بدأت حكومات أوروبية تدفع نحو تعزيز جيوشها، وحوّلت المصانع إنتاجها من السلع المدنية إلى الدبابات والطائرات النفاثة، وفي مواجهة ضغوط من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، التزم أعضاء حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أوروبا العام الماضي بإنفاق 5% من ناتجهم المحلي الإجمالي على الأمن والدفاع والبنية التحتية ذات الصلة.

وفي حين واجهت بعض الدول صعوبات في تحقيق هدف سابق للحلف يقضي بإنفاق 2% من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع، بلغت نسبة إنفاق بولندا العام الماضي 4.7%، وهي الأعلى في الحلف، وفق صحيفة “واشنطن بوست”.

وتُعد بولندا خامس أكبر دول الاتحاد الأوروبي من حيث عدد السكان وسادس أكبر اقتصاد فيه، لكنها تمتلك أكبر جيش عامل في التكتل.

وبينما تسعى أوروبا إلى إعادة تسليح نفسها في مواجهة تهديدين مزدوجين، هما “العدوان الروسي، ولا مبالاة الولايات المتحدة”، تبدو بولندا، من حيث الأرقام على الأقل، وكأنها سبقت الجميع، غير أن التحدي يتمثل في أنه حتى مع تسابق الدول لتعزيز قدراتها، تغيّرت طبيعة التهديد.

فالتوغلات التي نفذتها طائرات مُسيرة روسية في المجال الجوي البولندي، وأعمال التخريب التي استهدفت خطاً رئيسياً للسكك الحديدية، سلطت الضوء على “عدم كفاءة” الجيش التقليدي، من النوع الذي بنته بولندا بنجاح، في مواجهة أسلوب جديد من الحرب الهجينة.

وقالت “واشنطن بوست” إن بولندا، بلا شك، تُعد نموذجاً أوروبياً في التسلح، لكن من غير الواضح ما إذا كان هذا النوع من التسلح هو الأنسب في ظل مشهد المخاطر سريع التغيّر.

وقال نائب وزير الدفاع البولندي بافل زاليفسكي لـ”واشنطن بوست”: “بدأنا الاستعداد لنوع أكثر تقليدية من الحروب”.

وأضاف: “اتضح أن وسائل أرخص ثمناً، وبالتحديد الطائرات المُسيرة، يمكن أن تكون فعّالة للغاية وتحقق مكاسب تكتيكية مهمة جداً على خط المواجهة، خصوصاً مقارنة بالأسلحة التقليدية الباهظة الثمن”.

تحذير “الناتو”

وكان الأمين العام لحلف “الناتو” مارك روته وجّه، الاثنين، رسالة تحذير حادة إلى القادة الأوروبيين الذين طرحوا فكرة أن تتمكن أوروبا من الاعتماد على نفسها من دون الولايات المتحدة، مؤكداً أن ذلك سيكون “شبه مستحيل”، ولا سيما من دون قدرة الردع التي توفرها الترسانـة النووية الأميركية.

وقال روته في خطاب أمام البرلمان الأوروبي: “إذا كان أي شخص هنا يعتقد مجدداً أن الاتحاد الأوروبي، أو أوروبا ككل، يستطيعان الدفاع عن نفسيهما من دون الولايات المتحدة، فليواصل الحلم. لا تستطيعون. ولا نستطيع نحن. نحن بحاجة إلى بعضنا البعض”.

وتابع: “بالنسبة لأوروبا، إذا أردتم فعلاً أن تسيروا وحدكم، فلن تصلوا أبداً بـ(إنفاق) 5% (من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع)، ستكون 10%.. عليكم بناء قدراتكم النووية الخاصة، وهذا يكلّف مليارات ومليارات اليوروهات، وفي هذا السيناريو ستخسرون، ستفقدون الضامن النهائي لحريتنا، وهو المظلة النووية الأميركية لذا، حظاً سعيداً”.

موقف حرج

وقال كاي أولاف لانج، وهو عالم سياسة وخبير في شؤون بولندا في “المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية”، ومقره برلين: “لا يمكنكم إرسال طائرات مقاتلة في كل مرة لإسقاط بضع طائرات مُسيرة.. من السهل قول ذلك، لكن ماذا تفعلون إذا لم تكن لديكم بعد أنظمة الدفاع المناسبة؟”.

