جريمة قتل أسرة تهز الشاشة
أما مسلسل “إفراج” فيستند إلى قصة حقيقية وقعت في إحدى قرى محافظات مصر منذ نحو عامين، وأثارت ضجة كبيرة، بعدما أقدم أحد الأشخاص على قتل زوجته وأطفاله وإشعال النار في منزله، ما تسبب في وفاة آخرين.
ويقوم ببطولة العمل عمرو سعد، الذي أعلن عبر صفحته الرسمية على “فيسبوك” أن المسلسل مستوحى من “قصة حقيقية وملفات لم تنشر من قبل”، دون الكشف عن تفاصيل الواقعة الأصلية بشكل مباشر.
وتدور أحداث المسلسل حول شخصية عباس الريس الذي تدفعه الضغوط النفسية والصراعات إلى ارتكاب جريمة قتل زوجته وأبنائه، ليحكم عليه بالسجن 15 عاماً، وبعد خروجه يواجه رفض المجتمع لعودته للحياة، في صراع أشد قسوة من السجن نفسه.
المسلسل من تأليف أحمد حلبة ومحمد فوزي وأحمد بكر، وإخراج أحمد خالد موسى، ويشارك في بطولته تارا عماد، حاتم صلاح، عبد العزيز مخيون، علاء مرسي، سما إبراهيم، ويُعرض في 30 حلقة.
زواج مزدوج وجريمة قتل
وفي معالجة تجمع بين الإثارة الاجتماعية والغموض، يقدم مسلسل “الست موناليزا” قصة واقعية أثارت جدلاً في وقت سابق، حول سيدة جمعت بين زوجين في الوقت نفسه، إلى جانب قصة أخرى عن زوجة أقدمت على قتل زوجها بسبب العنف الذي كانت تتعرض له.
وتقوم ببطولة العمل مي عمر، ويشاركها أحمد مجدي، وفاء عامر، شيماء سيف، سما إبراهيم، وهو من تأليف محمد سيد بشير وإخراج محمد علي، ويعرض في 15 حلقة ضمن النصف الأول من شهر رمضان.
قصص من محكمة الأسرة
ومن قلب ملفات محكمة الأسرة، يستمد مسلسل “روج أسود” أحداثه، حيث يتناول العمل 5 قصص واقعية مأخوذة من قضايا تخص المرأة، تفتح ملفات الزواج والطلاق والعنف والخذلان، في إطار درامي متعدد الحكايات.
المسلسل من تأليف أيمن سليم وإخراج محمد عبد الرحمن حماقي، وبطولة رانيا يوسف، داليا مصطفى، لقاء الخميسي، مي سليم، فرح الزاهد، ويعرض في 30 حلقة.
وتؤكد بطلة العمل رانيا يوسف لـ”الشرق” أن شخصيتها في المسلسل “مركبة”، مشيرة إلى أنها تجسد امرأة تدفعها الظروف للزواج عدة مرات، لتتغير حياتها بالكامل.
وأضافت: “قضية وقصة الشخصية التي أقدمها في العمل مأخوذة من إحدى القضايا الحقيقية مثل باقي القصص التي يتناولها المسلسل، وتحمست له لتناوله عدة مشاكل واقعية وبشكل جديد”.
مأساة عدم الإنجاب
أما مسلسل “حكاية نرجس” فيأخذ من الواقع قصة إنسانية مأساوية عن امرأة تعاني من عدم الإنجاب، تدفعها أزمتها النفسية إلى ارتكاب فعل صادم، اختطاف طفل وادعاء أنه ابنها.
وتدور الأحداث حول “نرجس” التي تعيش في منطقة شعبية، وتواجه أزمات متصاعدة بسبب تأخر الإنجاب، قبل أن تنفصل عن زوجها بعد اكتشاف الحقيقة، ثم تتزوج من رجل آخر وتخفي عنه عدم قدرتها على الإنجاب، لتبدأ دائرة الأكاذيب والصراعات.
المسلسل من بطولة ريهام عبد الغفور، حمزة العيلي، أحمد عزمي، عارفة عبد الرسول، ومن تأليف عمار صبري وإخراج سامح علاء، ويعرض في 15 حلقة.
غزة على الشاشة
وفي اتجاه مختلف، يطرح مسلسل “صحاب الأرض” معالجة درامية تستند إلى أحداث واقعية جارية، عبر تناول الحرب الأخيرة على غزة، ورصد معاناة السكان، ومحاولات التهجير، ومشاهد الصمود الإنساني وسط الدمار.
