عندما التقى عمدة مدينة نيويورك زهران ممداني الرئيس الأميركي دونالد ترمب في المكتب البيضاوي الخريف الماضي، وجّه السياسي الاشتراكي الديمقراطي، البالغ من العمر 34 عاماً، حديثهما الخاص نحو موضوع غير متوقع، وهو قوانين البناء وتقسيم المناطق في مدينة نيويورك.

ولم يكن الأمر مجرد نقاش عابر بشأن السياسات، حيث ظلّ نظام الموافقات المُعقد لاستخدام الأراضي في المدينة هاجساً شخصياً للرئيس المولود في حي كوينز منذ فترة طويلة، وهي شكاوى تعود إلى عقود مضت منذ أيام عمله مُطوّراً عقارياً في نيويورك. 

أما بالنسبة لممداني، الذي دخل الاجتماع بوصفه خصماً ليبرالياً لليمين ومنتقداً دائماً لترمب، فقد شكّل ذلك “توافقاً نادراً”، وفق مجلة “بوليتيكو”.

نبرة ودّية

وأظهر ترمب حماسة واضحة عندما شرح ممداني كيف يبطئ النظام عملية بناء المساكن، إذ قال له الرئيس إنه كان يرغب في إصلاحه منذ سنوات، وفقاً لشخص على دراية مباشرة بمجريات الاجتماع.

وقال الشخص، الذي طلب من المجلة عدم كشف هويته للإفصاح عن تفاصيل حديث ترمب خلال اللقاء الخاص: “كان الرئيس يقول: إذا تمكنت من إنجاز ذلك فسيكون أمراً مذهلاً، لقد أردت حدوث هذا منذ سنوات”.

وانتقل هذا التوافق إلى الجزء العلني من الاجتماع، حيث تبادل الرجلان “نبرة ودّية” وصفتها “بوليتيكو بأنها “غير متوقعة”، في تحول لافت لعمدة بنى حملته على مواجهة ترمب، ورئيس دأب على التهديد بمعاقبة المدن الديمقراطية مثل نيويورك عبر خفض التمويل، وفرض إجراءات فيدرالية صارمة.

وسلط تبادلهما الحديث حول لوائح استخدام الأراضي، التي لم يُكشف عن تفاصيلها من قبل، الضوء على كيفية استمرار “افتتان” ترمب بالتفاصيل الدقيقة لآليات عمل حكومة مدينة نيويورك، وهو أمر قد يعقّد رئاسة ممداني للبلدية، وربما يفيدها، في وقت يدرس فيه البيت الأبيض مدى تشديد استخدام نفوذه على أكبر مدن البلاد.

إجراء مراجعة استخدام الأراضي الموحد

ومنذ لقائهما، واصل ترمب وممداني مناقشة “إجراء مراجعة استخدام الأراضي الموحد” (ULURP) في المدينة عبر رسائل نصية، وفقاً لشخصين مطلعين على هذه المراسلات، طلبا أيضاً من المجلة عدم الكشف عن هوياتهما، غير أن تفاصيل تلك المراسلات، وكيف يتصور ترمب بالضبط إصلاح ممداني لهذه الآلية، لا تزال غير واضحة.

وقالت باربرا ريس، وهي مهندسة شغلت منصب كبيرة التنفيذيين في مجال الإنشاءات في “مؤسسة ترمب” لنحو عقدين، إنها تملك تصوراً عمّا يسعى إليه الرئيس فيما يخص هذه العملية.

وأوضحت ريس أنه عندما كانت شركة ترمب تطور مشروع “ويست سايد ياردز” (West Side Yards) في الجانب الغربي من مانهاتن خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، كان ترمب يتذمر علناً من “إجراء مراجعة استخدام الأراضي الموحد”، ويدعو إلى إلغائه بالكامل.