وجاءت إحدى أكبر علامات الإنذار في وقت متأخر من إحدى ليالي سبتمبر 2025، حين دخلت نحو 20 طائرة مُسيرة روسية المجال الجوي البولندي، وردّت القوات البولندية وقوات “الناتو” بإسقاط عدد منها، في مواجهة رأى فيها قادة سياسيون ومحللون “اختباراً” لدفاعات الحلف من قبل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

ومنذ ذلك الحين، أقلعت مقاتلات بولندية مرات عدة رداً على ضربات صاروخية وطائرات مُسيرة روسية في أوكرانيا قرب الحدود البولندية.

وفي نوفمبر 2025، تعرض خط سكك حديدية يمر عبر بولندا ويُستخدم لإيصال المساعدات إلى أوكرانيا للتفجير، في ما وصفه رئيس الوزراء دونالد توسك بأنه “عمل تخريبي غير مسبوق”، واتهم وزير خارجيته، رادوسواف سيكورسكي، روسيا، بارتكاب “عمل إرهابي من صنع الدولة”.

وفي الوقت نفسه، شهدت وسائل التواصل الاجتماعي البولندية انتشار حملات تسعى إلى إقناع البولنديين بأن الطائرات المُسيرة كانت أوكرانية، وقال خبراء إن كثيراً من المنشورات بدا أنها صادرة عن جهات روسية أو حسابات آلية.

وتعمل بولندا على تعزيز دفاعاتها في مواجهة الحرب الهجينة، وقال زاليفسكي: “أدركنا أن دفاعاتنا الجوية، بما في ذلك هذه الطبقة الدنيا المضادة للطائرات المُسيرة، تحتاج إلى تطوير سريع جداً، وهو ما نقوم به بأقصى سرعة ممكنة، وذلك بعد هجمات الطائرات المُسيرة في سبتمبر.

لكن مدى كفاية هذه الجهود لا يزال محل نقاش، فتوماش شاتكوفسكي، الذي شغل منصب نائب وزير الدفاع وسفير بولندا لدى “الناتو” في ظل الحكومة المحافظة السابقة، يخشى أن تكون استجابة الحكومة الوسطية الحالية “مرتجلة أو مؤقتة”.

وقال: “على الرغم من أننا نواصل السير عموماً في الاتجاه الصحيح، فإنني أزداد اقتناعاً بأن الوقت قد حان لبذل جهد تحليلي وتخطيطي أشمل على المستوى الاستراتيجي”.

الوضع الدفاعي لبولندا 

ويعود الوضع الدفاعي لبولندا إلى جذور تاريخية عميقة، فعلى مدى قرون، يقول لانج، كانت بولندا “بيدقاً للقوى العظمى”، عالقة بين ألمانيا (وقبلها بروسيا) غرباً وروسيا شرقاً، اللتين محتا بولندا عن الخريطة دورياً.

وبعد سقوط الشيوعية في بولندا عام 1989، شرعت البلاد في ضمان ألا تهيمن عليها مجدداً قوى كبرى مجاورة مثل الاتحاد السوفييتي، وقال لانج: “كان الهدف هو العمل على وضع تصبح فيه بولندا أقل عرضة للاستهداف بالعدوان”.

وبين عام 2014، عندما غزت روسيا شبه جزيرة القرم الأوكرانية وضمّتها بصورة غير قانونية، وعام 2025، ضاعفت بولندا تقريباً حجم قواتها المسلحة، ورفعت إنفاقها العسكري ثلاثة أضعاف.

غير أن حلفاء بولندا لم يشاركوا دائماً وارسو اعتقادها بأن روسيا تشكل خطراً على أوروبا، وقال زاليفسكي: “كان لدينا في بولندا إدراك موحّد للتهديدات، وهو ما لم يكن يتقاسمه، للأسف، أقرب حلفائنا”.

وبدأ ذلك يتغيّر في 2014، لكنه لم يتسارع إلا بعد الغزو الروسي عام 2022، ولا سيما بعدما أوضح ترمب أن الولايات المتحدة لا يمكن الاعتماد عليها دائماً للدفاع عن أوروبا، حين اندفع الحلفاء الأوروبيون لبولندا إلى التحرك بشيء يقترب من إحساسها بالإلحاح.

