تشهد المؤسسة العسكرية الصينية واحدة من أوسع حملات الإطاحة وإعادة الهيكلة منذ عقود، في خطوة يقودها الرئيس الصيني شي جين بينغ تحت شعار مكافحة الفساد، لكنّها تحمل في عمقها أبعادًا تتجاوز المحاسبة الإدارية إلى إعادة ضبط الولاءات وتعزيز الجاهزية القتالية، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى ملف تايوان كأحد أبرز الاختبارات الاستراتيجية المقبلة لبكين.

وخلال السنوات الماضية، واصل شي جين بينغ إعادة تشكيل قيادة جيش التحرير الشعبي، معتبرًا أن الفساد لا يمثل مجرد خلل داخلي، بل تهديدًا مباشرًا لقدرة الجيش على تنفيذ مهامه الحيوية، خصوصًا في مجالات الردع النووي والعمليات المشتركة المعقدة.

إخفاقات صادمة في قوات الصواريخ

تقارير استخباراتية أمريكية كُشف عنها في عام 2024 سلطت الضوء على إخفاقات خطيرة داخل قوات الصواريخ الصينية، الذراع المسؤولة عن الردع النووي. ووفق هذه المعلومات، تبيّن أن بعض صوامع الصواريخ شُيّدت بمواد أثقل من اللازم، فيما وُجدت صواريخ مملوءة بالماء بدل الوقود، في مشهد أثار صدمة داخل دوائر القرار.

وتشير تقديرات إلى أن هذه الإخفاقات كانت من بين الأسباب التي عجّلت بإقالة القيادة العليا لقوات الصواريخ، قبل أشهر من تسريب تلك المعلومات، في إطار حملة أوسع استهدفت مراكز حساسة داخل الجيش.

إقالات تطال قمة الهرم العسكري

وخلال الأسبوع الماضي، توسعت حملة التطهير لتصل إلى أحد أبرز الجنرالات في الجيش، تشانغ يوشيا، الذي يُعدّ أعلى القادة العسكريين بالزي الرسمي. ووفق محللين نقلت عنهم صحيفة التلغراف، فإن هذه الخطوة تعكس انتقال الحملة من محاسبة الفساد إلى إعادة هندسة مراكز النفوذ داخل القيادة العسكرية.

ويرى خبراء أن بكين باتت تنظر إلى الانضباط السياسي والولاء القيادي بوصفهما عنصرين لا يقلان أهمية عن الكفاءة العسكرية، خصوصًا مع اقتراب مواعيد استراتيجية حاسمة، من بينها الاستعداد لسيناريو محتمل تجاه تايوان بحلول عام 2027، والسعي لتحقيق تفوق عسكري عالمي بحلول عام 2049.

أبعد من الفساد.. اختبار الولاء

وبحسب التقرير، فإن التحقيق مع الجنرال تشانغ ارتبط بما وُصف بـ”انتهاك نظام مسؤولية رئيس اللجنة”، في إشارة إلى تشديد شي جين بينغ على مبدأ الولاء الشخصي لرئيس اللجنة العسكرية المركزية.

ورغم غموض التفاصيل، تداولت أوساط تحليلية تسريبات عن شبهات تتعلق بتسريب أسرار نووية، مقابل روايات أخرى تحدثت عن خلافات داخل القيادة بشأن التوقيت الأنسب للتعامل مع ملف تايوان.

هل تتأثر الجاهزية القتالية؟

وأثارت الإقالات المتتالية تساؤلات حول تأثيرها على خبرة القيادة العسكرية وقدرتها على إدارة عمليات معقدة تتطلب تنسيقًا عالي المستوى بين القوات البحرية والجوية والفضائية والسيبرانية. غير أن محللين، من بينهم جوناثان تشين، الذي عمل سابقًا محللًا لشؤون الصين داخل وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، يرون أن ما يحدث يعكس تركيزًا عملياتيًا مكثفًا على الجاهزية، لا حالة ارتباك.

تحديث عسكري متسارع

وتزامنت حملة مكافحة الفساد مع استثمارات عسكرية ضخمة، أسهمت في تحويل جيش التحرير الشعبي إلى قوة مختلفة جذريًا عمّا كان عليه قبل تولي شي السلطة. فالصين تمتلك اليوم أكبر بحرية في العالم من حيث عدد القطع، وثاني أكبر قوة جوية قتالية، إضافة إلى ترسانة صاروخية تشهد توسعًا متسارعًا.

ويقدّر التقرير الميزانية العسكرية الرسمية بنحو 250 مليار دولار، مع اعتقاد واسع بأن الإنفاق الفعلي يتجاوز هذا الرقم بكثير.

خلاصة المشهد

يخلص التقرير إلى أن الطريق داخل المؤسسة العسكرية الصينية لا يزال مليئًا بالتحديات، بين إرث الفساد والصراعات الداخلية وتشديد الانضباط السياسي، إلا أن الاتجاه العام لم يتغير: تحديث الجيش، إحكام السيطرة عليه، وضمان جاهزيته لخيارات استراتيجية كبرى قد تعيد رسم موازين القوة في المنطقة والعالم.

المصدر: وكالة ستيب الاخبارية

شاركها.