تجري أحداث رواية “تاريخ العيون المطفأة”، للكاتب السوري نبيل سليمان، في مدن رمزية تحمل أسماء متخيَّلة، مثل بر شمس وكمبا وقمورين، لترسم صورة عالم عربي مضطرب، حيث تنتشر السلطة البوليسية والملاحقات الأمنية إلى جانب النزوح والعنف والاضطهاد.

الرواية لا تتحدث عن فقدان البصر فقط، بل عن غياب الوعي والقدرة على رؤية الحقيقة، إذ يصبح العمى استعارة لما يحدث عندما يغيب الضمير، ويخبو البصر الداخلي أمام السلطة والخوف والظلم.

ومن خلال شخصية مولود ماء العينين، يقدم سليمان تجربة الإنسان المحاصر بين الطاعة والخوف، وبين الرغبة في الحياة وواقع القمع الذي يفرضه الآخرون.

الرواية تتبع أسلوبًا سرديًا متعدد الأصوات، فأحيانًا يرويها الراوي (الحكواتي)، وأحيانًا بأسلوب التحليل الداخلي، وأحيانًا من خلال حوارات فلسفية بين الشخصيات، ما يجعل القارئ يتنقل بين مستويات عدة لفهم أزمة المجتمع والسلطة معًا.

هذا التنوع في السرد يمنح الرواية عمقًا ويضع العيون المطفأة في قلب تجربة القراءة، حيث يصبح الغياب عن الحقيقة والوعي محورًا دائمًا.

في الرواية، العمى يصبح رمزًا للضعف الاجتماعي والسياسي، فكل شخصية، سواء أسهمت أو اكتفت بالصمت، تكشف عن دور المجتمع في صيانة السلطة القمعية.

وفي المقابل، تظهر ملامح الأمل في بعض المشاهد الفنية والموسيقا والرسم والفن، كأنها محاولة لإعادة البصر والبصيرة، لإعادة الإنسان إلى نفسه وسط عالم موحش.

“تاريخ العيون المطفأة” لا تقدم حلولًا جاهزة، ولا نهاية مريحة، فهي قراءة عميقة للسلطة والظلم، لكنها أيضًا دعوة للتفكير في مسؤولية الفرد والمجتمع عما يحدث حوله.

كما أن الرواية تطرح سؤالًا مفتوحًا، هل العمى مجرد فقدان البصر، أم هو غياب القدرة على رؤية الحقيقة؟ وهل يمكن للوعي أن يُستعاد في مجتمع يظل خاضعًا للخوف والقمع؟

بهذه الرواية، يؤكد نبيل سليمان أن الأدب قادر على إعادة رسم الواقع، وتقديم تحليلات دقيقة لمجتمع مضطرب، وأن الفعل الروائي يمكن أن يكون مرآة للوعي، ولو كانت العيون مطفأة.

مَن نبيل سليمان

نبيل سليمان، روائي وناقد سوري من مواليد صافيتا في محافظة طرطوس عام 1945، هو واحد من أبرز الأصوات في الرواية السورية المعاصرة.

درس اللغة العربية في جامعة “دمشق”، وعمل مدرسًا قبل أن يؤسس دار “الحوار” للنشر في اللاذقية عام 1982.

على مدار عقود، ركّز في أعماله على السلطة والتحولات الاجتماعية، مقدمًا روايات ونقدًا يسائل الواقع العربي والإنساني، ويعرض صراعات الفرد والمجتمع مع قوى القهر والخوف.

من أبرز أعماله رواية “تاريخ العيون المطفأة”، التي صدرت عام 2019، وتناولت تجربة العمى المجازي في المجتمعات القمعية.

المصدر: عنب بلدي

شاركها.