اخر الاخبار

بعد مكالمة ماكرون وتبون.. وزير خارجية فرنسا في الجزائر

يبدأ وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، الأحد، زيارة إلى الجزائر بدعوة من نظيره الجزائري أحمد عطاف، ومن المرتقب أن يلتقي خلالها الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون.

ومن المنتظر أن يعقد الوزيران لقاءات لاستعراض الملفات الرئيسية التي وجّه رئيسا البلدين بإيلائها اهتماماً خاصاً، في إطار السعي لتسوية الخلافات التي عكّرت العلاقات الجزائرية الفرنسية في الآونة الأخيرة.

وتأتي هذه الزيارة عقب المكالمة الهاتفية التي جرت بين الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، الاثنين، بمناسبة عيد الفطر.

وبحسب بيان مشترك صادر عن قصري المرادية والإليزيه “تهدف الزيارة المرتقبة إلى ترسيخ الطابع الطموح للعلاقات بين الجزائر وفرنسا، وفق ما يسعى إليه قائدا البلدين، كما ستشكل فرصة لتحديد تفاصيل برنامج العمل المشترك، وآليات تنفيذه، وجدوله الزمني”.

وتعد هذه الزيارة الأولى لمسؤول فرنسي رفيع المستوى إلى الجزائر منذ اندلاع الأزمة الدبلوماسية بين البلدين، على خلفية إعلان ماكرون دعمه لمبادرة الحكم الذاتي التي يطرحها المغرب بشأن قضية الصحراء.

وكان الرئيس عبد المجيد تبون صرّح، في وقت سابق، بأن الخلاف الجزائري الفرنسي “مفتعل بالكامل”، واصفاً ما يحدث حول هذه المسألة بـ”الفوضى والجلبة السياسية”.

وخلال لقائه الإعلامي الدوري الأخير، أكد تبون أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون هو “المرجع الوحيد في العلاقات بين الجزائر وفرنسا”، موضحاً أن هناك سوء تفاهم، لكنه يبقى رئيس الجمهورية الفرنسية، وأن تسوية الخلافات يجب أن تتم معه أو مع الشخص الذي يفوضه.

تتويج للتفاهمات

في حديث لـ”الشرق”، رأى رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الأمة الجزائري محمد عمرون أن زيارة وزير الخارجية الفرنسي إلى الجزائر تأتي تتويجاً للتفاهمات التي جرت بين رئيسي البلدين خلال المكالمة الهاتفية الأخيرة.

ويعتقد عمرون أن الطرفين، الجزائري والفرنسي، يسعيان إلى منح فرصة للدبلوماسية لإيجاد حلول لأزمة متصاعدة منذ 8 أشهر تقريباً، بلغت ذروتها الشهر الماضي.

وقال إن الأزمة بين الجزائر وفرنسا ازدادت تعقيداً بسبب “انخراط اليمين المتطرف في خطابات الكراهية والتحريض داخل الحكومة الفرنسية”.

وأضاف أن بعض الأطراف داخل الحكومة الفرنسية تسعى إلى الإيحاء بأن فرنسا تعمل على تعديل ميزان القوى مع الجزائر، أو تحاول فرض ضغوط عليها في العديد من الملفات.

وأكد رئيس لجنة الشؤون الخارجية بمجلس الأمة الجزائري أن تصريحات وزير الداخلية الفرنسي برونو روتايو الأخيرة تُمثل دليلاً واضحاً على أن الخطاب الفرنسي لا يزال يحمل في طياته “الاستعلاء والكراهية” تجاه الجزائر.

وأشار عمرون إلى أن زيارة وزير الخارجية الفرنسي تُمثل “محاولة لتفكيك الألغام” المرتبطة بالعديد من الملفات العالقة بين البلدين، وعلى رأسها الهجرة، والتعاون الأمني، وملف الذاكرة، إلى جانب “الملف الذي كان السبب الرئيسي في الأزمة، وهو الموقف غير المسؤول لفرنسا وتماهيها المطلق مع الرؤية المغربية في حل نزاع الصحراء”.




من جانبه رأى أستاذ العلوم السياسية بجامعة الجزائر رضوان بوهيدل أن زيارة وزير الخارجية الفرنسي للجزائر تأتي في إطار محاولة باريس تبيان موقفها للجزائر في العديد من القضايا، لكنها “تصطدم بتناقضات داخل الحكومة الفرنسية نفسها، حيث يتبنى كل من وزير الخارجية ووزير الداخلية مواقف متعارضة تماماً”.

ويعتقد بوهيدل أن هذه الزيارة “لن تُغيّر شيئاً في مسار الأزمة، لكنها في المقابل ترفع الحرج عن الجزائر، وتحرج الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون”.

