محمد الهلال

في اللحظات المصيرية من تاريخ أي بلد، لا يمكن الحكم على التغيير خلال أيام أو أشهر، ولا من خلال الراتب آخر الشهر، ولا لأن شخصًا لم يحصل على الوظيفة التي كان يحلم بها له أو لابنه. الدول لا تُبنى بهذه الطريقة.

سوريا اليوم تمرّ بلحظة نادرة جدًا. بلد خرج من حرب طويلة، من دمار وخسائر وتشظٍّ، ويحاول أن يبدأ من جديد. حكومة جديدة، مؤسسات تحاول الوقوف على قدميها، وناس تعبوا واستُنزفوا لسنوات. هذه فرصة حقيقية للبناء، وقد لا تتكرر قريبًا.

لكن المشكلة أن بعض الناس يريدون التغيير فورًا، وبالشكل الذي يناسبهم فقط. إذا لم يحصل على وظيفة مباشرة يقول “لم يتغير شيء”. إذا لم يُعيَّن ابنه في المكان الذي يريده يقول “كله كذب”. إذا تأخر تحسّن الراتب أو الخدمات أشهرًا يقول “الوضع أسوأ من قبل”.

هذا يشبه شخصًا بنى بيتًا مهدّمًا، وما إن وضع الأساس حتى بدأ يشتكي: أين الأثاث؟ لماذا لا يوجد كهرباء؟ لماذا لم يصبح البيت جاهزًا؟ مع أن أي عاقل يعرف أن البناء يحتاج إلى وقتا، وصبر، وتدرّج.

الخطر الحقيقي اليوم ليس فقط قلة المال، ولا ضعف الرواتب، بل اليأس السريع، والأنانية اليومية، والنظر إلى الوطن من زاوية ضيقة جدًا: وظيفتي فقط، مصلحتي فقط، ورقة راتبي فقط.

الوطن أكبر من وظيفة، وأكبر من راتب، وأكبر من حلم شخصي تأخر تحقيقه. التغيير الحقيقي لا يُقاس بما حدث اليوم أو هذا الشهر، بل بما يُزرَع الآن ليؤتي ثماره بعد سنوات.

إن خسرنا هذه الفرصة بسبب التذمّر المستعجل، فلن نكون ضحايا الظروف فقط، بل شركاء في إضاعة لحظة تاريخية كان يمكن أن تُنقذ البلد.

في دمشق، سواء في المزة أو جرمانا أو الميدان، كما في حلب من السكري إلى الحمدانية، وفي حمص، ودير الزور، ودرعا، واللاذقية، تسمع العبارات نفسها تُعاد وكأنها نشرة ثابتة لا تتغير، في المقاهي الشعبية، وعلى الأرصفة، وفي طوابير الخبز، وحتى داخل سيارات السرفيس التي تتعطل نصف الطريق ثم يُكمل ركابها الشكوى واقفين: “لم يتغير شيء”، “الرواتب لا تكفي”، “الحكومة لم تفعل ما يكفي”.

كأن التغيير يُقاس بعدد الأصفار في كشف الراتب، أو كأن بلدًا خرج من حرب طويلة يُفترض به، خلال بضعة أشهر، أن يتحول إلى دولة اسكندنافية: كهرباء 24/24، ماء بلا انقطاع، شوارع نظيفة، ورواتب تكفي للسفر والادخار معًا. هذه الشكاوى مفهومة، بل طبيعية، ومن قال إن الناس يجب أن يصمتوا أو يبتسموا قسرًا؟ لكن المشكلة تبدأ حين تتحول الشكوى من تعب يومي مشروع إلى حكم نهائي بالإعدام على التجربة كلها، وكأننا أمام مشروع فاشل لا بداية له ولا أفق.

هل يُعقل أن يُطلب من بلد دُمّرت بناه التحتية في الرقة، وتفككت مؤسساته في حلب، ونُهبت موارده في الشرق والجنوب، أن يستعيد عافيته خلال أشهر؟ وهل يُعقل أن نطالب بثمار ناضجة، قبل أن نرى حتى جذع الشجرة واقفًا من جديد، بعد أن اقتُلعت من جذورها؟

الدولة التي نحاكمها اليوم لا تزال في مرحلة رفع الأنقاض، وعدّ الخسائر، وجمع القطع المتناثرة. وأخطر ما يمكن أن نفعله في هذه اللحظة، هو أن نحاكم البداية بعقلية من يريد النهاية فورًا، ثم يعلن فشلها قبل أن تمشي خطوتها الأولى.

