شهدت المملكة بين الخمسينيات والثمانينيات مرحلة تأسيس الفن الحديث. واحتفاء بتلك البدايات والجهود الفردية، أطلقت هيئة الفنون البصرية التابعة لوزارة الثقافة السعودية، معرض “بدايات: بدايات الحركة الفنية السعودية”، الذي يقدّم قراءة توثيقية لمرحلة مفصلية في تاريخ الفن وحياة الفنانين في المملكة.
يقدّم المعرض أكثر من 250 عملاً فنياً لـ73 فناناً سعودياً، إلى جانب مواد أرشيفية خاصة بفناني تلك المرحلة، تتيح قراءات جديدة للسنوات التأسيسية للفن الحديث في السعودية. كما يستعرض أعمالاً تعود إلى الفترة الممتدة من ستينيات إلى ثمانينيات القرن العشرين، بعضها يُعرض للمرة الأولى.
يقام معرض “بدايات” في المتحف الوطني السعودي بالرياض، خلال الفترة من 27 يناير حتى 11 أبريل. ويعدّ بمثابة العرض الافتتاحي لبرنامج بحثي موسّع، تتوّجه هيئة الفنون البصرية بعد عامين من العمل، شمل أكثر من 80 زيارة ميدانية، و120 تقريراً فنياً، و50 مقابلة مع شهود ومعنيين بحفظ ذاكرة تلك المرحلة، وذلك بهدف بناء سردية معرفية متكاملة حول بدايات الفن السعودي الحديث ومصادره وسياقاته.
جهود مقدرة
وقالت دينا أمين، الرئيس التنفيذي لهيئة الفنون البصرية، “يستعرض المعرض مرحلة محورية في تطوّر الفن السعودي الحديث، إذ يجمع بين الأعمال الفنية والمواد الأرشيفية، ليقدم صورة متكاملة لجهود الفنانين الرواد والداعمين الذين أسهموا في تأسيس الحركة الفنية”.
وأكدت أن المعرض “يتيح للجمهور فرصة التفاعل مع تاريخ بصري غني ومتنوّع، ويُبرز أهمية حفظ هذا الإرث بوصفه مرجعاً حيّاً ومصدراً لإلهام الأجيال المقبلة”.
مسارات تجربة البدايات
ينقسم المعرض إلى ثلاثة أقسام رئيسة، تجمع بين التوثيق والأعمال الفينة مختارة. يتناول القسم الافتتاحي أسس حركة الفن الحديث في المملكة، وجذور الحركة الفنية الحديثة، مستعرضاً إسهامات الفنانين في بناء الأطر المؤسسية والمبادرات المستقلة منذ أربعينات القرن العشرين وحتى الثمانينات. كما يتتبع هذا القسم تاريخ إدخال تعليم الفنون في المدارس، ويسلّط الضوء على ممارسين أوائل أسهموا في رسم ملامح الممارسة الحديثة.
يتمحور القسم الثاني للمعرض حول تيارات الحداثة والقضايا التي شكلت الإنتاج الفني. وينظّم عبر أربعة محاور مترابطة تعكس واقع تلك المرحلة: الطبيعة والمشهد، الحياة الاجتماعية، وجوه وملامح، وأحلام ورموز. وقد شكلت هذه الموضوعات فضاءات عبّر من خلالها الفنانون عن الاستمرارية والتحوّل، جامِعين بين الإرث الثقافي المتوارث وواقع متغيّر.
يركز القسم الأخير من المعرض على روّاد الحداثة، وعلى شخصيات محورية أسهمت بدورها في تطوّر المشهد الفني المبكر، من بينهم صفية بن زقر، عبد الحليم رضوي، محمد السليم، منيرة موصلي.
كذلك يركز على منطلقات ممارساتهم الفنية التي بدأت من سياقات محلية متنوّعة في مختلف مناطق المملكة، وطوّروا مقاربات متباينة في الشكل والخامة والموضوع، مع التزام مشترك بالتجريب والخصوصية الثقافية. كما أسهمت تجاربهم في ترسيخ حركة فنية حديثة ما زال أثرها حاضراً في الإنتاج الفني المعاصر.
يأتي المعرض ضمن التزام هيئة الفنون البصرية بتوثيق الثقافة البصرية في المملكة وحفظها، على أن يرافقه لاحقاً برامج وورش عمل، إلى جانب كتاب علمي مصاحب وفيلم وثائقي سيُعرضان لاحقاً
