– عدي الحاج حسين

تشهد أسواق الذهب العالمية تقلبات حادة وصعودًا تاريخيًا، في حين يقف المواطن السوري حائرًا أمام ظاهرة سرعة ارتفاع الأسعار المحلية عندما ترتفع الأسعار عالميًا، وتباطؤ ملحوظ في انخفاضها عندما تهبط “الشاشة”.

هذه الفجوة ليست مجرد أرقام على ورق، بل تحولت إلى معاناة يومية تُترجم في صالات بيع الذهب، حيث يتساءل الناس: لماذا ينخفض الذهب عالميًا ولا ينخفض محليًا بنفس السرعة؟ ولماذا يمتنع بعض الصاغة عن البيع في أوقات معينة؟

تلاعب وامتناع عن البيع

تتشابه قصص المواطنين في معاناتهم مع سوق يبدو أنه يعمل بقواعد غير متوازنة.

جمعت شهادات تكشف عن ممارسات تزيد من أعباء المواطن في ظل أزمة اقتصادية مرهقة.

أميرة، من سكان مدينة حلب قالت ل، “نذهب لنشتري الذهب يحسبونه وفق السعر المحلي أغلى من السعر العالمي، وعندما نريد البيع يحسبونه وفق السعر العالمي”.

هذه الممارسة، التي يصفها المواطنون بـ”الاحتكار”، تحرمهم من أي فرصة لتحقيق قيمة عادلة للذهب الذي يملكونه، سواء كان مدخرًا أو للزينة.

من جهتها، نسرين شيخ، من سكان مدينة طرطوس، تسلط الضوء على ممارسات أخرى، إذ “يبيع الصياغ الذهب المستعمل المتهالك في اللاذقية بسعر الجديد، ودون كتابة سعر الغرام على الفاتورة”.

وقالت نسرين ل، إن بعض الصاغة يمتنعون عن إعطاء “ورقة الصياغة” بحجة أن عليها ضريبة، ما يحرم المشتري من إثبات ملكيته وسعر شرائه، وهي ممارسة تفتح الباب أمام الغش وعدم المحاسبة.

وتُظهر شهادات أخرى الامتناع عن البيع عندما تشهد الأسعار ارتفاعًا مفاجئًا.

إحدى السيدات، فضلت عدم نشر اسمها، قالت ل، “أردت شراء ليرة ذهبية، فوضع سعرًا مبالغًا فيه بشكل كبير عن السوق المحلي، وعندما طلبت منه تخفيف السعر غضب وقال: ليس عندي ذهب للبيع”.

سيدة أخرى قالت، “بعت بيتًا من إرث، وكنت أود شراء طوق ذهب بتلك النقود، فرفض الصائغ بيعه بسبب ارتفاع سعر الذهب وعدم استقراره وقتها”.

ياسر من سكان مدينة دمشق، قدم مثالًا رقميًا دقيقًا عن مشكلات التعامل في سوق الصاغة، وقال ل، “اشتريت ذهبًا قبل فترة، كان سعر الأونصة عالميًا 4900 دولار قبل الارتفاع، وسعر الغرام عيار 21 كان 136 دولارًا. واليوم سعر الأونصة أيضًا 4900 دولار، ولكن سعر الغرام أصبح 145 دولارًا، وفرق البيع عن الشراء خمسة دولارات ليصبح 150 دولارًا للغرام”.

وأضاف ياسر، “سألت الصائغ عن السبب، كان رده، هذا تحوط منا بسبب تقلبات السعر والخوف من صعوده فجأة”، مبررًا ذلك بأن “شركات التعدين المستورد منها لا تثبت معهم السعر، قائلين إنه هذا ليس في سوريا فقط، بل في مصر ولبنان وتركيا أيضًا”.

غياب الرقابة

“في حال أردنا التقدم بشكوى بشأن أسعار الذهب، فإن الجهة المعنية ستكون جمعية الصاغة نفسها، وهي التي تحدد الأسعار التي نشتكي منها”، هكذا لخص عبد الله، من سكان دمشق، المشكلة، معتبرًا أن وراءها غياب الرقابة الفعالة.

من جهته، علي الزين من دمشق، قال ل، “يتم التلاعب علنًا، الجمعية هي لحماية الصاغة الذين هم بالأصل يقومون بوضع أسعار فوق التسعيرة الرسمية. عندما يرتفع الذهب عالميًا، يرفعون السعر تلقائيًا، وعندما يهبط عالميًا لا ينزلون السعر إلا بعد يومين أو أكثر. وما يزيد المشكلة أنهم يأخذون 300 ألف ليرة سورية على الغرام صياغة دون أي رقابة”.

وجهة نظر الصاغة.. قيود التوريد والتحوط

في مقابل شكاوى المواطنين، يقدم الصاغة رواية مختلفة تركز على التحديات اللوجستية والاقتصادية التي تواجههم، ويحاولون تفنيد تهمة التلاعب الفردي بالأسعار.

