أظهرت برقيات دبلوماسية أن تحركات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن ضم جرينلاند أثارت قلقاً واسعاً لدى دول أخرى، إذ عبّر مسؤولون أجانب عن إحباطهم خلال محادثات مع نظرائهم الأميركيين، وفق “بوليتيكو”.
وعلّق الصينيون آمالاً على أن يساعد ضغط الرئيس دونالد ترمب لضم جرينلاند في إبعاد أوروبا عن الولايات المتحدة، وسعى الفنلنديون بيأس إلى منع اندلاع حرب تجارية بسبب الجزيرة. في المقابل، أبدت آيسلندا غضباً شديداً من اقتراح يفيد بأنها قد تكون التالية على قائمة أهداف ترمب، لتصبح “الولاية الـ52”.
وكشفت مجموعة من البرقيات التي تلقتها وزارة الخارجية الأميركية من سفاراتها، وحصلت عليها “بوليتيكو”، عن تداعيات عميقة لمطالب الرئيس الأميركي بشأن جرينلاند، في وقت عبّر فيه مسؤولون أجانب هذا الشهر عن إحباطهم خلال محادثات مع نظرائهم الأميركيين.
وقدّمت هذه الرسائل، التي لم يُكشف عنها من قبل، لمحة من خلف الكواليس عن طريقة تفكير الحلفاء والخصوم حيال تداعيات محاولة ترمب “الاستحواذ على أراضٍ”، كما سلطت الضوء على نقطة توتر جديدة في علاقة عابرة للأطلسي تعاني بالفعل ضغوطاً بسبب حرب روسيا في أوكرانيا، والخلافات حول الرسوم الجمركية، وانتقادات الولايات المتحدة للسياسات الأوروبية.
وتزامنت هذه التطورات مع مناقشة ترمب اتفاقاً إطارياً لا يصل إلى حد السماح للولايات المتحدة بامتلاك جرينلاند، لكنه قد يوسّع النشاط العسكري والتعديني الأميركي في الإقليم الدنماركي.
وشددت البرقيات على مدى أهمية الولايات المتحدة بالنسبة إلى عدد كبير من الدول الأوروبية، حتى مع دفع سلوك ترمب قادة القارة إلى حافة التوتر، وقالت وزيرة خارجية فنلندا، إلينا فالتونين، بحسب إحدى البرقيات: “فلنتجنب الانفصال”، مضيفة: “وخاصة الانفصال الفوضوي”.
حماس صيني
وأشارت برقية صادرة عن السفارة الأميركية في بكين، في 21 يناير، إلى أن الحكومة الصينية متحمسة للاستفادة من تحركات ترمب تجاه جرينلاند، وكتب دبلوماسيون أميركيون، لدى عرضهم طريقة التفكير في الصين، أن الوضع “يتيح لبكين فرصة الاستفادة من “محاولة أوروبا موازنة مواقفها”، وقد “يضخم التوترات عبر الأطلسي”.
لكن البرقية، التي استشهدت بوسائل إعلام ومحللين مرتبطين بالحزب الشيوعي الصيني الحاكم، لفتت أيضاً إلى أن القيادة الصينية تدرك أن توسع الوجود العسكري الأميركي في جرينلاند قد يعقّد أهدافها في القطب الشمالي و”يعزز نقاط التفوق العسكرية وفي البنى التحتية للولايات المتحدة”.
ولم يتناول المتحدث باسم السفارة الصينية، ليو بينجيو، مضمون البرقية بشكل مباشر، لكنه قال إن أي تحركات صينية تأتي في إطار القانون الدولي، وأضاف: “تهدف أنشطة الصين في القطب الشمالي إلى تعزيز السلام والاستقرار والتنمية المستدامة في المنطقة”.
فنلندا “لا تخطط لفعل أي شيء”
وفي برقية أخرى تحمل تاريخ 20 يناير، صادرة عن السفارة الأميركية في هلسنكي، جرى تفصيل قلق مكتب وزيرة الخارجية الفنلندية إلينا فالتونين، إزاء تهديدات ترمب بفرض رسوم جمركية على دول أوروبية أرسلت مستشارين عسكريين إلى جرينلاند للتخطيط لمناورات عسكرية.
وبدت فالتونين حريصة على تهدئة التوترات، بحسب “بوليتيكو”، وأبلغت نواباً أميركيين زائرين، وفقاً للبرقية، أن وصول عدد محدود من الجنود إلى جرينلاند كان “سوء فهم”.
وقالت إن فنلندا لا تخطط لفعل أي شيء “ضد الأميركيين”، وإن الضباط، “شخصان فقط”، عادوا بالفعل إلى فنلندا، وقللت من شأن تهديدات الاتحاد الأوروبي بالرد على الرسوم الجمركية المحتملة، ووصفتها بأنها “أداة تفاوض”، مؤكدة أنها ستضغط داخل الاتحاد الأوروبي “لفعل أي شيء لمنع حرب تجارية”.
