في أواخر عام 2025، أعلنت المؤسسة العامة لنقل وتوزيع الكهرباء عن مناقصة ضخمة لتوريد 6 ملايين عداد ذكي أحادي الطور و500 ألف عداد ثلاثي الطور، بقيمة تقديرية تتجاوز نصف مليار دولار.

الإعلان كان يُفترض أن يشكل خطوة استراتيجية نحو تحديث قطاع الكهرباء وتحسين الجباية وتقليل الفاقد، كما أنه جذب اهتمام شركات من السعودية وقطر وعُمان ومصر وحتى الصين، التي أرسلت وفودًا فنية للاجتماع مع المسؤولين.

لكن بدلًا من أن يسير المشروع وفق خطة مدروسة، دخل في سلسلة من التعديلات والإلغاءات التي أفقدته المصداقية وأثارت شكوكًا حول جدية الطرح.

من التمديد إلى الإلغاء المفاجئ

بعد الإعلان الأولي، تم تعديل موعد الإغلاق أكثر من مرة: من 28 كانون الأول 2025 إلى منتصف كانون الثاني 2026، ثم إلى منتصف آذار، قبل أن يُلغى الإعلان نهائيًا في 7 من كانون الثاني.

تواصلت مع وزارة الطاقة للحصول على تعليق رسمي حول أسباب إلغاء المناقصة وإعادة طرحها بالسرعة الكلية، ولم يصل أي جواب حتى لحظة إعداد حتى لحظة إعداد هذا التقرير.

هذا الإلغاء المفاجئ ترافق مع وعود بإعادة الطرح بشروط جديدة، لكن ما أثار الاستغراب هو أن المؤسسة أعادت الإعلان تحت رقم جديد (1/2026) وبالسرعة الكلية، مع تحديد موعد إغلاق قصير لا يتجاوز شهرًا واحدًا.

وقال عضو جمعية العلوم الاقتصادية محمد بكر إن هذه الخطوة بدت غير منطقية بالنظر إلى حجم المشروع وتعقيداته الفنية، وأعطت انطباعًا بأن هناك موردًا محددًا مسبقًا أو مصالح خفية وراء التسرع في الطرح والإغلاق.

وتمثلت النتيجة المباشرة لهذا التخبط في فقدان ثقة الشركات المهتمة، إذ لم تُقدَّم أي عروض فعلية، بل اقتصرت العملية على اعتراضات واسعة على دفتر الشروط، الذي تضمن أخطاء فنية وإجرائية في المواصفات ومدة التوريد والكفالات.

ومع تكرار التعديلات، فقدت المناقصة صحتها القانونية، وصارت مثالًا على غياب التخطيط الاستراتيجي والشفافية في إدارة العقود الحكومية، وفقًا لما بينه الخبير الاقتصادي محمد بكر، فالأبعاد الاقتصادية لهذا الإلغاء لا تقل خطورة، فالمشروع كان يمكن أن يحرك السوق المحلية ويوفر فرص عمل ويعزز إيرادات الدولة، لكن بدلًا من ذلك تحول إلى ملف مثقل بالأسئلة وعلامات الاستفهام.

التخبط الإداري وتنفير الاستثمارات

يرى الخبير الاقتصادي أن ما جرى لا يمكن تفسيره فقط بنقص الخبرة، بل هناك مؤشرات على وجود “فساد مقنع”، فالإعلان بالسرعة الكلية ومدة الإغلاق القصيرة يوحيان بأن هناك موردًا جاهزًا ينتظر، وهو ما يتعارض مع مبدأ تكافؤ الفرص.

كما أن كثرة التعديلات أفقدت المناقصة مصداقيتها القانونية، ما جعل الإلغاء وإعادة الطرح محاولة لتجاوز الطعون المحتملة، لكن دون معالجة أصل المشكلة وهو غياب الشفافية.

وأكد الخبير محمد بكر أن هذه الممارسات تضر بصورة سوريا أمام المستثمرين الأجانب، الذين كانوا قد أبدوا اهتمامًا جديًا بالمشروع، مضيفًا أن التخبط والإلغاء المتكرر يعطي صورة سلبية عن بيئة الاستثمار، ويعزز الانطباع بأن السوق السورية غير مستقرة قانونيًا وإجرائيًا، وأن المنافسة قد تكون محسومة مسبقًا.

