– كريستينا الشماس
مع توسع استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في سوريا خلال السنوات الأخيرة، انتقلت الكاميرا من اعتبارها أداة توثيق شخصية إلى عنصر حاضر داخل الصفوف الدراسية.
مشاهد مصورة لأطفال يشاركون في الحصص، أو يجيبون عن أسئلة، أو يتفاعلون مع معلميهم، باتت تُنشر على صفحات مدرّسين ومدارس وروضات، تحت عناوين “التعليم التفاعلي” و”الأساليب الحديثة”.
خلف هذا المشهد الذي يبدو “بريئًا” لدى بعض المتابعين، تبرز إشكالية أكثر تعقيدًا، وهي خصوصية الطفل السوري، التي تبدو اليوم منتهكة داخل أحد أكثر الأماكن المفترض أنها آمنة له، وهي المدرسة.
وانقسمت الآراء بين من يرى في هذا المحتوى مواكبة لـ”الترند” وإثباتًا لكفاءة المدرس، ومن يعتبره انتهاكًا صريحًا لحقوق الطفل، خصوصًا أن معظم المواد المصورة والمنتشرة تستهدف أطفالًا تتراوح أعمارهم بين 4 و12 عامًا، دون وجود موافقة مستنيرة واضحة من ذويهم، أو أطر قانونية ناظمة لهذه الممارسة.
بين التفاعل و”الاستعراض”
يرى عدد من المعلمين، بحسب ما رصدته، أن تصوير الحصص الدراسية ونشرها على وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح جزءًا من “الواقع الجديد” للتعليم، فبعضهم يعتبر أن إظهار طريقته في الشرح أو أسلوب تفاعله مع الطلاب يعكس تطوره المهني، وقدرته على مواكبة الأساليب الحديثة التي تعتمد على المشاركة لا التلقين.
بينما يعتقد آخرون أن هذا النوع من المحتوى قد يكون وسيلة لجذب الأهالي، أو لإظهار صورة إيجابية عن المدرسة، خاصة في ظل التنافس بين المؤسسات التعليمية، حتى الحكومية منها.
غير أن هذا “الحضور الرقمي” داخل الصف لا يخلو من إشكالات، فالطفل المصور لا يدرك تبعات نشر صورته أو صوته على العلن، ولا يملك القدرة على الرفض أو القبول الواعي، فكثير من الحالات يظهر فيها الأطفال بأسمائهم أو بملامحهم الكاملة، وهم يخطئون أو يتلعثمون أو يبدون انفعالاتهم الطبيعية، لتتحول لحظاتهم التعليمية إلى مادة استهلاكية مفتوحة على التعليقات والمشاركات.
وتزداد الإشكالية تعقيدًا عندما يصبح التصوير جزءًا من الروتين اليومي، ما قد يغير من سلوك الطفل داخل الصف، فيسعى لإرضاء الكاميرا بدل التركيز على التعلم، أو يشعر بالقلق والضغط النفسي من الظهور المستمر، دون أن يكون له رأي في ذلك.
الأهالي بين القبول الحذر والرفض القاطع
مواقف الأهالي الذين تحدثوا ل حول رأيهم حيال هذه الظاهرة ليست موحدة، فبعضهم يرى في نشر مقاطع لأطفالهم داخل الصف وسيلة للاطمئنان على العملية التعليمية، خصوصًا في ظل غياب قنوات تواصل رسمية فعالة بين المدرسة والمنزل.
لانا البسيط، أم لطفل يبلغ من العمر ست سنوات، ترى أن مشاهدة طفلها وهو يشارك في الدرس تمنحها شعورًا بأن المدرسة تهتم بالتفاعل لا الحفظ، معتبرة أن الأمر مقبول طالما لا يتضمن إساءة أو استهزاء.
في المقابل، يعبر أهالٍ آخرون عن قلقهم المتزايد من هذا الانتشار غير المنضبط لصور أطفالهم.
سامي اللابد، أب لطفل في الصف الرابع، فوجئ بمقطع مصور لطفله نشرته معلمة عبر صفحتها على “فيسبوك”، دون أن تأخذ موافقته أو موافقة زوجته.
يرى سامي أن المشكلة لا تكمن في التصوير بحد ذاته، بل في غياب أي طلب موافقة مسبقة أو توضيح لآلية استخدام المحتوى.
وقال سامي، إن صورة واحدة قد تُقتطع من سياقها، أو يساء استخدامها، أو تبقى متداولة لسنوات، بينما يكبر الطفل دون أن يكون له أي سيطرة على أثرها الرقمي.
بالمقابل، يرى سامي أن كثيرًا من الأهالي يقفون في منطقة رمادية، غير مدركين تمامًا لحقوقهم وحقوق أطفالهم، أو غير قادرين على الاعتراض خوفًا من انعكاس ذلك على معاملة أبنائهم داخل المدرسة.
هذا الصمت القسري، وفق سامي، يسهم في تطبيع الممارسة بدل مساءلتها.
الخصوصية جزء من العملية التعليمية
تحدث المختص التربوي فادي العبد الله، ل، أن المدرسة ليست فقط مكانًا لنقل المعرفة، بل بيئة آمنة نفسيًا واجتماعيًا، وأن أي انتهاك لخصوصية الطفل داخلها ينعكس سلبًا على نموه.
تبدو الحاجة ملحّة لفتح نقاش أوسع حول خصوصية الطفل السوري في المدارس، ووضع ضوابط واضحة تحميه من التحول إلى محتوى عابر على الشاشات، فالتعليم مهما تطورت وسائله، يبقى فعلًا إنسانيًا، أساسه احترام الطفل كفرد، لا كصورة قابلة للمشاركة.
فادي العبد الله
مختص تربوي
ويرى العبد الله أن تصوير الأطفال ونشر المحتوى دون موافقة مستنيرة من ذويهم، يتعارض مع المبادئ الأساسية للتربية، حتى لو كانت النيات “إيجابية”.
وأوضح العبد الله أن الموافقة المستنيرة لا تعني مجرد إبلاغ الأهل، بل شرح طبيعة المحتوى، وهدفه، ومنصة نشره، وإتاحة حق الرفض دون أي تبعات.
وأشار العبد الله إلى أن هناك بدائل كثيرة لإبراز جهود المعلمين، مثل تصوير السبورة، أو استخدام تمثيل رمزي، أو محتوى تعليمي دون إظهار وجوه الأطفال.
وحذر المختص التربوي فادي العبد الله من أن غياب التشريعات الواضحة في هذا المجال لا يبرر الاستمرار في الممارسة، بل يحمّل المؤسسات التعليمية مسؤولية أخلاقية مضاعفة.
فالأطفال، بحسب العبد الله، هم الفئة الأضعف، وحمايتهم الرقمية يجب أن تكون أولوية لا تفصيلًا ثانويًا في سباق “الترند”.
تواصلت مع وزارة التربية السورية، للحصول على توضيحات حول رأيها حيال إنشاء بعض الكوادر التعليمية محتوى رقميًا ونشره على مواقع التواصل الاجتماعي، وتهديد خصوصية الطفل، وما إذا كانت اتخذت أي إجراءات لمنع أو ضبط عملية التصوير داخل الصفوف، إلا أنها لم تتلقَ ردًا حتى لحظة تحرير التقرير.
Related
المصدر: عنب بلدي