وأضاف: “أصل المشكلة ليس من طرف الجزائر، بل من الحكومة الفرنسية التي إذا فشلت في مهامها ستفرض على الرئيس ماكرون إنهاء حياته السياسية والدعوى لانتخابات مسبقة.. وهذا ما لا يريده ماكرون من خلال أي صدام مع هذه الحكومة الحالية التي لا تعبر عن وحدة وطنية فرنسية اتجاه عدد من المواقف”.

مكالمة التهدئة

خلال المحادثات التي جمعت الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون قبل عدة أيام، تبادل الطرفان بصراحة وودّية وجهات النظر حول وضع العلاقات الثنائية والتوترات التي تراكمت في الأشهر الأخيرة، وفقاً للبيان الرئاسي المشترك.

وجدد الرئيسان رغبتهما في استئناف الحوار الذي تم إطلاقه من خلال “إعلان الجزائر” الصادر في أغسطس  2022، والذي أسفر عن تحقيق تقدم مهم في ملف الذاكرة، لا سيما من خلال إنشاء اللجنة المشتركة للمؤرخين الفرنسيين والجزائريين، وإعادة رفات شهداء المقاومة، بالإضافة إلى الاعتراف الرسمي بالمسؤولية عن مصرع الشهيدين على بومنجل والعربي بن مهيدي.

لكن على خلفية الأزمة الدبلوماسية، تم تجميد عمل اللجنة المشتركة، التي انبثقت عن زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى الجزائر في صيف 2022.

إلا أن اللجنة ستستأنف أعمالها فوراً، ومن المنتظر عقد اجتماع قريب في فرنسا، على أن تقدم نتائج أعمالها وتوصياتها إلى رئيسي البلدين قبل صيف 2025.

كما اتفق الجانبان على أن العلاقات المتينة، خاصة الإنسانية منها، التي تجمع الجزائر وفرنسا، إضافةً إلى المصالح الاستراتيجية والأمنية المشتركة، والتحديات الإقليمية التي تواجه أوروبا وحوض المتوسط وإفريقيا، كلها عوامل تستوجب العودة إلى حوار متكافئ بين البلدين، باعتبارهما شريكين رئيسيين ملتزمين بالشرعية الدولية ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة.

أوجه الأزمة

ومنذ اندلاع الأزمة الدبلوماسية بين الجزائر وفرنسا، على خلفية الموقف الجديد لباريس بشأن قضية الصحراء، سحبت الجزائر سفيرها من باريس “للتشاور”، مع تقليص تمثيلها الدبلوماسي هناك، احتجاجاً على ما اعتبرته انحيازاً فرنسياً للمغرب.

وفي سياق التصعيد، ألغى الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون زيارة كانت مرتقبة إلى باريس نهاية سبتمبر الماضي، لتتصاعد الأزمة بشكل ملحوظ في نوفمبر على خلفية اعتقال الكاتب الجزائري الذي يحمل الجنسية الفرنسية بوعلام صنصال في مطار الجزائر الدولي.

وكانت السلطات الأمنية أوقفت صنصال بسبب تصريحات أدلى بها لموقع تابع لليمين المتطرف الفرنسي، اعتبرتها الجزائر “مساساً بوحدتها الترابية”، حيث دعا خلالها إلى إعادة النظر في الحدود الجزائرية. وهي القضية، التي دعا بشأنها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالإفراج عن صنصال، معتبراً أن الجزائر “تسيء لسمعتها” بمنعها كاتباً مسناً ومريضاً من الحصول على العلاج.

وردت وزارة الخارجية الجزائرية على الرئيس الفرنسي، معتبرةً تصريحاته “تدخلاً سافراً وغير مقبول في الشؤون الداخلية”، مشددة على أن القضية لا تتعلق بحرية التعبير، بل بـ”جرائم تمس بالسلامة الإقليمية، وهي جرائم يعاقب عليها القانون الجزائري”.

ومع تفاقم التوتر بين البلدين، تصاعد الخطاب الرسمي الفرنسي، حيث قاد وزير الداخلية الفرنسي برونو روتايو دعوات لإلغاء اتفاقية 1968، التي تنظم هجرة الجزائريين إلى فرنسا، وتمنحهم امتيازات خاصة مقارنة بالجنسيات الأخرى، مشيراً إلى أن الوضع الحالي “لم يعد مقبولاً”، خاصة مع التعديلات المتتالية التي أدخلت على الاتفاقية في السنوات الماضية.

وفي ظل هذا التصعيد، رفضت الجزائر خلال مارس قائمة أعدتها السلطات الفرنسية تضم عدداً من الجزائريين المراد ترحيلهم من فرنسا، مشيرة إلى أن الإجراءات المتبعة لا تحترم المعاهدات الموقعة بين البلدين، وهو ما زاد من حدة التوتر بين الطرفين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *