مع استعداد المفاوضين الأميركيين والإيرانيين لجولة جديدة من المحادثات في جنيف، الخميس، وجّه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، خلال خطاب حالة الاتحاد، رسائل استعرض فيها مبررات قد تدفع واشنطن إلى تنفيذ هجوم محتمل على إيران، في حين نددت طهران، بما وصفته بـ”حملة أكاذيب” بشأن برنامجها الصاروخي، وأعداد الضحايا في الاحتجاجات التي شهدتها البلاد قبل أسابيع. 

ورغم الحشد العسكري الأميركي الكبير في الشرق الأوسط، لم يكشف ترمب”، خلال خطابه، تفاصيل بشأن ما إذا كان يعتزم شن أوسع عمل عسكري محتمل ضد إيران منذ ثورة عام 1979.

وأشار ترمب في خطابه إلى “قتل المتظاهرين”، وبرامج طهران الصاروخية والنووية، باعتبارها تهديدات لمنطقة الشرق الأوسط وأوروبا والولايات المتحدة.

وقال ترمب بعد حوالي 90 دقيقة من بداية خطابه السنوي أمام جلسة مشتركة لمجلسي الشيوخ والنواب: “لم ينشر النظام (الإيراني) ووكلاؤه سوى الإرهاب والموت والكراهية”.

واتهم ترمب إيران باستئناف برنامجها النووي والعمل على صنع صواريخ ستكون “قريباً” قادرة على الوصول إلى الولايات المتحدة، واتهمها أيضاً بالمسؤولية عن تفجيرات قتلت جنوداً ومدنيين أميركيين.

وطغت على الفترة التي سبقت خطاب ترمب، عمليات تعزيز القوات العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط، والاستعدادات لصراع محتمل مع إيران قد يستمر لأسابيع إذا لم تتوصل طهران إلى اتفاق بشأن برنامجها النووي.

وعبّر ترمب مراراً عن إحباطه من فشل المفاوضين في التوصل إلى اتفاق. وقال في خطابه: “إنهم يريدون التوصل إلى اتفاق، لكننا لم نسمع تلك الكلمات السرية: لن نمتلك أبداً سلاحاً نووياً”.

وتقول إيران إن أبحاثها النووية مخصصة لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية، وتنفي سعيها إلى امتلاك سلاح نووي. وانتقد ترمب حكومة طهران لما وصفه بـ”قتل آلاف المتظاهرين” خلال الاحتجاجات المناهضة لها في الشهر الماضي. وزعم ترمب أن النظام الإيرني “قتل 32 ألف شخص”، وهو رقم أعلى بكثير من معظم التقديرات.

المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، اعتبر في منشور على منصة “إكس”، الأربعاء، عقب خطاب ترمب، أن المزاعم بشأن البرنامج النووي الإيراني والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، وعدد الضحايا في احتجاجات يناير وديسمبر الماضيين، “ليست إلا تكراراً لسلسلة من الأكاذيب الكبيرة”.

وأضاف: “الكاذبون المحترفون بارعون في تزييف الحقائق، يكررون الادعاء الكاذب مراراً وتكراراً حتى يبدو صحيحاً”، معتبراً أن “تزييف الحقائق يُستخدم في حملة شريرة ضد الشعب الإيراني”.

والثلاثاء، شدد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي على عزم بلاده التوصل إلى اتفاق “عادل ومنصف وفي أقصر وقت ممكن”، خلال المحادثات المرتقبة مع الولايات المتحدة في جنيف، وذلك استناداً إلى التفاهمات التي جرى التوصل إليها في الجولة السابقة.

وأضاف عراقجي، في منشور على منصة “إكس”، أن القناعات الأساسية لبلاده “واضحة وضوحاً تاماً”، قائلاً إن إيران لن تطوّر تحت أي ظرف من الظروف سلاحاً نووياً على الإطلاق، وأن الإيرانيين لن يتخلوا أبداً عن حقهم في الاستفادة من عوائد التكنولوجيا النووية السلمية لشعبهم”، بحسب تعبيره.

