نجح فريق من الباحثين في تطوير تقنية “ثورية” تتيح الطباعة ثلاثية الأبعاد لهياكل دقيقة ومخصصة مباشرة داخل الخلايا الحية.
ووفقاً للدراسة المنشورة في دورية Advanced Materials، فقد استطاع الباحثون تشكيل هياكل معقدة بمقياس الميكرومتر، شملت أنماطاً هندسية ورموز “باركود” وحتى مجسماً متناهي الصغر لحيوان الفيل، ما يثبت دقة هذه التقنية وقدرتها على تطويع المادة داخل الحيز الضيق للخلية.
وتعتمد هذه الطريقة المبتكرة على حقن الخلية بمادة متوافقة حيوياً وحساسة للضوء تُعرف باسم “مقاوم الضوء” ومن ثم معالجتها بنوع خاص من الليزر الذي يعمل على “بلمرة” هذه المادة وتحويلها من حالتها السائلة إلى هيكل صلب بدقة فائقة تقل عن الميكرون.
ولم تحافظ الخلية التي خضعت لهذه العملية على بقائها حية فحسب، بل استمرت في أداء وظائفها الحيوية والنمو والانقسام بشكل طبيعي، بل وقامت بنقل الهيكل المطبوع داخلها إلى إحدى الخلايا الوليدة الناتجة عن عملية الانقسام، ما يؤكد أمان التفاعل الكيميائي وعدم تداخله القاتل مع المكونات العضوية للخلية.
طفرة كبيرة
شهد العالم خلال العقد الأخير طفرة هائلة في تقنيات الطباعة ثلاثية الأبعاد، التي تحولت من أداة صناعية محدودة إلى تقنية محورية تُستخدم في مجالات متعددة تمتد من الإلكترونيات والروبوتات اللينة إلى الطب الحيوي وتجديد الأنسجة.
وفتحت هذه التقنية، التي تقوم على بناء الأجسام طبقة فوق الأخرى بدقة متناهية، آفاقاً جديدة لتصنيع هياكل معقدة لم يكن من الممكن إنتاجها بالطرق التقليدية. ومع ذلك، ظل هناك حاجز لم تتمكن هذه التكنولوجيا من اختراقه حتى وقت قريب وهو العمل داخل الخلايا الحية نفسها.
فالخلية الحية ليست مجرد وحدة بناء بيولوجية، بل نظام معقد وديناميكي، يعمل بتوازن دقيق بين البنية والوظيفة، وأي تدخُّل فيها، خاصة إدخال أجسام صلبة أو هياكل اصطناعية، قد يؤدي إلى تعطيل وظائفها أو موتها. ولهذا السبب، ظل مفهوم “البناء داخل الخلية” أقرب إلى الخيال العلمي منه إلى الواقع التطبيقي.
لكن الدراسة الجديدة قلبت هذه الفكرة رأساً على عقب، ونجحت لأول مرة في طباعة هياكل صلبة ثلاثية الأبعاد مباشرة داخل خلايا حية، مع الحفاظ على قدرتها على البقاء والانقسام.
مقاربة مختلفة
ولا تُمثّل هذه الدراسة مجرد إنجاز تقني معزول، بل تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الهندسة الحيوية، حيث يصبح من الممكن تعديل البيئة الداخلية للخلية نفسها، والتحكم في خصائصها الميكانيكية والبصرية والوظيفية بطرق لم تكن ممكنة من قبل، بل تتجاوز حتى ما يمكن تحقيقه بالهندسة الوراثية التقليدية.
وقال الباحثون إن إدخال أجسام دقيقة إلى داخل الخلايا ظل دائماً تحدياً كبيراً، فالطرق المعروفة، مثل الامتصاص الطبيعي أو البلعمة، لا تنجح إلا مع أنواع محدودة من الخلايا، وغالباً ما تنتهي الأجسام المدخلة داخل حجرات مغلقة داخل الخلية، بدلاً من أن تصل إلى السائل الداخلي حيث تتم معظم العمليات الحيوية. أما الحقن المباشر، فهو عملية حساسة قد تلحق ضرراً بالغشاء الخلوي وتؤدي إلى فقدان عدد كبير من الخلايا.
وفي الدراسة الجديدة، قدّم الباحثون مقاربة مختلفة جذرياً، فبدلاً من إدخال جسم جاهز إلى داخل الخلية، يتم إدخال مادة سائلة متوافقة حيوياً، ثم “بناؤها” من الداخل وتحويلها إلى هيكل صلب وفق تصميم دقيق، باستخدام نبضات ليزر فائقة القصر، وبهذه الطريقة، لا تدخل الخلية جسماً غريباً جاهزاً، بل تشارك فعلياً في عملية تكوينه داخلها.