الصائغ إحسان الزهري، من حلب، يقدم تفسيرًا مفصلًا لفجوة الأسعار، مؤكدًا أن السعر المحلي لا يتبع “الشاشة” العالمية بشكل آلي ومجرد، فالذهب الذي يدخل السوق المحلي محمل بـ”زيادة ثابتة عالميًا” في مراكز التوريد مثل دبي وتركيا وكردستان، تقدر بـ5000 دولار لكل كيلو ذهب خام عيار 24.

وقال الصائغ، ل، إن هناك تكاليف لوجستية باهظة بسبب صعوبة الطرق وغياب الاستيراد الرسمي المباشر، إذ يكلف إيصال كيلو الذهب المصاغ من تركيا إلى الداخل السوري حوالي 1500 دولار كأجور طريق وتأمين.

كما أن الورشات المصنعة تتقاضى أجورًا ثابتة (مصنعية) مقابل سك الأونصات والسبائك.

أكد الزهري أن الصائغ “منفذ” وليس “مقررًا” للأسعار، فهو ملتزم حرفيًا بالتسعيرة التي تصدرها جمعية الصاغة، والتي يتم تحديثها لحظيًا عبر منصات متخصصة تضمن توحيد السعر في كل المحافظات.

ويفسر ظاهرة الامتناع عن البيع لبعض الصاغة بأنها “إجراء وقائي” لحماية رأس المال، فعند حدوث قفزات سعرية سريعة، يخشى الصائغ البيع بالسعر القديم لأنه لن يتمكن من استعاضة نفس وزن الذهب بالسعر الجديد.

صائغ آخر من دمشق (فضل عدم نشر اسمه)، أضاف بُعدًا آخر للتفسير، قائلًا ل، “من يقوم بتسعير سعر الغرام هي جمعية الصاغة. بالنسبة للفرق بين السعر العالمي والمحلي، السبب هو الطلب المحلي الكبير للذهب، وأيضًا شركات التعدين العالمية أوقفت توريد الذهب حاليًا بسبب تقلبات الأسعار”.

ويرى أن من الطبيعي أن تكون هناك فجوة وفرق بالسعر، إذ “كيف نبيع الذهب ونحن لا نضمن تعويضه من الجهة المستوردة بسعر مناسب”.

التحليل الرسمي.. “مسافة أمان” وتكاليف إجبارية

المدير العام للهيئة العامة لإدارة المعادن الثمينة، مصعب الأسود، فسر ل فجوة الأسعار، موضحًا أن عدم الاستقرار العالمي يفرض إجراءات “حماية” استثنائية.

وأوضح الأسود مفهوم “إجراءات الحماية الزائدة”، مشيرًا إلى أن الذهب قد يشهد تذبذبات عالمية تصل إلى عشرة دولارات صعودًا وهبوطًا في يوم واحد. في هذه الحالة من عدم الاستقرار، يضع أي بائع “مسافة أمان” في التسعير لحماية رأس ماله من الانهيارات المفاجئة.

هذا التحوط يعود بالفائدة على المواطن أيضًا عند البيع، حيث يلتزم الصائغ بشراء الذهب من المواطنين بسعر أعلى من العالمي بهامش ثلاثة إلى أربعة دولارات، “لامتصاص حالة التخبط الحالية”، بحسب المدير العام للهيئة العامة لإدارة المعادن الثمينة.

وكشف الأسود عن مصطلح تقني هو “التكليف”، موضحًا أن معظم الذهب المتوفر حاليًا في سوريا يُستورد من الإمارات، ما يفرض زيادة ثابتة وإجبارية (نحو ستة دولارات) فوق سعر الشاشة العالمي لكل غرام. هذه التكلفة يفرضها الموردون الخارجيون، و”لا يد للصائغ المحلي فيها”.

وانتقد الأسود ما وصفه بـ”فقاعة الطلب”، حيث يندفع المستهلكون للشراء الجماعي بمجرد بدء الارتفاع، وهو سلوك يؤدي إلى زيادة الأسعار محليًا بعيدًا عن المنطق العالمي. وحذر من الاعتماد الكلي على أسعار “جوجل”، مؤكدًا أن لكل سوق خصوصيته وقوانين العرض والطلب التي تحكمه.

“الاندفاع الجنوني نحو الشراء هو ما يخلق الفقاعة. الهدوء والتريث هما المفتاح لتقليص الفجوة السعرية”، بحسب الأسود.

وشدد على أن الهيئة تتعامل بحزم مع أي شكوى موثقة تصل عبر جمعيات الصاغة، سواء كانت تتعلق بالغبن أو الغش أو عدم الالتزام بالتسعيرة الرسمية، مؤكدًا، “لن نتهاون في محاسبة أي صائغ يثبت تورطه في استغلال المواطن”.

المصدر: عنب بلدي

شاركها.