وعند سؤاله عن البرقيات، أشار متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية إلى شهادة وزير الخارجية، ماركو روبيو، أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، الأربعاء، وقال روبيو إن المحادثات بين الولايات المتحدة والدنمارك وجرينلاند قد بدأت، وستكون “عملية منتظمة”، من دون تقديم تفاصيل إضافية.
وقال: “لدينا بعض العمل الذي يتعين إنجازه، لكنني أعتقد أننا سنصل في النهاية إلى نتيجة جيدة”، مضيفاً: “وأظن أنكم ستسمعون الأمر نفسه من زملائنا في أوروبا قريباً جداً”.
توتر مع آيسلندا
وشهدت آيسلندا أيضاً توتراً بعد أن مازح مرشح ترمب لمنصب سفير الولايات المتحدة لدى البلاد، بيلي لونج، بإمكانية أن تصبح آيسلندا “الولاية الـ52″، على افتراض أن تصبح جرينلاند الولاية الـ51، وأنه سيتولى حينها منصب الحاكم.
واستدعى وكيل وزارة الخارجية الآيسلندية الدائم، مارتن إيفيولفسون، القائمة بالأعمال الأميركية إيرين سوير للمطالبة باعتذار أميركي رفيع المستوى، ولإبلاغها بأن مثل هذا الحديث “لا مكان له في الخطاب الدولي”، وذلك وفق برقية مؤرخة في 23 يناير من السفارة الأميركية في ريكيافيك إلى واشنطن.
وأبلغت سوير المسؤول الآيسلندي، بحسب البرقية، أن جعل آيسلندا ولاية أميركية ليس سياسة للولايات المتحدة، مشيرة إلى أن لونج قد اعتذر عن تصريحاته، ولم تظهر أي إشارة إلى أن سوير قدمت اعتذاراً رفيع المستوى من الحكومة الأميركية كما طلبت آيسلندا.
لكن سفيرة آيسلندا لدى الولايات المتحدة، سفانهيلدور هولم فالسدوتير، قالت في بيان إن الحكومة “تلقت توضيحاً مُرضياً” بشأن تصريحات لونج و”تعتبر المسألة منتهية”.
“إطار لاتفاق مستقبلي”
وتراجع ترمب، الأسبوع الماضي، عن تهديداته المستمرة منذ أشهر بالسيطرة على جرينلاند بالقوة وإطلاق حرب تجارية ضد حلفاء “حلف شمال الأطلسي” (الناتو) بسبب القضية.
وتوصل ترمب والأمين العام للحلف، مارك روته، إلى “إطار لاتفاق مستقبلي” بشأن جرينلاند خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا.
وتتضمن المقترحات التي ناقشها روته وترمب ثلاثة عناصر رئيسية. ويقضي أحدها بالسماح للولايات المتحدة بالسيادة الكاملة على قواعدها في جرينلاند، على غرار حقوق القواعد البريطانية في قبرص، وفقاً لدبلوماسي أوروبي وشخص آخر مطلع على التخطيط.
كما ستُمنح الولايات المتحدة حق إنشاء المزيد من القواعد، مع احتفاظ الدنمارك بحق النقض على مواقعها في الجزيرة القطبية، بحسب المصدر نفسه.
ويتضمن الإطار احتمال دمج درع الدفاع “القبة الذهبية”، الذي طرحه ترمب، ضمن خطط الاتفاق، إلى جانب مهمة لحلف “الناتو” تركز على القطب الشمالي. كما يمنح المقترح الولايات المتحدة حق الرفض الأول في مشاريع استخراج الموارد الطبيعية.
ولا يزال من غير الواضح المدة التي ستستغرقها مناقشة التفاصيل أو إقناع جرينلاند والدنمارك بالانضمام. ويؤكد الطرفان أنهما، أياً كانت النتائج، لن يفرطا في مسألة السيادة.
ورغم هذه النبرة الواثقة، شكلت خطط ترمب بشأن جرينلاند تهديداً وجودياً لـ”الناتو”، الذي نادراً ما يشهد نزاعات داخلية بهذا الحجم بين أعضائه.
وتحرك روته بسرعة بحثاً عن تسوية، مستفيداً من آليات الحلف، ومستثمراً رغبة أوروبا في الحفاظ على تماسك التحالف للضغط على الحلفاء من أجل تكثيف العمل على أمن القطب الشمالي.
وقال دبلوماسي رفيع في “الناتو” إن روته كان “مثابراً”، وسعى أمين عام الحلف، مسلحاً بخيارات ملموسة يمكنه عرضها على ترمب، إلى مواءمة المواقف الوطنية.