تعتمد هذه التقنية على مبدأ فيزيائي معروف، يقوم على تفاعل الضوء مع المواد الحساسة له، بحيث لا يحدث التصلب إلا في نقطة دقيقة جداً يتركز فيها الضوء، وعند تحريك هذه النقطة بدقة في ثلاثة أبعاد، يمكن بناء هياكل معقدة بدقة تقل عن جزء من ألف من المليمتر. وقد استُخدم هذا المبدأ سابقاً لطباعة هياكل دقيقة في الهواء أو السوائل، لكنه لم يُستخدم من قبل داخل خلايا حية.
وقال الباحثون إن الخطوة الأولى كانت العثور على مادة مناسبة للطباعة، لا تكون سامة للخلايا في حالتها السائلة، ويمكنها في الوقت نفسه أن تتصلب عند تعرضها للضوء، ثم تذوب ببطء إذا لم يتم تثبيتها، وبعد تجارب متعددة، وقع الاختيار على مادة أثبتت أنها الأقل تأثيراً على الخلايا، ويمكن أن تبقى داخلها لفترة كافية تسمح بإتمام عملية الطباعة.
هياكل مختلفة
تبدأ العملية بحقن قطرة صغيرة جداً من هذه المادة داخل الخلية الحية، باستخدام إبرة دقيقة للغاية. وبعد الحقن، تبدأ القطرة في الذوبان تدريجياً داخل السائل الخلوي، ما يفرض على الباحثين العمل خلال نافذة زمنية محددة. وخلال هذه الفترة، يتم توجيه شعاع ليزر خاص إلى داخل الخلية، بحيث يمر عبر الغشاء دون أن يؤذيه، ويتركز فقط في نقطة صغيرة داخل القطرة.
وعند هذه النقطة، تتحول المادة من حالتها السائلة إلى هيكل صلب، ويتم تحريك نقطة التركيز وفق مسار محدد مسبقاً لبناء الشكل المطلوب، وبعد الانتهاء، تذوب بقايا المادة غير المتصلبة، ويبقى الهيكل الصلب داخل الخلية، محاطاً بمكوناتها الطبيعية.
كيف نطبع مجسماً ثلاثي الأبعاد داخل “خلية” حية؟
الحقن: يتم حقن الخلية بمادة سائلة “حساسة للضوء”. وتبدأ هذه المادة في الذوبان تدريجياً داخل الخلية إذا تُركت دون تدخل.
التثبيت بالليزر: قبل أن تذوب المادة تماماً، يوجه العلماء شعاع ليزر دقيق جداً يرسم شكلاً معيناً مثل الفيل أو باركود، والذي يحوّل بدوره السائل إلى مادة صلبة فوراً، فتتوقف عن الذوبان وتصبح هيكلاً ثابتاً.
التأكد: باستخدام مجهر خاص، صبغ العلماء غشاء الخلية باللون الأحمر والهيكل المطبوع باللون الأصفر، وأثبتت الصور بوضوح أن الهيكل مثل “الفيل” موجود “داخل” الخلية وليس فوقها، لأن غشاء الخلية يغلّفه بالكامل.
ولإثبات قدرة هذه التقنية، نجح الباحثون في طباعة هياكل بأشكال مختلفة داخل خلايا حية، من بينها أشكال رمزية صغيرة، وهياكل شبكية دقيقة، وحتى مجسمات معقدة نسبياً.
وقد أظهرت الصور المجهرية أن هذه الهياكل موجودة فعلاً داخل الخلية، وتغطيها الأغشية الداخلية، ما يؤكد اندماجها في البيئة الخلوية.
وقال الباحثون إن الإنجاز التقني وحده لا يكفي، إذ كان السؤال الأهم هل تستطيع الخلايا البقاء على قيد الحياة بعد هذا التدخل؟ وهل يمكنها الاستمرار في أداء وظائفها الطبيعية؟ وللإجابة عن ذلك، أجرى الفريق سلسلة من التجارب الدقيقة لمراقبة سلوك الخلايا بعد الطباعة.
وأظهرت النتائج أن عدداً كبيراً من الخلايا ظلت حية بعد العملية، ومحتفظة بشكلها الطبيعي وقدرتها على الحركة، كما أن بعض الخلايا التي احتوت على هياكل مطبوعة تمكنت من الانقسام، وانتقلت إلى إحدى الخليتين الناتجتين عن الانقسام، في مشهد يفتح آفاقاً جديدة لفهم كيفية تعامل الخلية مع الأجسام الصلبة داخلها.
سيناريوهات ونسب بقاء
غير أن وجود هذه الهياكل لم يكن بلا تأثير، فقد لوحظ أن الخلايا التي احتوت على هياكل كبيرة نسبياً استغرقت وقتاً أطول في الانقسام مقارنة بالخلايا الأخرى، ما يشير إلى أن إدخال بنية صلبة داخل الخلية يمكن أن يغير من سلوكها البيولوجي.
كما ظهرت مؤشرات على تغير في حركة الخلايا بعد الانقسام، وهو ما يعني أن هذه التقنية لا تكتفي بإضافة عنصر جديد، بل يمكن استخدامها عمداً لتعديل خصائص الخلية.