وأشار إلى “وجود فرصة تاريخية لإبرام اتفاق غير مسبوق يعالج المخاوف المتبادلة ويحقق المصالح المتبادلة”، معتبراً أن “الاتفاق في متناول اليد، ولكن فقط إذا أُعطيت الدبلوماسية الأولوية”.

وذكر أن “إيران أثبتت أنها لن تتوقف عند شيء من أجل حماية سيادتها بشجاعة”، مضيفاً أنها “تحمل الشجاعة ذاتها إلى طاولة المفاوضات، حيث ستسعى إلى حل سلمي لأي خلافات”.

إحاطة سرية في الكونجرس

ووسط الحشود العسكرية الكبيرة في الشرق الأوسط، شارك وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الذي يشغل أيضاً منصب مستشار الأمن القومي، ومدير وكالة الاستخبارات المركزية CIA، جون راتكليف، في إحاطة سرية لما يُعرف بـ”عصابة الثمانية”، التي تضم قيادات مجلسي النواب والشيوخ، إضافة إلى رؤساء وأعضاء لجان الاستخبارات من الحزبين في المجلسين، بشأن الخطط تجاه إيران.

ورغم عدم الكشف عن تفاصيل الجلسة السرية، قال زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ، جون ثون، إن النقاش تناول البرنامجين النووي والباليستي لإيران.

وأضاف: “هناك عدة قضايا تتعلق بإيران وقدراتها، من بينها البرنامج النووي، وأخرى تتعلق ببرنامج الصواريخ الباليستية، إنها دولة خطيرة ومتقلبة للغاية، كما تعلمون، ولدينا الكثير على المحك بشأن مصالح الأمن القومي الأميركي في المنطقة”.

من جانبه، أعرب زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ، تشاك شومر، عن قلقه عقب خروجه من الإحاطة المشتركة بين الحزبين. وقال: “الأمر جدي، وعلى الإدارة أن تقدم مبرراتها للشعب الأميركي”.

وقال السيناتور الديمقراطي، مارك وورنر، العضو البارز في لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ، إنه “من واجب الرئيس أن يوضح للشعب الأميركي ما الذي تسعى الإدارة إلى تحقيقه من أي ضربات عسكرية ضد إيران، وكيف ستتم حماية المصالح الأميركية”.

حسابات انتخابية

وصل ترمب إلى قمة المناصب السياسية الأميركية بدعم من قاعدة سياسية تؤمن بسياسته “أميركا أولاً”، وتعهده بإنهاء حقبة “الحروب الأبدية” مثل الصراعات الطويلة في العراق وأفغانستان.

لكن استطلاعات الرأي تشير إلى أن الحزب الجمهوري سيواجه صعوبة في الحفاظ على سيطرته على الكونجرس.

وتظهر استطلاعات الرأي أيضاً، أن الأميركيين متخوفون من الصراعات الخارجية. ووافق 69% من المشاركين في استطلاع رأي أجرته “رويترز/إيبسوس” في يناير على عبارة مفادها أن “الولايات المتحدة ينبغي ألا تستخدم جيشها إلا عند مواجهة تهديد مباشر ووشيك”، في حين عارضها 18%.

ولم يحسم باقي المشاركين في الاستطلاع مواقفهم إزاء هذا السؤال أو لم يجيبوا عنه.

وأمر ترمب بشن ضربات على إيران العام الماضي، وقال في يوليو إن الضربات “دمرت” المنشآت النووية الإيرانية. إلا أن مساعديه قالوا في الآونة الأخيرة إن إيران قريبة جداً من امتلاك القدرة على صنع قنابل نووية.

وتطرق ترمب إلى هذه المسألة في خطاب حالة الاتحاد، قائلاً: “إنهم (قادة إيران) يريدون البدء من جديد، وهم في هذه اللحظة يسعون مرة أخرى إلى تحقيق طموحاتهم الشريرة”.

وأضاف أنه يفضل “إحلال السلام”، وسرد قائمة من النزاعات العالمية التي ينسب الفضل لنفسه في إنهائها أو تهدئتها.

وقال ترمب: “وأنا رئيس، سأعمل على إحلال السلام حيثما أمكنني ذلك، لكنني لن أتردد أبداً في مواجهة التهديدات لأميركا أينما كان ذلك ضرورياً”.