وهذا يضعف فرص جذب شركات عالمية ذات سمعة قوية، ويترك المجال لشركات صغيرة أو مرتبطة بمصالح داخلية.

الجدوى الاقتصادية المشروطة

رغم الانتقادات، أكد الخبير بكر أن المشروع يحمل جدوى اقتصادية كبيرة إذا نُفذ بشكل صحيح، فهو قادر على تحسين الجباية وتقليل الفاقد الفني، وخلق فرص عمل جديدة، والحد من الاستجرار غير المشروع للكهرباء.

لكن هذه الجدوى مشروطة بوجود دفتر شروط واقعي ومدروس، واعتماد استدراج عروض أسعار لضمان المنافسة العادلة، وتأهيل البنية التحتية قبل الطرح، إضافة إلى شفافية في التمويل وآليات الدفع.

التمويل والجاهزية

يتوقف بكر عند مسألة التمويل، مشيرًا إلى أن مصادره وآلياته غير واضحة حتى الآن، وأن شروط الدفع بقيت على أساس الاعتماد المستندي رغم غياب آلية “سويفت”.

كما يلفت إلى أن الاحتياجات الفعلية لهذه الكمية من العدادات لم تُدرس بشكل كافٍ، خاصة من حيث جاهزية شبكات الاتصالات والإنترنت.

ويخلص إلى أن الاستثمار في العدادات الذكية يحقق عائدًا طويل الأمد أفضل من الحلول التقليدية، لكنه مشروط بتأهيل البنية التحتية وضمان الشفافية في الطرح والتمويل.

شروط صارمة وضمانات مالية

أعلنت المؤسسة العامة لنقل وتوزيع الكهرباء عن إعادة طرح مناقصة العدادات الذكية بعد إدخال تعديلات جوهرية على دفتر الشروط الفنية الذي كان قد نُشر في الإعلان الأولي، ويأتي هذا القرار في إطار جهود المؤسسة المستمرة لتطوير شبكة الطاقة الذكية وتحسين كفاءتها بما يتوافق مع أحدث المعايير العالمية ويلبي احتياجات السوق المحلي.

وأوضحت المؤسسة، عبر قناة وزارة الطاقة في “تلجرما”، أن التعديلات الجديدة تهدف إلى تسريع عملية التوريد والتركيب، وتقليص المدة الزمنية اللازمة للحصول على العدادات الذكية، الأمر الذي استدعى إلغاء المناقصة السابقة وإعادة الإعلان عنها بصيغة معدّلة.

ولضمان جدية العروض والتنفيذ، كانت مؤسسة الكهرباء وضعت في شروطًا مالية وإجرائية محددة، حيث يجب على العارضين الخارجيين تقديم تأمينات أولية بقيمة 211,000 دولار أمريكي أو ما يعادلها بالعملة المحلية.

في حين أن  قيمة التأمينات النهائية المطلوبة بعد إرساء العقد تبلغ نسبة 10% من قيمته الإجمالية.

وتم تحديد مدة ارتباط العارض بعرضه بتسعين يوماً، على أن يتم تسليم المعدات المطلوبة وفق شروط (CFR) أو (CPT) في مستودعات المؤسسة بدمشق أو طرطوس.

رفع أسعار التعرفة الكهربائية

يثير قرار تعديل أسعار التعرفة الكهربائية، الذي صدر مؤخرًا، جدلًا واسعًا بين المواطنين وقطاعات الإنتاج من معامل وورشات على حد سواء، خاصة في ظل الظروف المعيشية الصعبة التي يواجهها السوريون.

وأصدرت وزارة الطاقة السورية، في تشرين الأول الماضي، تفاصيل قرار رفع أسعار الكهرباء وفقًا لأربع شرائح، قالت إنها “تراعي الفئات الاجتماعية ومستويات الاستهلاك المختلفة”، وذلك كجزء من خطة حكومية تهدف إلى إصلاح قطاع الكهرباء وتحسين الخدمة، في وقت يعاني فيه هذا القطاع من خسائر تقدّر بمليار دولار سنويًا، وسط تحديات في التمويل والبنية التحتية في معظم المناطق، بحسب ما ذكرته الوزارة.

وعقب رفع الأسعار، أصبح حديث الكهرباء الشغل الشاغل للسوريين على مختلف المستويات، دون أن تتضح بعد خطة الحكومة للاستجابة لهواجس الشارع.

المصدر: عنب بلدي

شاركها.