مع انتهاء مهلة الترشيح لمنصب رئيس جمهورية العراق، الاثنين، والتي تقدم إليها 44 شخصاً من تيارات وكتل مختلفة، عاد الجدل الدستوري والسياسي إلى الواجهة، في ظل تساؤلات بشأن التوقيتات القانونية المقبلة، وإمكانية تجاوز المدد الدستورية، وتأثير الخلافات السياسية، لا سيما بين القوى الكردية، على حسم هذا الاستحقاق.
وتتقاطع القراءات القانونية مع الحسابات السياسية لترسم مسار المرحلة المقبلة. وعقد البرلمان العراقي، في 29 ديسمبر 2025، أولى جلساته بعد الانتخابات العامة التي جرت في نوفمبر.
وقال الخبير القانوني علي التميمي لـ”الشرق” إن “المادة (72/ثانياً/ب) من الدستور حددت مدة 30 يوماً كحد أقصى لانتخاب رئيس الجمهورية من تاريخ أول انعقاد لمجلس النواب”، مشيراً إلى أن “هذه المدة تُعد تنظيمية وليست إسقاطاً للحق الدستوري في حال تجاوزها”.
وذكر أن “تجاوز المدة لا يعني مخالفة دستورية، إذ يمكن لرئاسة البرلمان تحديد موعد جديد للانتخاب دون خرق للدستور”.
وأضاف التميمي أن “تفسير المحكمة الاتحادية رقم (24 لسنة 2022) أكد استمرار رئيس الجمهورية في أداء مهامه حتى بعد انتهاء مدة الثلاثين يوماً، بما ينسجم مع القيم الدستورية والمصلحة العامة وضمان استمرارية عمل مؤسسات الدولة، مع الحفاظ على قدسية المدد الدستورية وعدم تجاوزها”.
وحول آلية عقد الجلسة، أشار الخبير القانوني إلى أن “جلسة انتخاب رئيس الجمهورية يجب أن تُفتتح بحضور ثلثي العدد الكلي لأعضاء مجلس النواب، أي ما لا يقل عن 220 نائباً، استناداً إلى قرار المحكمة الاتحادية رقم 16 لسنة 2022، الخاص بتفسير المادة 70 من الدستور”.
وأوضح أن “التصويت يتم بالاقتراع السري المباشر عبر صناديق الاقتراع، مع إعلان أسماء المرشحين وفرز الأصوات بشكل علني”.
ولفت إلى أن “المرشح الذي يحصل على أغلبية ثلثي العدد الكلي في الجولة الأولى يُنتخب رئيساً للجمهورية ويؤدي اليمين الدستورية بحضور رئيس المحكمة الاتحادية، وفق المادة (70) من الدستور والقانون رقم (8 لسنة 2012)”.
وأردف: “في حال عدم حصول أي مرشح على هذه الأغلبية، ينتقل التنافس إلى الجولة الثانية بين أعلى مرشحين، ويفوز من يحصل على أعلى الأصوات”.
وذكر التميمي أن “قرار المحكمة الاتحادية لم يحدد بشكل صريح نصاب الجولة الثانية، ما يفتح باب الجدل بين اعتماد نصاب الثلثين أو الرجوع إلى المبادئ العامة المنصوص عليها في المادة (59) من الدستور، والتي تحدد النصاب بنصف عدد الأعضاء زائد واحد”.
ما بعد انتخاب الرئيس
وأوضح التميمي أن رئيس الجمهورية، بعد أدائه اليمين الدستورية المنصوص عليها في المادة 50، “يمتلك مدة 15 يوماً لتكليف مرشح الكتلة النيابية الأكثر عدداً بتشكيل الحكومة، وفق المادة 76 من الدستور”.
وتابع: “كما يمكن، في حال الاتفاق السياسي، إعلان اسم الكتلة الأكبر خلال جلسة انتخاب الرئيس، ليتم التكليف في الجلسة ذاتها، على أن يقدم المرشح المكلف تشكيلته الوزارية وبرنامجه الحكومي خلال 30 يوماً”.
وفيما يتعلق بإمكانية تولي امرأة منصب رئيس الجمهورية، أوضح الخبير القانوني أن “الدستور العراقي لم يضع أي قيد على جنس المرشح، وأن المواد الدستورية، لا سيما المادتين 14 و16، كرّست مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص، ما يعني عدم وجود مانع قانوني يحول دون تولي امرأة هذا المنصب”.
قراءة سياسية
ومنذ أول انتخابات متعددة شهدها البلد في 2005، يعود تقليدياً منصب رئيس الجمهورية، وهو منصب رمزي بدرجة كبيرة، إلى الكرد، بينما يتولى الشيعة رئاسة الوزراء وهو المنصب الأهمّ، والسنة مجلس النواب، بناء على نظام محاصصة بين القوى السياسية النافذة.
ويقول رئيس مركز التفكير السياسي إحسان الشمري، لـ”الشرق”، إن المفاوضات بين الحزبين الكرديين، الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني، قد تكون وصلت إلى “تفاهمات غير مكتملة، تقوم على قناعة بأن منصب رئيس الجمهورية سيبقى من حصة الاتحاد الوطني، مقابل طموحات الحزب الديمقراطي”.
ورأى الشمري أن ترشيح الحزب الديمقراطي لوزير الخارجية فؤاد حسين، مقابل ترشيح الاتحاد لنزار آميدي “يعكس استمرار سياسة الضغوط القصوى بين الطرفين، في ظل غياب اتفاق شامل، سواء على منصب الرئاسة أو على تشكيل حكومة إقليم كردستان التي لا تزال معطلة، ما يجعل الحسم مرهوناً بلحظات التنازل الأخيرة”.
وبشأن جلسة انتخاب الرئيس، رأى الشمري أن “التحدي لا يكمن في العرقلة السياسية بقدر ما يتمثل في غياب التوافق”، لافتاً إلى أن “النصاب الدستوري (220 نائباً من أصل 329 نائباً) قد لا يتوفر إذا استمرت الخلافات الكردية، خاصة مع تسجيل غيابات واسعة في الجلسات السابقة”.
كما تطرق إلى “احتمال لجوء الإطار التنسيقي إلى تأخير انتخاب الرئيس في حال عدم الاتفاق على مرشح لرئاسة الوزراء، بهدف كسب الوقت”.
وأضاف الشمري أن “حسم منصب رئيس الجمهورية سيضع القوى السياسية أمام استحقاق دستوري ملزم لتكليف رئيس الوزراء خلال 15 يوماً”، متوقعاً أن يتجه الإطار التنسيقي إلى “طرح شخصية غير حزبية أو غير مرتبطة بالفصائل المسلحة، على غرار تجربة حكومة محمد شياع السوداني، لتخفيف الضغوط الخارجية، ولا سيما الأميركية”.
وبين نصوص دستورية مرنة وواقع سياسي معقد، يبقى انتخاب رئيس الجمهورية محطة مفصلية ستحدد سرعة الانتقال إلى استحقاق تشكيل الحكومة. فالتوافق السياسي، ولا سيما داخل البيت الكردي، يبدو العامل الحاسم لتجاوز عقدة النصاب والدخول في المسار الدستوري الكامل، في وقت تزداد فيه الضغوط الداخلية والخارجية لإنهاء حالة الجمود وإطلاق عجلة السلطة التنفيذية من جديد.