لكن إذا كانت تحركات ترمب قد دفعت أوروبا إلى التركيز على الدفاع، فإنها خلقت معضلة لبولندا، وفق “واشنطن بوست”.

وقال لانج: “السياسة الأمنية البولندية برمتها قامت على علاقات فعالة عبر الأطلسي، وعلى تعاون وثيق جداً مع الولايات المتحدة في مجالات الأمن والدفاع والاستراتيجية”.

وأضاف أن كثيراً من المحافظين البولنديين ينظرون بريبة إلى ألمانيا والاتحاد الأوروبي، مفضلين الاعتماد على الولايات المتحدة بوصفها “أفضل حليف وحامٍ” لبولندا، لكن لم يعد واضحاً إلى أي مدى سيكون الأميركيون مستعدين مستقبلاً للدفاع عن أوروبا أو بولندا.

استراتيجية أميركية جديدة

وكان إعلان الجيش الأميركي العام الماضي سحب أفراده ومعداته من مطار ياشيونكا قرب مدينة جيشوف البولندية الشرقية صادماً لكثير من البولنديين، بعدما كان الموقع، منذ عام 2022، المركز الأميركي الرئيسي للمساعدات العسكرية والإنسانية إلى أوكرانيا.

وقال الجنرال كريستوفر دوناهيو، قائد القوات الأميركية في أوروبا وإفريقيا: “بعد ثلاث سنوات في ياشيونكا، تتيح هذه الخطوة فرصة لإعادة ضبط حجم وجودنا وتوفير عشرات الملايين من الدولارات سنوياً لدافعي الضرائب الأميركيين”.

وقال زاليفسكي أمام لجنة برلمانية للدفاع الأسبوع الماضي إن نحو 8500 جندي أميركي يتمركزون حالياً في بولندا، يشكلون الغالبية من أصل نحو 9900 جندي من دول حليفة موجودين في البلاد. ويقل هذا العدد عن نحو 10 آلاف جندي أميركي كانوا في بولندا مطلع عام 2025.

وجاءت صدمة أكبر عندما كشفت إدارة ترمب، ديسمبر الماضي، عن استراتيجيتها للأمن القومي، التي قللت من شأن التهديد الروسي، وركّزت بدلاً من ذلك على المخاطر التي تشكلها الهجرة على أوروبا، محذرة من أن القارة تواجه خطر “المحو الحضاري”.

وسعى زاليفسكي إلى إبراز الجوانب الإيجابية للاستراتيجية بالنسبة لأوروبا، معتبراً أنها، حتى وإن سلطت الضوء على الخلافات، تُظهر أن الولايات المتحدة تهتم بأمن أوروبا واستقرارها، ولكنه أضاف: “بالطبع تبقى روسيا أكبر تهديد أمني، وأصفه بأنه تهديد وجودي لأوروبا”.

ويقول خبراء إن مواجهة هذا التهديد ستتطلب من بولندا ليس فقط تحولاً استراتيجياً، بل مالياً أيضاً، وأوضح لانج أن بولندا تستثمر بكثافة في أنظمة عسكرية قديمة تستنزف جزءاً كبيراً من موارد البلاد.

ويرى لانج أن الإشكالية تكمن في “القدرة على الاستمرار بهذه الأنظمة، وفي الوقت نفسه الانتقال إلى تقنيات حديثة ومرنة مثل الطائرات المُسيرة”.

وعلى الرغم من أن أوكرانيا أظهرت أن دولة أصغر يمكنها الصمود في وجه موسكو، فإن قادة بولندا يؤكدون أن هدفهم ليس الاستعداد لمواجهة منفردة مع روسيا، بل تعزيز قدراتهم في إطار تحالف “الناتو” الأوسع.

ومع ذلك، قال زاليفسكي إن جيشاً بولندياً قوياً يمكن أن يكون له أثر ردعي كبير، وأضاف: “الروس يفهمون أفضل لغة القوة.. روسيا لا تهاجم إلا الضعفاء. هم لا يخاطرون”.

شاركها.