وأضافت أن ترمب خطط في البداية لبناء “مدينة التلفزيون” في الموقع، وهو مقترح لإقامة ناطحة سحاب بارتفاع 150 طابقاً تضم استوديوهات شبكة NBC داخل حي جديد تماماً يمتد على مساحة 76 فداناً.

غير أن معارضة مجتمعية شديدة بشأن الآثار البيئية، أُثيرت عبر الإجراء الموحد، وأجبرت ترمب على تقليص المشروع بشكل كبير، لينتهي المخطط النهائي ببضع أبراج سكنية فقط.

وقالت ريس، التي غادرت “منظمة ترمب” في أواخر تسعينيات القرن الماضي وأصبحت من منتقديه العلنيين منذ ترشحه الأول للرئاسة عام 2016: “كان يكره إجراء مراجعة استخدام الأراضي الموحد” لأنه رآه معادياً للتنمية، ومعادياً للأعمال، ولأنه دمّر خطته”.

وتخضع أي مشاريع تتطلب تغييراً كبيراً في تصنيف استخدام الأرض لاستيعاب التنمية للإجراء الموحد، إذ تستلزم العملية موافقة مجلس المدينة، وهيئة التخطيط، ورئيس المقاطعة المعنية، والمجالس المجتمعية قبل الشروع في أي مشروع.

ومن المفترض أن تستغرق هذه العملية نحو 7 أشهر، لكنها غالباً ما تتطلب أعمالاً تحضيرية قد تمتد لسنوات.

وقال ممداني إن إصلاح “إجراء مراجعة استخدام الأراضي الموحد”، الذي يتطلب تحركاً من مجلس المدينة، يمكن أن يساعد في إزالة العوائق البيروقراطية التي تؤخر التنمية، في وقت تواجه فيه المدينة نقصاً حاداً في المساكن الميسورة التكلفة.

اهتمام شخصي

ووصفت “بوليتيكو” اهتمام ترمب بالقضية بأنه “يحمل طابعاً شخصياً أكثر”، ويثير تساؤلات حول “المصالح الشخصية”.

ويصعب الجزم بوجود “دافع مالي مباشر” لدى ترمب في سعيه نحو تعديل الإجراء الموحد، إلا أن شركة العائلة العقارية قد تستفيد من أي تغييرات إذا ما عادت الشركة التي تحمل اسم الرئيس إلى الانخراط بشكل أكثر نشاطاً في مشاريع عقارية بنيويورك.

وتشير بعض الأنشطة الأخيرة لـ”مؤسسة ترمب” في المدينة، بما في ذلك محاولتها الفاشلة للاستحواذ على إدارة حلبة التزلج “وولمان رينك” (Wollman Rink) في سنترال بارك، إلى استعداد الشركة لإعادة ترسيخ حضورها في نيويورك.

وفي هذا السياق، يكتسب إصلاح الإجراء الموحد قيمة استراتيجية بالنسبة لممداني في تعامله مع ترمب. فقد هدد الرئيس، المعروف بنزعته الانتقامية، بفرض تخفيضات تمويلية ونشر قوات واتخاذ إجراءات عقابية أخرى بحق مدينة نيويورك، كما فعل في مدن ديمقراطية أخرى، لكنه لم ينفذ معظم تلك التهديدات حتى الآن في “التفاحة الكبرى”.

وقال الشخص المطلع على لقاء المكتب البيضاوي إن ترمب أخبر العمدة بأن الإصلاحات ستجعل من “الأسهل بكثير البناء على نطاق واسع”، مشيراً إلى أن ممداني كان أول من طرح موضوع الإجراء الموحد.

ويكشف هذا التطوّر كيف يدير ممداني علاقته ببيت أبيض يقوده رئيس ينظر إلى نيويورك من زاوية شخصية عميقة، وكيف يختار العمدة الانخراط في قضايا يفهمها ترمب، مع الاستمرار في معارضته في الملفات التي يختلفان بشأنها.