حشود عسكرية وتحركات استخباراتية

ويواصل ترمب الضغط على إيران عبر حشود عسكرية كبيرة في الشرق الأوسط، هي الأكبر منذ غزو العراق في عام 2003.

وفي محاول لاستقطاب الإيرانيين، قدّمت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية CIA، إرشادات لمتعاونين محتملين معها في إيران من أجل تزويدها بمعلومات، ونشرت تعليمات باللغة الفارسية حول ما وصفتها بـ”طرق آمنة” للتواصل مع الوكالة.

وجاء في رسالة الوكالة: “مرحباً. وكالة الاستخبارات المركزية تسمعكم وتريد مساعدتكم، إليكم بعض النصائح حول كيفية إجراء اتصال افتراضي آمن معنا”.

وحصد المنشور الفارسي ملايين المشاهدات على مختلف منصات التواصل الاجتماعي.

ولم تكشف الوكالة تفاصيل حول الإرشادات الجديدة أو ما إذا كانت حملات التجنيد السابقة قد أسفرت فعلاً عن نتائج، لكن مديرها جون راتكليف قال إن هذه المنشورات “تؤتي ثمارها”، حسبما أوردت وكالة “أسوشيتد برس”.

وقال راتكليف في وقت سابق من الشهر الجالاري، عند نشر فيديو بلغة الماندرين: “في العام الماضي، وصلت حملة الفيديو الخاصة بالـCIA بلغة الماندرين إلى العديد من المواطنين الصينيين، ونعلم أن هناك الكثيرين يبحثون عن طريقة لتحسين حياتهم وتغيير بلادهم نحو الأفضل”.

وتتضمن نصائح الوكالة طرقاً لتجاوز قيود الإنترنت والمراقبة. كما حثّت المتعاونين المحتملين على استخدام متصفحات خاصة.

وتشمل التعليمات طرقاً للتواصل مع الوكالة عبر موقعها الإلكتروني أو عبر “الدارك ويب”، وهو جزء من الإنترنت لا يمكن الوصول إليه إلا باستخدام أدوات خاصة تُخفي هوية المستخدم. وكانت الوكالة قد نشرت تعليمات مشابهة باللغة الروسية.

صواريخ إيرانية وتقييمات استخباراتية

أبرز ترمب خلال خطاب حالة الاتحاد، ما اعتبره “خطر الصواريخ الإيرانية”، زاعماً أن طهران “تعمل على تطوير صواريخ قادرة على الوصول قريباً إلى أراضي الولايات المتحدة”، كما لفت إلى أنهم “طوّروا بالفعل صواريخ يمكنها تهديد أوروبا”.

ولم يقدّم ترمب أي تفاصيل عمّا يقصده بكلمة “قريباً”، فيما ذكرت شبكة NBC News، أن تقريراً حديثاً صادراً عن وكالة استخبارات الدفاع الأميركية، يشير إلى امتلاك إيران مركبات إطلاق فضائية يمكن استخدامها لتطوير صاروخ باليستي عابر للقارات قادر على الوصول إلى الولايات المتحدة بحلول عام 2035.

ويشير التقرير، إلى أن إيران قد تمتلك بحلول عام 2035 نحو 60 صاروخاً عابراً للقارات قادراً على ضرب أي جزء من الأراضي الأميركية، “إذا قررت طهران السعي لامتلاك هذه القدرة”.

ونقلت الشبكة الأميركية عن خبراء قولهم، إن عمليات الإطلاق الفضائي الإيرانية، التي نفّذ بعضها الحرس الثوري، يرجّح أنها تهدف إلى تطوير صاروخ عابر للقارات في نهاية المطاف.

واستخدمت إيران تكنولوجيا عسكرية مُعاد توظيفها لإطلاق أقمار صناعية، مما يعزز الشكوك بأنها تسعى إلى امتلاك هذه القدرة.

وتستطيع الصواريخ الإيرانية بعيدة المدى الحالية، ضرب أهداف في أنحاء الشرق الأوسط وأوروبا.

شاركها.