ويضم العمل عدة قصص واقعية تعكس حياة الفلسطينيين في ظل الحرب، في محاولة لصناعة “توثيق درامي” لا يكتفي بالحكاية، لكنه يضع المشاهد أمام مأساة لا تزال مفتوحة على كل الاحتمالات.
المسلسل من تأليف عمار صبري وإخراج بيتر ميمي، وبطولة إياد نصار، منة شلبي، كامل الباشا، آدم بكري، تارا عبود، ويعرض في 15 حلقة خلال النصف الأول من رمضان.
وأكد الفنان إياد نصار أن العمل هو “أقل شيء يمكن تقديمه لغزة”، وقال لـ”الشرق”: “العمل توثيق درامي لأحداث نعايش تفاصيلها يومياً ولازالت جارية حتى الآن، من هنا تأتي صعوبة هذا العمل”.
وأشار إلى أن الفضل في خروج المسلسل يعود إلى الشركة المتحدة، موضحاً أن العمل يختلف شكلاً وموضوعاً عن الأعمال المقدمة في الموسم، مضيفاً: “هو عمل للتاريخ”.
قضايا واقعية
وبجانب الأعمال التي أعلنت بشكل واضح اعتمادها على وقائع حقيقية، هناك 3 مسلسلات أخرى تستلهم موضوعاتها من الواقع، دون الإشارة بشكل مباشر إلى القصص الأصلية، وهي: “قطر صغنطوط”، وهو مستوحى من قضية “سفاح التجمع”، حيث تدور أحداثه حول مذيع يتحول إلى قاتل ويرتكب جرائم قتل لعدة فتيات وسيدات، العمل بطولة محمد رجب، تأليف محمد سمير مبروك، وإخراج هاني حمدي.
ومسلسل “أب ولكن”، والذي يتناول معاناة بعض الآباء في رؤية أبنائهم بعد الانفصال عن الزوجة، وهو من تأليف وإخراج ياسمين أحمد كامل، وبطولة محمد فراج، ركين سعد، هاجر أحمد، ويعرض في 15 حلقة.
وأخيراً مسلسل “إثبات نسب”، والذي يطرح قضية منتشرة في المحاكم المصرية حول سعي امرأة لإثبات نسب طفل أنجبته من زواج عرفي، وهو من بطولة درة، محمود عبد المغني، صدقي صخر، محسن محيي الدين، وإخراج أحمد عبده، ويعرض في 15 حلقة.
رهان مضمون أم مخاطرة؟
وبينما يرى صناع هذه الأعمال أن الواقع أصبح “أكثر غرابة من الخيال”، يرى نقاد أن هذه الموجة تعكس تحولاً في ذائقة جمهور بات يميل إلى القصص التي يشعر أنها تمسه، أو سبق أن تابعها كخبر ثم عاد إليها الآن كحكاية درامية.
ورأى الناقد أحمد النجار أن الواقع أصبح المصدر الرئيسي لصناع الدراما، مؤكداً أن بعض ما يحدث في الحياة اليومية “يفوق خيال المؤلفين”.
وقال النجار لـ”الشرق”: “هناك أحداث نراها في الواقع تتجاوز بمراحل خيال أي مؤلف”، لافتاً إلى أن الأعمال المستوحاة من وقائع حقيقية تحقق نسب مشاهدة كبيرة، مستشهداً بما حققه مسلسل “سفاح الجيزة”، الذي استلهم صُناعه أحداثه من واقعة حقيقية أثارت جدلاً واسعاً.
وأضاف أن الجمهور يترقب أيضاً عملاً سينمائياً مأخوذاً عن واقعة “سفاح التجمع”، وهو ما يعكس استمرار اهتمام الجمهور بقصص الجرائم الواقعية وتحولها إلى مادة فنية.
وفي حين يرى البعض أن الاعتماد على قصص حقيقية يمنح الدراما مصداقية وقوة جذب جماهيرية، يرى آخرون أن هذه الأعمال قد تتحول إلى مجرد “استثمار في الإثارة” إذا لم تُقدم بمعالجة فنية عميقة تحترم أبعاد القضايا الإنسانية.
لكن المؤكد أن موسم رمضان هذا العام يضع المشاهد أمام خريطة درامية تحاول أن تقول بوضوح إن الواقع لم يعد مجرد خلفية للحكاية، لكنه بات هو الحكاية نفسها، بكل ما فيها من عنف وألم وأسئلة معلقة.