وذكرت “بوليتيكو” أن متحدثاً باسم ممداني لم يعلق على محادثات العمدة مع ترمب حول “إجراء مراجعة استخدام الأراضي الموحد”. كما رفض مسؤول في البيت الأبيض التعليق، لكنه طلب من المجلة مراجعة “تصريحات الرئيس العلنية بشأن آرائه” حول مدينة نيويورك.

ترمب “يحب العقارات”

وقال شخص مقرب من ترمب، عمل معه في السياسة والأعمال طيلة أكثر من عقد، إن الدوافع الشخصية غالباً ما تكون جزءاً من أي خطوة يتخذها الرئيس في ما يتعلق بالعقارات. لكنه أضاف أن ترمب قد يكون أيضاً حريصاً على مصالح مطورين عقاريين في نيويورك، مثل ستيف روث، رئيس شركة “فورنادو” (Vornado) وأحد كبار المتبرعين للحزب الجمهوري.

وأضاف الشخص، الذي طلب من “بوليتيكو” عدم الكشف عن هويته للتحدث بصراحة عن طريقة تفكير الرئيس: “إنه يحب قطاع العقارات، وهذه قضايا تظل عالقة لدى زملائه في تلك الصناعة”.

وفي الوقت نفسه، قال الشخص المقرب من ترمب إن الإجراء الموحد يشكّل نقطة نقاش طبيعية بين الرئيس وممداني، مضيفاً: “أعتقد أن من طبيعته محاولة إيجاد أرضية مشتركة مع أشخاص يُفترض أنه يختلف معهم”.

وقال بروس تايتلباوم، وهو مطور عقاري في نيويورك يستعد لبدء بناء مجمع سكني يضم 1100 شقة في حي هارلم بعد أن استغرقت عملية مراجعة استخدام الأراضي نحو 10 سنوات، إن ترمب محق في انتقاده للنظام، بغض النظر عن أي دوافع مالية.

وأضاف تايتلباوم، الذي شغل منصب كبير موظفي بلدية نيويورك في عهد العمدة رودي جولياني: “إنه (الإجراء الموحد) يضيف كلفة هائلة ووقتاً ومخاطر وعدم يقين، ويؤخر المشاريع لسنوات بلا شك، وهو ما يفسر جزئياً أزمة الإسكان التي نواجهها.. ستكون المدينة، ومن يحتاجون إلى مساكن ميسورة التكلفة، أفضل حالاً من دونه بصيغته الحالية”.

ولم تطوّر شركة عائلة ترمب مبانٍ جديدة في مدينة نيويورك منذ سنوات، لكنها لا تزال تملك وتدير حقوق استخدام عدد من العقارات في أنحاء المدينة، من بينها برج “ترمب تاور” (Trump Tower) الشهير في وسط مانهاتن.

كما أبدت الشركة، التي يديرها نجلا الرئيس إريك ترمب ودونالد ترمب الابن، اهتماماً متجدداً بالعقارات في مدينة نيويورك.

وحاولت “مؤسسة ترمب” العام الماضي، من دون نجاح، استعادة عقد المدينة لإدارة حلبة التزلج “وولمان” في سنترال بارك، كما حققت مكسباً مالياً قدره 150 مليون دولار من صفقة وافقت عليها الولاية لتطوير كازينو لشركة “باليز” (Bally’s) على ملعب الجولف التابع لترمب في حي برونكس.

وقالت “بوليتيكو” إن “مؤسسة ترمب” لم ترد على طلب للتعليق.

وقال ترمب إنه لا يزال على علاقة جيدة مع ممداني رغم الانتقادات المتكررة التي يوجهها العمدة لأجندة البيت الأبيض.

وقال ترمب، في ظهور إذاعي حديث على محطة “وابك” (WABC)، عن هجمات ممداني عليه: “إنها السياسة، عالم قاسٍ، ومهنة قاسية بصراحة، لكنني انسجمت معه جيداً جداً، وعقدنا بعض الاجتماعات الجيدة وبعض الأحاديث الجيدة”.

شاركها.