ولفهم أسباب موت بعض الخلايا، قارن الباحثون بين عدة سيناريوهات، مثل خلايا لم يتم التدخل فيها، وخلايا تم فقط اختراق غشائها وحقْن كمية صغيرة من سائل، وخلايا حقنت بقطرات خاملة، وخلايا طبعت بداخلها هياكل صلبة.
وأظهرت المقارنة أن اختراق الغشاء نفسه يُمثّل العامل الأكبر في فقدان الخلايا، وهو أمر معروف في تقنيات الحقن الدقيقة. ومع ذلك، فإن نسب البقاء كانت مماثلة لما يسجّل في تقنيات حيوية مستخدمة على نطاق واسع، مثل إدخال مواد وراثية إلى الخلايا.
أما من حيث جودة الهياكل المطبوعة، فقد أثبتت التجارب أن الطباعة داخل الخلية لا تقل دقة عن الطباعة في البيئات التقليدية. وعلى الرغم من الاختلاف بين خصائص السائل الخلوي والمادة المستخدمة، فإن التشوهات كانت محدودة للغاية، ويمكن تصحيحها بسهولة عند التصميم. وقد أظهرت الصور أن الهياكل المطبوعة متجانسة وصلبة، ولا تتشقق أو تتشوه حتى أثناء حركة الخلية أو انقسامها.
ونجح الباحثون في تصميم شفرات ثلاثية الأبعاد صغيرة يمكن قراءتها بصرياً، بحيث تحمل كل خلية رمزاً فريداً، وهو ما يفتح آفاقاً جديدة لدراسة سلوك الخلايا الفردية بدلاً من الاكتفاء بالمتوسطات العامة.
إمكانات مستقبلية هائلة
كما جرى تطوير هياكل تعمل كشبكات ضوئية دقيقة، تنتج أنماطاً مميزة عند إضاءتها، ما يسمح بقراءتها عن بُعد دون الحاجة إلى فحص مباشر لكل خلية. ويمكن استخدام هذه الهياكل أيضاً لقياس دوران الخلية أو حركتها في الفضاء.
ولم يتوقف الأمر عند الهياكل الساكنة، إذ تمكّن الباحثون من تصنيع أجهزة نشطة داخل الخلايا، مثل مصادر ضوء دقيقة جداً. ورغم أن هذه التجربة واجهت تحديات تتعلق بتأثير المواد المستخدمة على الخلايا، فإنها تُمثّل دليلاً على أن الخلية يمكن أن تحتوي في المستقبل على أجهزة وظيفية متكاملة.
وأشارت الدراسة إلى إمكانات مستقبلية هائلة، مثل عزل أجزاء معينة من الخلية داخل “غرف” صناعية صغيرة، أو تثبيت عضيات معينة لدراسة وظائفها دون تدميرها، أو حتى التحكم في صلابة الخلية نفسها لدراسة تأثير الخصائص الميكانيكية على الأمراض.
كما يفتح هذا المجال الباب أمام إدخال مكونات موصلة للكهرباء داخل الخلايا، ما قد يؤدي إلى تطوير طرق جديدة لدراسة الإشارات الكهربائية داخلها، أو حتى التحكم فيها. بل إن الباحثين ألمحوا إلى إمكانية إدخال مواد متقدمة تسمح بقياس خصائص فيزيائية دقيقة للغاية من داخل الخلية نفسها.
وقال الباحثون في الدراسة إن الطباعة ثلاثية الأبعاد داخل الخلايا الحية تُمثّل نقلة نوعية في فهمنا لقدرتنا على التفاعل مع الحياة على أدق مستوياتها، فهي لا تكتفي بمراقبة الخلية أو تعديل شيفرتها الوراثية، بل تتيح إعادة تشكيل بيئتها الداخلية بشكل مباشر، ومع استمرار تطوير المواد والأساليب، قد نشهد في المستقبل خلايا “مصممة” تؤدي وظائف جديدة كلياً، ما يحمل إمكانات هائلة للطب، والبحث العلمي، والهندسة الحيوية، ويعيد تعريف حدود ما هو ممكن داخل أصغر وحدات الحياة.
وأكدت المؤلفة المشاركة في الدراسة، ماروشا مور، من معهد جوزيف ستيفان في سلوفينيا، أن هذه الطريقة توفر أداة جديدة تماماً للتلاعب بالخلايا الحية من الداخل، مما يمهد الطريق لنهج مبتكر في دراسة الاستجابات الميكانيكية والبيولوجية للخلية تجاه الأجسام الدخيلة المصممة بدقة.
كما يفتح هذا المسار العلمي تساؤلات ومجالات جديدة حول إمكانية دمج العناصر الميكانيكية مع النظم الحيوية، وهو ما قد يؤدي مستقبلاً إلى تطبيقات طبية وعلاجية تعتمد على بناء واجهات تكنولوجية مباشرة داخل النسيج الحي، ما يغيّر مفاهيمنا التقليدية عن الطب التجديدي والهندسة الحيوية.