الأخطر من الشكوى، هو ذلك الخطاب الذي يربط دعم الدولة بمصلحة شخصية مباشرة. أن تقول إحداهن: لو وظّفوا ابني في مؤسسة المياه فسأدعم الحكومة، فهذه ليست مطالبة بحق، بل مقايضة للوطن. هنا يتحول الوطن إلى صفقة، والدولة إلى مكتب توظيف، والولاء إلى شرط قابل للبيع والشراء. بهذا المنطق، لا تقوم الدول، بل يُعاد إنتاج الفساد بأسماء جديدة.

الحكومة الجديدة، برئاسة أحمد الشرع، لم تعِد الناس بمعجزات، ولم تزعم أن الطريق سهل أو قصير. لكنها بدأت بما هو أصعب من رفع الرواتب: إعادة الاعتبار لفكرة الدولة، ضبط الإيقاع المؤسسي، كسر منطق الفوضى، ووضع أسس سياسية وإدارية تمنع تكرار ما انهار سابقًا. هذه ليست إنجازات تُقاس بالجيب، بل بالمعنى، وباستعادة الكرامة، وبإعادة تعريف العلاقة بين المواطن والدولة.

إن أخطر ما يمكن أن نفعله اليوم، ليس الفقر ولا الغلاء ولا ضعف الرواتب، بل أن نُضيّع هذه الفرصة بالتشكيك السريع، والإنكار المتعجّل، واللغة العصبية التي تُطلق الأحكام قبل أن ترى الطريق. فالتاريخ، على عكس مواقع التواصل، لا يمنح الشعوب فرصًا بلا حساب، ولا يضغط زر “إعادة المحاولة” متى شئنا. أمم كثيرة أضاعت لحظتها الفاصلة بسبب الانقسام والأنانية، ثم جلست بعد سنوات تتساءل: أين أخطأنا؟ بعد أن كان السؤال قد تأخر كثيرًا.

نحن اليوم بحاجة إلى أن نهدأ قليلًا، وأن نُقلع عن منطق: ماذا سأحصل أنا الآن؟ وكأن الوطن ماكينة صراف آلي. نحتاج أن نفكر مليًا في ما نقوله، لا سيما أمام أبنائنا. فالأب الذي يختزل الوطن في راتب آخر الشهر، والأم التي تنكر أي منجز لأنها لم تستفد شخصيًا، يزرعان في وعي أطفالهما ثقافة اليأس. ثم نندهش لاحقًا لماذا يكبر أبناؤنا ساخرين من كل شيء، ناقمين على كل فكرة عامة.

أبناؤنا لا يسمعوننا وحدنا، هم ينقلون كلامنا إلى مدارسهم، إلى أصدقائهم، إلى أحاديثهم اليومية. وهكذا تتحول جملة عابرة قيلت في بيت صغير، في حماة أو طرطوس أو البوكمال، إلى مناخ عام من السخرية، يُفرغ أي محاولة بناء من معناها، ويقتل الأمل قبل أن يكبر.

أطفال هذه المدن لا يحتاجون إلى مزيد من التهكّم، ولا إلى خطاب يقول لهم إن كل شيء فاشل سلفًا. هم بحاجة إلى رواية صادقة ومتوازنة: نعم، الطريق صعب، والواقع قاسٍ، لكن شيئًا جوهريًا قد استُعيد، الكرامة، معنى الوطن، وبداية التأسيس بعد ضياع طويل، لا بعد رفاه مستقر.

ومن يريد جمع المال وحده، فليتذكر أن هناك من خسر بيته في حلب، أو ابنه في دير الزور، أو سنوات عمره بين نزوح وعودة وانتظار، وما زال صابرًا. وهناك من يعيش اليوم على حدّ الكفاف في أحياء بلا خدمات، عاد إلى بيت مهدّم، يعمل بأجر زهيد، ويقف في طوابير طويلة، لكنه لم يساوم على وطنه، ولم يربط كرامته براتب، ولم يشترِ موقفه بمنفعة.

إنكار ما تحقق ليس “واقعية”، بل نكران خطير، وقد يكلّفنا الكثير: قد يكلّفنا ثقة الجيل الجديد، وقد يكلّفنا تماسك المجتمع،
وقد يكلّفنا ضياع المسار كله ونحن نراقبه ساخرين.

ليس المطلوب تصفيقًا أعمى، ولا صمتًا عن الأخطاء، بل دعمًا واعيًا، ونقدًا مسؤولًا، وصبرًا تاريخيًا، فالدول لا تُبنى بالصراخ وحده، ولا بالغضب اليومي، بل بالوعي، وبالشراكة، وبالإيمان بأن بعض الفرص، إن ضاعت لا تعود.

في النهاية، نحن أمام خيار بسيط في شكله، خطير في نتائجه: إما أن نكون شركاء في إنقاذ هذه اللحظة، أو أن نكون شهوداً صامتين على ضياعها، ثم نلوم الجميع إلا أنفسنا.

المصدر: عنب بلدي

شاركها.